جَُمعات راديكالية

سلسلة من الندوات عبر الإنترنت حول التربية الراديكالية في فلسطين: تاريخ وتجارب

لقد دأب الفلسطينيون على مدار قرن من الزمان على تغذية أربعة أنواع من التربة كانت في صلب نضالهم من أجل التحرر، وفي قلب مفاهيمهم حول التربية والتعليم، ألا وهي: الأرض، والتربة الحضارية، والمجتمعية، والوجدانية. هذه “التربية الراديكالية” ربطت ما بين استيعاب وفهم الماضي، التحليل النقدي للحاضر، التخيل الابداعي لمستقبل بديل، واستراتيجية فاعلة للانتقال من واحدة إلى الأخرى. من هذا المنطلق يمكن اعتبار “التربية الراديكالية” في السياق الفلسطيني على أنها التربية والتعليم التي تقع بالضرورة في جوهر النضال المناهض للاستعمار من أجل التحرر وتتخذ أشكالا متعددة قد لا تكون هي التي اعتدنا على وضعها في خانة “التعليم”. 

سوف تستكشف هذه السلسلة من الندوات الافتراضية، من خلال رؤى وتجارب وأبحاث معلمين، منظمين مجتمعيين، دارسين، ممارسين، وطلاب، التجليات المختلفة للتربية الراديكالية الفلسطينية على مدار قرن من الزمان وما نتج عنها من أنماط تربوية، على أمل أن تساهم هذه الحوارات في حراك اقليمي وعالمي نحو شكل جديد من التربية والتعليم: عادل في تكوينه وراديكالي في غاياته.


 الندوة الأولى: مقدمة حول التربية الراديكالية  التاريخ: ١٣ نوفمبر/ تشرين ثاني ٢٠٢٠ المتحدثون: منير فاشه، مزنة القطو   إدارة الجلسة: ميسون سكرية

ماذا نعني بالتعليم الراديكالي؟

في تعريف ميسون سكرية، مديرة الجلسة، له، هو عملية البحث والكشف عن أمور فرضت علينا من خلال الاستعمار. ويتحقق التعليم الراديكالي من خلال ثلاثة شروط؛ نقد راديكالي لوضع قائم في مكان ما، وعن طريق تقديم رؤيا بديلة واضحة لهذا الوضع، وبطرح أفكار واستراتيجيات من الواقع الذي نريد تغيره لنصل إلى “اليوتوبيا”.

وللفلسطينيين تجربة طويلة بالتربية الراديكالية غير الموثقة وهذه الجمعات ومن خلال جلساتها الاثني عشر تطمح لاستكشاف وإعادة استكشاف هذه التجارب في فلسطين في الوقت الحالي وفي مراحل تاريخية سابقة. أما تبلور الفكرة جاء من المتابعة المستمرة لواقع التربية الراديكالية في عالمنا العربي وملاحظة غياب توثيق هذه التجارب وأثرها.

ولكن كيف لنا أن نستأصل الكولونيالية من هذا الإرث؟ 

من المراجعة لتاريخ التعليم الراديكالي لوحظ بأنه لا توجد عملية تربوية محايدة. فليس للتربية الراديكالية شكل موحد ولا وصفة سحرية لتطبيقها، فهي تعتمد على الزمان والمكان وما يحيط بها من ظروف. فالهدف من التعلم من التجارب الراديكالية هو العمل والاجتهاد على أنفسنا والذي هو أساس التعليم الراديكالي بهدف خلق عالم أفضل نكون فيه الأفراد الذين نطمح لرؤيتهم بهذا العالم والذي هو ليس بالعمل السهل.

أما هذه الجمعات جاءت من وحي جُمعات وجَمعات الربيع العربي وذلك لنعيد إحياء الخيال والأمل بإسقاط الديكتاتورية المتعلقة باللابديل عن التعليم الرسمي.

ربط منير فاشه التربية الراديكالية بسرده لتجربته الشخصية مع الفلسفة التي اتبعها في التربية منذ عام ١٩٧١. هذه الفلسفة تَعتبر بناء القوة والمناعة الداخلية اللبنة الأساسية للتربية الراديكالية والتي هي المقومات الأساسية للشفاء من أمراض التعليم الأكاديمي.

قصته بدأت مع الرياضات والتي لخصها بكلمة “عبد”، حيث أنه كان عبداً كطالب وعبداً كمدرس لمادة الرياضيات، يُنفذ ما يطلب منه إلا أن جاءت حرب عام ١٩٦٧ التي جعلته يدرك بأن ما يُدرّسه في الجامعة لا يُمكّنه من فهم ما يحدث حوله في الحياة، فهناك فجوة كبيرة بين رياضيات الأكاديميا ورياضيات الحياة.

وبما أن منير كان حكيم ذاته، فقد استطاع بأن يضع اصبعه على أربعة عوارض لهذا المرض. أولها الافتخار بالعبودية، حيث كان يفعل ما يملى عليه، ففهمه للأمور بالحياة كان مستمداً من الأكاديميا غير المرتبطة بالواقع. ثانيها اللغة، إدراكه بأن لغة الكتب المقررة هي لغة ميتافيزيقية وهي تماماً عكس ما عبر عنه الجاحظ من بيان وتبين والذي يُشكل من نضج ووعي. ثالثها الإلهاء، لاحظ منير بأن الأكاديميا ألهته عن الحياة مثل رؤية الرياضيات الحية والمنطق الخفي من ورائها. ورابعها اكتشافه بأنه كولونيالي معرفي سلاحه الرياضيات والادعاء بأن المعرفة أحادية عالمية.

إدراكه لأعراض هذا المرض ساعده على تشخيص حالته بأنه مريض بمرض “الببغاوية” يعيد ما يسمع بفخر ودون تشكيل أدنى معرفة ومعنى وفهم.

وكما يقول على بن أبي طالب “دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ”، فكانت طريق شفائه بالعودة إلى اللغة الحية وما وجد من غنى في اللغة العربية. فقد كان العرب يقولون؛ نروي حكايات ونروي نباتات. فعندما نروي النباتات فإننا نغذى التربة الأرضية التي نتغذى منها، وعندما نروي الحكايات فإننا نغذي التربة الثقافية والاجتماعية والوجدانية، أنواع التربة هذه هي أساس المناعة والمعنى وبناء معرفة والتغذية وجدل أنسجة.

ومن ثم تساءل منير عن سبب غياب ذكر أنواع هذه الأتربة في المدارس والجامعات. فعكس ذلك على تجربته الشخصية، حيث أن عقله كان في حالة موت سريري بفعل الأكاديميا بالإضافة إلى إصابته بداء “الببغاوية” والنتيجة كانت عدم قدرته على إدراك ووعي ما يدور حوله. أما ما يفعله الآن في حياته فهو إعادة تغذية الروح والثقافة والجمال، وتتمثل طريقته في الحياة لاستعادتها في المجاورة والعافية واللتان هما ملك الناس. العافية هي مسؤولية الناس وترتبط بشكل مباشر بالتربة، فإننا نستطيع أن ننقذ أنفسنا من خلال العودة إلى أنواع التربة.

أما بخصوص معنى الراديكالية بالنسبة له، فهي تعني العودة إلى الجذور “والتي يعود أصلها إلى الكلمة اليونانية Radix” والتي شبهها بفلاح بلاد الشام. فالتعليم الإنجليزي عَمِل جاهداً على تمزيق العلاقة مع الأرض ومع العائلة وهو ما أدركه فلاحو بلاد الشام عام ١٩٢٩ ودعوا ضده، أدركوا أهمية أنواع التربة منذ ذلك الحين ودور التعليم الإنجليزي في خلعنا من جذورنا.

وأخيراً كانت دعوته لأن نخرج من “الببغاوية” ونحمي أطفالنا وأنفسنا منها وأن نبحث عن طرق تعلم أخرى غير المدارس والجامعات. لدينا كل ما يلزم لنشفى من هذا المرض والهمجية، وطريقنا لندرك الغنى الذي يحيط بنا هو التأمل والاجتهاد وتكوين معنى والذي هو فعل تراكمي.

أما مزنة القطو فعرّجت على الأمور المتعلقة بتاريخ التعليم الراديكالي في فلسطين التي لا يتم الحديث عنها وتم تغييبها، وحاولت قلب الأمور عند سردها لهذا التاريخ عن طريق الانتقال من عرض تاريخ التعليم الراديكالي في فلسطين إلى عرض تاريخ فلسطين من خلال التعليم الراديكالي وتاريخ التعليم الراديكالي بشكل عام.

فتساءلت، ماذا يتطلب للكتابة عن التربية الراديكالية في فلسطين؟ وما هي الموضوعات التي من الممكن أن تذكر؟ وكيف لنا أن نبدأ بإدراك أشكال التعليم الراديكالي وكيف تشكلت في فلسطين؟ 

ربطت مزنة في نقاشها بين الخبرات والتجارب التي ساعدت على نشوء نظريات التعليم الراديكالي وبين فهمنا للواقع الفلسطيني. كيف تحدّت هذه النظريات طريقة كتابتنا لتاريخ التعليم الراديكالي في فلسطين خلال القرنين ال ٢٠ و٢١.

لفهم البعد التاريخي للتعليم الراديكالي ركزت مزنة على ثلاث نقاط رئيسية؛ التاريخ السياسي والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي/ الفكري.

في النظريات السياسية نجد أن التعليم الأكاديمي مرتبط ومتداخل مع فكرة تشكيل الدولة القومية والهوية الوطنية ويؤثر على الطريقة التي تتشكل فيها المجتمعات السياسية. الواقع الفلسطيني ليس بعيداً عن هذا التدخل والترابط، ولكن نجد في التاريخ الفلسطيني تركيز كبير في التعليم الأكاديمي على موضوع تشكيل الدولة الوطنية وكأن دوره الوحيد هو كيف يفرز ويعيد إفراز هذا البعد. 

وعند النظر بموضوع التاريخ فإننا لا نستطيع أن ننظر له ببعد وبمعزل عن الفترات والحقب التاريخية التي مرت على فلسطين. معظم المعلومات عن تاريخ التعليم في فلسطين التي يمكن لنا تتبعها وتوثيقها تعود للفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الواحد وعشرين/ التاريخ المعاصر. وخلال هذه الفترة لا بد من أن نتساءل كيف تجاوب التعليم الراديكالي ومن مارسه مع قضايا فلسطين من تهجير واحتلال واستعمار وتدمير وانتصارات واعتصامات ومقاومة وثورات بالإضافة إلى تتبعهم للحياة اليومية الاجتماعية خلال كل هذه الأحداث.

البعد الجغرافي للواقع الفلسطيني بفعل الاحتلال مرتبط أيضاً بالتعليم الراديكالي. فعندما ننظر جغرافياً إلى الواقع الفلسطيني نجد أننا ننظر باتجاه أمكنة جغرافية متعددة؛ داخل الضفة وغزة والمناطق المحتلة عام ١٩٤٨ والدول العربية ومناطق الشتات الأبعد، ففي كل مكان يتواجد فيه فلسطينيون هناك تجارب وممارسات تعلم راديكالي. الأحداث السياسية مثل وعد بلفور والنكبة والنكسة عملت على تشكيل وخلق مناسبات ومجموعات وتجارب تأتي تحت مفهوم التعليم الراديكالي والتي انتشر أثرها في أماكن جغرافية مختلفة، فعلى سبيل المثال إحياء يوم الأرض في المناطق المحتلة عام ١٩٤٨ كنشاط سياسي اجتماعي يبحث في التاريخ الكولونيالي ساعد على فهم إطار عمل هذا التعليم وأضاء على غنى التعليم الراديكالي في السياق الفلسطيني.

التعليم بالعادة مرتبط بالقياس. ولكن في التعليم الراديكالي لا يمكن قياس أثره بالطرق التقليدية أو من خلال قياس كفاءة عمل الحركات الوطنية وعمل الأحزاب السياسية. بل ينظر له من خلال العمل المجتمعي واللقاءات العائلية وتجمعات الشباب والتجمعات الاجتماعية العفوية البسيطة مثل جمعات العائلة يوم الجمعة والجلسات في الطبيعة وفي كل موقف يكون فيه الأشخاص في مرحلة تعلم عن ومع بعضهم البعض.   

ولفهم التاريخ الاجتماعي والثقافي للتعليم الراديكالي لا بد من مراجعة بعض النصوص التي كتبت عن التعليم الراديكالي والقراءة للمفكرين الراديكاليين والنظر بالأفكار التربوية (بيداغوجيا) ليس فقط في فلسطين ولكن في الدول العربية والعالم أجمع. وعند النظر في البعد الاجتماعي، فلا بد أن ننظر له من زاوية كيف أن التعليم الراديكالي في فلسطين ساهم بشكل كبير بالتغيير الاجتماعي والتحرر الاجتماعي.

وعند النظر في البعدين الاجتماعي والاقتصادي لفلسطين بعلاقتهم مع التعليم الراديكالي، فلا بد أن ننظر لتاريخ هذا التعليم من منظور قضايا حساسة مثل حقوق العمال ونشوء الأنظمة الاقتصادية المناهضة للرأسمالية وما أفرزت من ثورات وحركات اجتماعية. 

وبالنهاية أثر التعليم الراديكالي هو ليجمعنا بالعمق والجذور بطريقة أشمل وأثر أطول عمراً بعيداً عن كل الأهداف السياسية.


الندوة الثانية: تجول في الأرض تمتلكها  التاريخ: ٤ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠٢٠ المتحدثون: سامر شريف، تجوال سفر/ فلسطين القدس.  أحمد أبو ارتيمة، مسيرات العودة/ فلسطين غزة.  هزار حجازي، مسيرات العودة/ فلسطين 48.  إدارة الجلسة: سيرين حليلة 

التجوال، المسير، المشي

كلمات مختلفة لفعل واحد يعبر عن نشاط رئيسي من مكونات الثقافة الفلسطينية والذي يعرف بلغتنا العامية ب “السرّحة”. 

ولكن للمشي في فلسطين بعد آخر، بُعد مرتبط بالمقاومة عن طريق إعادة العلاقة مع الأرض وناسها وحكاياتها وعبور التقسيمات والأسلاك والحدود المرسومة بفعل الاحتلال. من هذه الفكرة والرغبة جاء فعل المشي في أجزاء فلسطين المختلفة، كل منطقة لها خصوصيتها مع الاحتلال، فعل المشي واحد ولكن طرقه تختلف نتيجة لما يفرضه الاحتلال من شروط وقيود وحصار.

نسج اللقاء القُرب بين غزة وحيفا والقدس وباقي مناطق فلسطين الذي تعمل الغطرسة الاستعمارية على تقسيمها ذهنياً وجغرافياً وسياسياً ولغوياً ولكن الحركة والمسير تلملم ما يعمل الاحتلال على تقسيمة ف”العودة” في هذا السياق هي وسيلة تعلم وفهم. سار اللقاء بين البعد التاريخي لقوانين منع التجوال والحركة التي سُنت بعد جريمة النكبة وأثرها النفسي على الجيل الأول للنكبة وما ولّدت من خوف وصمت وشلل وعدم معرفة للأجيال اللاحقة إلى فعل الحركة والمسير بأشكاله المختلفة كطريقة لمقاومة الصمت والتسكيت الإجباري والخوف. المسير مرافق لحياة الفلسطينيين منذ القِدم ولكن مع الاحتلال رافقه فعل المقاومة.

ففي غزة سرد لنا أحمد أبو ارتيمه عن مسيرات العودة ودورها في عودة المقاومة الفلسطينية إلى المربع الأول في مقاومة الاحتلال. بوصلة العودة في هذه المسيرات هو التوجه شمالاً إلى الداخل، والمسير يساوي العودة. العودة إلى المقاومة والأرض والجذور والعلاقات مع باقي الأهل في أراضي فلسطين المختلفة.

ذكّرنا أحمد أن الأفكار تولد من رحم الطبيعة، الاشتياق إلى الطبيعة والخَضار حتى من خلف السياج حرّك حالة السكون التي يعيشها أهل غزة، الاحتلال يقتل النفس البشرية ولكن أصوات الطبيعة كانت قادرة على بث روح المقاومة. هذه المسيرات أعادت إحياء الأماكن المهجورة في القطاع لقربها من السياج ووجود جنود الاحتلال، فقدمت المسيرات حالة جديدة من الاشتباك بالحركة باتجاه المكان الذي يعيق الحركة ودب الحياة في هذا المكان عن طريق الحضور. أشكال الحضور كانت متنوعة؛ عائلات تأتي بكل أفرادها للأكل بجانب السياج، أطفال يلعبون، الجلوس بجانب السياج، فمهما تعددت الأفعال، يساعد الفعل الجماعي على كسر سلسلة الخوف، من وجودهم في هذه البقعة قرب السياج إلى مواجهتهم بشكل مباشر لجنود الاحتلال، كل هذا ساعد على تقريب المقاومة من الفعل اليومي للأجيال الجديدة، ولكن هذه المرة بالقرب من السياج. 

بالعودة إلى الحركة؛ لم تحرك المسيرات الخوف فقط بل حركت الخيال أيضاً وغذت القلب والروح. ما وراء السياج هو الأمل وكان لا بد من تغذيته. وصف لنا أحمد المشهد عند السياج بكل تفاصيله، فالناس لم تكن تسير وتتجول على أرجلها فقط وإنما سمحت لأعينها بأن تتجول باتجاه الأمل والبوصلة. العين مفتاح القلب والقلب ينبض بوعي وطني مشترك ولكن كل شخص أعطى لنفسه دفة القيادة وتَحرك كما يشعر وكان حاكماً ذاته لدرجة أن كل الألقاب ومصدر السُلطة الأحادي ذاب وسط هذا الزخم الشعبي، فكانت المسيرات مُلك لكل شخص. كان ميلاد الفكرة نابع من روح كل شخص فكسرت هذه المسيرات مُعادلة الموت ببطء داخل السياج إلى استعادة القدرة على الحياة حول هذا السياج لا بل والتمرد عليها.  

هزار حجازي من حيفا ذهبت في روايتها إلى الجزء التاريخي مع علاقة الفلسطينيين مع التجوال لنفهم ما يحدث حالياً من مسيرات العودة وأشكال التجوال التي تحدث في القرى والمدن الفلسطينية المختلفة. عندما يكون الحاضر نابعا من قصص وتاريخ المكان والزمان، يصبح الماضي بوصلتنا للتحرك باتجاه المستقبل.

من قصتها الشخصية في بيت العائلة في عكا بدأت عملية بحث هزار عما حدث لجدتها في حيفا بعد النكبة. قصتها الشخصية كانت المُحرك للبحث ومعرفة حالة الصمت التي تشكلت عند جدتها أو الجيل الأول للنكبة، فما زالت حالة الفضول عند الجيل الثالث موجودة لمعرفة ما حدث، فنحن لا نتوارث القصص فقط ولكن أيضاً عملية البحث ومعرفة الحقيقة يصبحا جزءاً من هذا الموروث.

عام ال١٩٥٤ أي بعد الجريمة بستة سنوات سنّ الكنيست الإسرائيلي قانون منع التسلّل لمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، بالإضافة إلى أنه في الأعوام ما بين ١٩٤٨ – ١٩٦٦ كانت حركة الفلسطينيين في الداخل المُحتل تحت إمرة الحاكم العسكري الذي كان يتحكم بتصاريح التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية المحتلة. هذه القوانين حجبت الفلسطيني عن أرضه وبيته وتاريخه وأهله وناسه وأيضاً أفقدته قدرته على فهم واستيعاب ما حدث وشكلت حالة من الصمت والخوف والانكسار بالمقابل. قانون منع التسلّل من اسمه، أفقد الفلسطيني شرعيته بالعودة وأعطته لقب “مُتسلّل” أمام نفسه والعالم أجمع، ورافق هذا القانون خضوع الفلسطيني لأوامر الحاكم العسكري بمنع التجول. خلال هذه الفترة الزمنية عمل الاحتلال على تغيير ملامح القرى والمدن المهجرة وهدم البيوت ومحي التاريخ المكاني وهوّد أسمائها لدرجة أن هذه الأماكن أصبحت غريبة على أهلها من أجل تطويع المكان حسب الرواية الصهيونية. وهذا القانون المُسن وما تبعه من تعليمات للحكام العسكريين لم تقييد الحركة الجسدية فقط وانما انعكست على وجدانهم أيضاً.

مَنع أهل البلد من التجول في أراضيهم والحصار داخل بقعة جغرافية معينة أسس للعلاقة بين المُستَعمَر والمُستعمِر وأصبح الفلسطيني في حالة من التطويع للواقع المفروض وأوجدت شخصية مهزومة بلا جذور، فالتجوال هنا يجمع بين حركة الجسد والوجدان والتي عمل الاحتلال بكل قوانينه وجبروته على تقييدهم. 

ربط حركة الجيل الثالث من النكبة بالتجوال في أراضيه المختلفة بالسياق التاريخي لما بعد عام ال١٩٤٨ أعاد فكرة لماذا يجب علينا أن نتحرك ونتجول. مسيرات العودة شكلت حالة بأن هذه المسيرات تخصنا والأرض التي نتجول فيها تخصنا لأنها تُحيي شعور الانتماء إلى المكان والزمان والرواية وتكسر حالة الصمت. هذه المسيرات والتجوالات تجدل النسيج مع المكان ومع الأجيال المختلفة وتنقل المعرفة وتحرك الذاكرة وتعيد الصراع إلى أساسه، فالمسير هو الاستمرارية.

أما سامر الشريف من القدس فشارك تجربته مع مجموعة تجوال سفر والتي بدأت ب ١3 شخص عام 2011 كان لديهم شغف التعرف على جبال وقرى ومناطق فلسطين المختلفة التي درسوها بالمدارس فقط. ولدت الفكرة لتؤكد على أن التعلم رفيق الحياة وأن قدرتنا كبشر على التعلّم هي قدرة عضوية نغذيها بالتجوال. في التجوال كل متجول هو مسؤول عن تعلمه ويحدث التعلم عن طريق الاحتكاك مع قصص الناس وأهالي المناطق التي يتم التجوال فيها وتعلم اللهجات المختلفة والتعلم عن ذواتنا وما لا نعرفه عن تاريخنا، قصص التجوال من “الختايرة” تسمح للخيال بأن يحلق وللعقل بأن يتجول ليشكل صورة ذهنية عن لا المكان. بالنسبة لهم خارطة فلسطين هي مثل الأحجية وفي كل مرة تتم زيارة مكان والتجوال فيه يتم تركيب جزء من هذه الأحجية.

التجوال يقابله منع التجوال بين المدن والقرى الفلسطينية المختلفة. الطرق في الأذهان، بفعل ما عاشته الأجيال السابقة من صعوبات في التنقل وحواجز مُهلكة، أصبحت أماكن سيطرة وتحكم وعززت الشرخ بين الأجيال اللاحقة، في “تجوال سفر” تم إعادة تعريف هذه الأماكن لمساحات تجوال وتعارف وإعادة الصلة. وأيضاً يقابل التجوال مفهوم السياحة، أجمل ما في التجوال أنه يبدأ بدعوة من أحد أهالي المنطقة “تعال تجول ببلدي” ويستضيف المجموعة التي أصبح عددها بحدود ال ١٠٠ شخص. في الاستضافة، يُشرع المُستضيف باب بيته وحياته وقصصه بكل صدر رحب، وأيضاً في الضيافة يشارك المتجولون أهل البلد بالأعمال المختلفة، من بناء وحصاد وزراعة… والذي لا تقدمه السياحة المرتبطة بالمال والغربة والبرامج المحددة سلفاً ولكن التجوال هو سفر وألفة وعونة. فمثلاً في التجوال يتم التعامل مع الجبال على إنها باب البيت وطريقهم لاكتشافها هي الميرمية والأعشاب البرية، ولأنهم يعرفون الفرق بين القرية والمستوطنة فيعرفون كيف يشقون طريقهم، بينما الاحتلال حوّل هذه الجبال لمجرد أماكن سياحية يتم المسير فيها من خلال تطبيقات لا تأخذ بعين الاعتبار المحيط وطبيعته وتعمل على توجيه المسير باتجاه واحد يلغي قصة المكان وماذا يحكي الجبل وماذا يَفصل.

رفقة السفر في التجوال هي فعل جماعي ليس فقط بالمشي وإنما التشاركية بالترتيب له وإحضار الوجبات وتناولها خلاله وأيضا التشارك بتحديد إيقاع المسير، متى نتوقف وكيف نكمل المشي. عزز “تجوال سفر” كنشاط ثقافي فكرة الاعتماد على الذات دون الحاجة إلى ممولين، الناس تدعم بعضها البعض، أهم مورد في التجوال هو الناس والفعل الأساسي هو المشي. ففي “تجوال سفر”، السفر يكون بهدف العودة للجذور، من خلال تعلم كيف ندعم أنفسنا ونتشارك ونتعلم عن تاريخنا وقصصنا وأرضنا وذواتنا. 

“تجول في الأرض تمتلكها” هو شعار مجموعة سفر الذي يعيد الصلة بيننا كأفراد وبين الأرض. عندما نتجول في “الأرض المسلوبة” فإننا نمتلك قصصنا معها وذكرياتنا ودعسات أقدامنا ونعيد تفكيرنا بعلاقة الإنسان بالطبيعة لنتذكر بأن الطبيعة هي التي تمتلكنا. ولكن في واقع الاحتلال المفروض في فلسطين نحن نمشي في جماعة لنعيد امتلاك ما سُلب منا ونكسر حاجز الخوف ونخلق الشعور بالأمان حتى مع وجود الحواجز الإسرائيلية، فمع الجماعة تأتي القوة والخيار المتاح هو أن نعيد وجودنا في أرضنا وإلا سوف يقوم غيرنا بأخذ المكان.

فالتجوال أو المسير أو المشي هو الفعل الذي يتم خارج حدود الكتب المدرسية وخارج الحدود السياسية الاستعمارية وخارج الرواية المُسيطرة والمهيمنة وخارج حدود الصمت وخارج الخوف للعودة إلى الأصول والجذور والأرض والتاريخ غير المشوه وإلى ذواتنا وامتدادنا التاريخي الجمعي. مسيرات العودة والتجوالات هي رد حي على الغطرسة الاستعمارية والتي شكلت تحدي وطني جمعي بالعودة عن طريق المشي والتجول وربط الحاضر بما حدث بالماضي لنعرف كيف نكمل مسيرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *