الخاطرة رقم 171: كيف طمسَ المجتمعُ المدني مجتمعَ الأهالي… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(21 نيسان / أبريل 2021)

قبل يومين، كان لي لقاء حول مكتبة رام الله العامة خلال عقد السبعينيات حيث كانت المكتبة (هي وجامعة بيرزيت) بمثابة ’المول الوحيد‘ الذي كان يؤمّه الشباب بشكل دائم من عكا شمالا حتى رفح جنوبا. في هذه الخاطرة سأكتب عن مكتبة رام الله العامة خلال السنوات من 1971 وحتى 1981 (في خاطرة قادمة سأكتب عن جامعة بيرزيت خلال تلك الفترة). كانت المكتبة خلال تلك السنوات قلب رام الله النابض ثقافيا واجتماعيا. كانت تعج بأناس من مختلف الأعمار والخلفيات بشكل مستمر؛ لم تكن مكتبة عادية. علاقتي بالمكتبة بدأت في نهاية عام 1971 نتيجة حرب 1967 حيث كنت أدرّس الرياضيات بكلية بيرزيت، والتي جعلتني أتساءل: ماذا تعني معرفتي إذا كانت منفصلة كليا عما يجري في الحياة؟ ما فائدة التعليم العالي المتعالي عما يحدث على الأرض، لا يمسّ الواقع ولا يكوّن صورة بالأذهان، وحيث ينشر لغة ومفاهيم ونظريات ميتافيزيقية تدّعي الأحادية والعالمية؟ بدأتُ أعي أن التعليم السائد (باستثناء معارف تقنية كالطب والهندسة) في معظمه هو إلهاء وافتخار بالعبودية. أدى كل ذلك إلى وعيي بأني لم أستعمل يديّ ولا رجليّ ولا أعرف المجتمع من حولي ولا علاقة لي بالثقافة/ الحضارة التي غذّت الملايين عبر أكثر من ألف سنة. كان أول رد فعل لي على ذلك أني بدأتُ مع بعض الأصدقاء نجتمع في مكتبتي رام الله والبيره كل خميس (على مدى عشر سنوات) نحدّد أين سنذهب الجمعة والأحد للعمل في قرى ومخيمات. كان يشمل ذلك أيضا قراءة كتب والتناقش حولها، وأيضا أثناء الاستراحات في العمل في القرى والمخيمات كان دوما تحادثٌ يشمل الحياة اليومية فيها. في اللقاء قبل يومين حول المكتبة، سُئلتُ: كيف تفسّر تغييب تلك الروح التي كانت حيوية جدا عبر 10 سنوات؟ ما الذي غيّبها؟ السبب في رأيي كان دخول جسم غريب خبيث (خبيث لأنه على السطح يوحى بتقدُّم بينما بالعمق يمزّق النسيج المجتمعي) ألا وهو ’المجتمع المدني‘ الذي احتلّ محل مجتمع الأهالي. لا توجد كلمة بالانكليزية رديف كلمة أهالي (ولا حتى قريبة منها)! المكوّن الرئيسي لمجتمع الأهالي هو المجاورة (روح فترة السبعينيات) حيث تكونت مجموعات تلقائيا من مريدين ومرادين بأنحاء شتى بالضفة الغربية وقطاع غزة يقومون بأعمال ضروري القيام بها بدوافع ذاتية. دخول هذا الجسم الغريب (المجتمع المدني) أدخَلَ معه منظومة شملت مكوّنات أدّت إلى تمزيق مجتمع الأهالي، روح المجتمع الحيّ الذي يجدل أنسجة بين الناس ومع الطبيعة والثقافة والحضارة عبر كلمات كالعافية وروح الضيافة والإيمان والصبر والتكافل ومشاعر سعادة ومعنى. عشتُ روح مجتمع الأهالي بقوة مرة أخرى خلال الانتفاضة الأولى التي طُمِسَت هي أيضا عبر مؤسسات رسمية سلبت الأهالي مسؤوليتهم في تدبير أمورهم بأنفسهم مدفوعين من دواخلهم. من هنا: التحدي الجوهري الذي نواجهه هو رؤية تحمل روح الأهالي التي ذكرتُ بخواطر سابقة بأنها تتكون من ’الثلاثي المقدَّس‘: العافية كقيمة، والمجاورة كاللبنة الأساسية في بنية المجتمع، والأتربة المغذية كمضمون الفكر والبيان والفعل. حلاوة هذه المكونات أنها ملك الناس.

#Munir_fasheh  #منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر   #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم  #mujaawarah # تنمية_مستدامة   #الحكمة  #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

تعليق واحد (1) على “الخاطرة رقم 171: كيف طمسَ المجتمعُ المدني مجتمعَ الأهالي… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

  1. سلام،
    انا من متابعينكم، و مع كل ما يقوله الدكتور، احببت ان اقول لكم ان هناك مبادرة في الاردن تطبق ما تقولونه، ربما انتم على علم بها، لكن احببت ان اشاركها معكم، فربما تتعاونوا
    اسمها: مبادرة ذكرى

    وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *