الفاعل المتأمّل

إذا أردت أن أصف ما فعلتُه منذ 1971 فإن تعبير ‘فاعل متأمل’ هو أصدق وصف على مدى ما يقارب من خمسة عقود. كل صباح (باستثناءات قليلة جدا بسبب السفر أو ما شابه) أتأمل فيما مررتُ به في اليوم السابق وأجتهد في تكوين معنى وفهم له، ومن ثم أكتبه على ورق بخط يدي (حتى بعد أن أصبح الكمبيوتر وسيلة شائعة وسهلة). أجد الكتابة باليد تساعدني على ربط الفكر بالكلمات وبالأصابع والنظر؛ عندما أكتب عبر كمبيوتر تظهر الكلمات على شاشة وليس في المكان الذي توجد أصابعي فيه، ويكون نظري في اتجاه وفكري مشتت… لم أتوقّف عن الكتابة كل صباح منذ ذلك الوقت. فعلتُ الكثير وتأملت واجتهدت وصِغْتُ ما تكوّن لدي من معانٍ وفهم ومعرفة. كنت أفعل وأتأمل وأصيغ، والصياغة كانت دوما بيانا يبيّن ما تكوّن ونضج بداخلي من معنى وفهم ومعرفة. وفي نفس الوقت، كان الفِعْلُ دوما ضمن مجموعة (ما أُطْلِقُ عليه منذ 2004 كلمة مجاورة). الفعل والتأمل والاجتهاد والشراكة في تكوين معنى وفهم – ضمن مجاورة – كان نهجي في الحياة منذ 1971. ما أطرحه هنا أن يسعى كل شخص في النظر لنفسه ك‘فاعل متأمل’. يشكل هذا مناعة أساسية على صعيد الفكر. لو فعل كلٌّ منا هذا وتبادلنا ما نصيغه، سينتج زخمٌ له شأنه في شفائنا من كثير من الأوهام والخرافات الحديثة، وسنستعيد العافية والحكمة في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا وعلاقاتنا… يحتاج هذا إلى صبرٍ ومثابرة. إذا كنت تفعل لكن بدون تأمّل واجتهاد وبيان، سيخسر المجتمع إسهاما هاما يمكن أن يضيف إلى عافيته ومناعته ونسيجه على أصعدة شتى. كان أول مظهر لهذا التأمل كتاب ‘خلجات فلسطيني’ الذي جمعتُ فيه ما نشرتُه من 1972 وحتى 1975 في صحف ‘القدس’ و‘الشعب’ و‘الفجر’.

مررت بالفترة المدرسية والجامعية دون أن أفعل أي شيء كان نابعا من داخلي، أي دون أن ترتبط المعرفة التي اكتسبتها بسياق وفعل وشراكة في تكوين معنى. مررت بالفترتين دون أن يسألني أحد ‘ماذا تبحث عنه في الحياة؟’، ودون أن أعي ما أُحْسِنُه، ودون أن أشارك في تكوين معانٍ للكلمات التي كنت أستعملها. عندما تعمّقت لديّ القناعة بأن التعلم قدرة بيولوجية لم أستطع الاستمرار بالتدريس بمعنى إعطاء مادة جاهزة تدّعي أنها مفيدة وهامة. كان ذلك خلال الانتفاضة الأولى عام 1989، حيث توقّفْتُ عن التدريس وأنشأت ‘مؤسسة تامر’، التي كان جوهرها توفير أجواء تعلمية وليس مادة جاهزة.

منذ ذلك الوقت، وأنا أحثّ الناس، خاصة الطلبة، أن يكتبوا سِيَرَهُم الذاتية دون استعمال كلمات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية، وذلك للتعرف على الذات في العمق وليس فقط فيما يظهر على السطح. فمعرفة الذات تشكّل أساس كل المعارف كما تشكل أساس الكرامة والمناعة والمساواة والتعددية والفهم واحترام الذات والحضارة.

تصوروا لو أصبح كلٌّ منا فاعلا متأملا وليس فقط فاعلا يفعل ما يُمْلى عليه، حيث يعيد كالببغاء ما يسمعه أو يقرأه دون فهم ودون سؤال ودون معرفة لماذا. هذا ما فعلتُه حتى حرب 1967. عندما بدأت تلك الحرب يوم الاثنين 5 حزيران كنت أراقب الامتحانات النهائية بقاعة كلية بيرزيت. جاء شخص من جهة الإدارة وأخبرنا أن الحرب قد بدأت وأن نخبر كل طالب بعد تقديم ورقته بأن يجمع حوائجه ويذهب إلى بيته. لم نفهم ما حدث ولماذا وكيف وما هي العواقب؛ كانت مفاجئة. جعلني ذلك لأول مرة أن أعيد النظر وأتأمل فيما حدث وأحاول فهمه. مضت 4 سنوات قبل أن أبدأ بكتابة تأملاتي فيما يحدث وأجتهد في تكوين معنى. بدأت عام 1971 دون تخطيط ودون وعي بممارسة ذلك؛ أي، كان عمري ثلاثين سنة عندما بدأت الكتابة.

قبل 1967 ما كنت أفعله لم يكن نابعا من داخلي. كنت أفعل ما هو مطلوب ومتوقّع مني في المدارس والجامعات – كطالب ثم كمدرّس. كنت أفعله كآلة، أتبع المعلومات كما هي. لم أتأمل فيما كنت أفعله ولم أحاول فهمه. بقولٍ أدقّ، كنت في بعض الأحيان أتفكر وأتأمل ولكن لم أكن أصيغ تأملاتي في بيان يبين ما بداخلي.

بدأت عام 1971 أفكّر وأتأمّل كيف يمكنني تجنُّب المرور مرة أخرى بالتيه الذي شعرت به عام 1967، وكيف تكون معرفتي أكثر ارتباطا بالحياة. أول قناعة تكونت لدي هي أهمية استعادة اليدين والرجلين والأصابع في الحياة وأتوقّف عن اقتصار عملي على كلمات مؤسسية. كان ذلك عبر العمل التطوعي الذي أنشأتُه مع بعض الأصدقاء، حيث كنا كل يوم جمعة ويوم أحد نتجمّع عند المنارة ونذهب إلى مكان ونعمل فيه، مشيا على الأقدام إذا كان قريبا، وعبر الباص إذا كان بعيدا.

في نمط الاستهلاك ينجز الفاعل وينتج عادة سلعا للسوق. الفاعل المتأمّل يغذي معانيه وفهمه وروحه وجسمه وقلبه وعلاقاته مع من وما حوله من ناس ومجتمع وطبيعة وحضارة. الحكواتي الذي تكون حكاياته ناتجة عن انتباهٍ شديد للحياة هو فاعل متأمل. من الصعب أن يكون بيان شخص يبين ما نضج بداخله دون أن يكون فاعلا متأملا. أفضل إطار مجتمعي لهذا هو المجاورة.

يتكلم الإعلام عن ناشطين في المجتمع؛ النشاط يكوّن ساقا في حياة الإنسان، لكن بدون الساق الثانية – التأمل – يعرج الإنسان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *