خاطرة …الإنسان والمثنى والمجاورة

 عام 2007 دُعيتُ لأشارك في مؤتمر باليونيسكو حول التعدد الثقافي والحوار بين الثقافات:

[UNESCO conference “Towards Mainstreaming Principles of Cultural Diversity and Intercultural Dialogue in Policies for Sustainable Development”, Paris, May 21-23, 2007] وبعثوا لنا بورقة مفاهيمية لنستنير بها كتبَها فيلسوف فرنسي معاصر Roger-Pol Droit جاء فيها “جدَلٌ فلسفي قديم جدا يكمن بين الواحد والكثرة the one and the many”. يستعمل الشباب العربي حاليا تعبير ’كل حدا‘ ترجمة ل everyone. ’كل حدا‘ ليست تعبيرًا عربيا. لدينا كلمة ’إنسان‘ التي لا علاقة لها ب’حدا‘ بل هي نفسها مثنى – إنس/ إنسان – وبنفس الوقت تجسّد حقيقة أنها تنبع من مثنى: أب وأم. كل إنسان هو نتيجة تلاقح شخصين. بهذا المعنى لا يوجد رديف ل’إنسان‘ باللغات الأوروبية، وكذلك بالنسبة ل’مثنّى‘، وأيضا ل’مجاورة‘ (التي هي أفضل بكثير من كلمة كثرة كما جاء في الورقة المفاهيمية) – مما جعلني أقترح استعمال ’إنسان ومثنى ومجاورة‘ بمؤتمرين حول اللغة أحدهما بالمغرب، والآخر بإيران. هذه الكلمات الثلاثة تنبع من الحياة، من التربة المجتمعية الثقافية؛ وليس لها رديف باللغات الأوروبية بنفس المعاني العميقة باللغة العربية. هذه الكلمات الثلاثة تغذّي عافية الإنسان على الصعيد الثقافي المجتمعي الوجداني. أود أن أذكر شيئا غريبا حصل بتلك الجلسة باليونيسكو (ليس من صلب موضوع الجلسة لكن جدير بالذكر). عندما جاء دوري للتحدث، من بين ما قلتُه (ناظرًا بعينيّ الفيلسوف الذي كان يجلس بالصف الأول بالقاعة): “لك نظرتُك التي استمدَّيْتَها من لغتك وثقافتك، ولي نظرتي التي استمدَّيْتُها من لغتي وثقافتي، مما يجعل حوارنا عميقا وحقيقيا”. بعد 5 دقائق ترك ولم يعُد. بعد انتهاء الجلسة سألتُ مديرة المؤتمر (وهي ألمانية): لماذا ترك؟ قالت: ’تريد الحقيقة؟ صعب على فيلسوف فرنسي أن يقبل شخص من بلد كفلسطين يقول له: ’عندي شيء ما عندك إياه.

 لننعم بالغنى والعمق والجمال المتوفرين باللغة العربية. ولنتساءل: لماذا مثل هذه الأمور المتوفرة بلغتنا وحضارتنا مغيّبة من مادة اللغة العربية بمدارسنا؟! بدلا من الجمال، وعمق وتنوع المعنى، ومنطق الأنماط بلغتنا، نركّز على النحو والصرف والقواعد، التي هي هامّة لكن يمكن أن يستوعبها الطفل عبر الأنماط المنطقية، والتي تمثّل قدرة فطرية لدى الأطفال، لكن مغيبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *