الفاعل المتأمّل

إذا أردت أن أصف ما فعلتُه منذ 1971 فإن تعبير ‘فاعل متأمل’ هو أصدق وصف على مدى ما يقارب من خمسة عقود. كل صباح (باستثناءات قليلة جدا بسبب السفر أو ما شابه) أتأمل فيما مررتُ به في اليوم السابق وأجتهد في تكوين معنى وفهم له، ومن ثم أكتبه على ورق بخط يدي (حتى بعد أن أصبح الكمبيوتر وسيلة شائعة وسهلة). أجد الكتابة باليد تساعدني على ربط الفكر بالكلمات وبالأصابع والنظر؛ عندما أكتب عبر كمبيوتر تظهر الكلمات على شاشة وليس في المكان الذي توجد أصابعي فيه، ويكون نظري في اتجاه وفكري مشتت… لم أتوقّف عن الكتابة كل صباح منذ ذلك الوقت. فعلتُ الكثير وتأملت واجتهدت وصِغْتُ ما تكوّن لدي من معانٍ وفهم ومعرفة. كنت أفعل وأتأمل وأصيغ، والصياغة كانت دوما بيانا يبيّن ما تكوّن ونضج بداخلي من معنى وفهم ومعرفة. وفي نفس الوقت، كان الفِعْلُ دوما ضمن مجموعة (ما أُطْلِقُ عليه منذ 2004 كلمة مجاورة). الفعل والتأمل والاجتهاد والشراكة في تكوين معنى وفهم – ضمن مجاورة – كان نهجي في الحياة منذ 1971. ما أطرحه هنا أن يسعى كل شخص في النظر لنفسه ك‘فاعل متأمل’. يشكل هذا مناعة أساسية على صعيد الفكر. لو فعل كلٌّ منا هذا وتبادلنا ما نصيغه، سينتج زخمٌ له شأنه في شفائنا من كثير من الأوهام والخرافات الحديثة، وسنستعيد العافية والحكمة في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا وعلاقاتنا… يحتاج هذا إلى صبرٍ ومثابرة. إذا كنت تفعل لكن بدون تأمّل واجتهاد وبيان، سيخسر المجتمع إسهاما هاما يمكن أن يضيف إلى عافيته ومناعته ونسيجه على أصعدة شتى. كان أول مظهر لهذا التأمل كتاب ‘خلجات فلسطيني’ الذي جمعتُ فيه ما نشرتُه من 1972 وحتى 1975 في صحف ‘القدس’ و‘الشعب’ و‘الفجر’.

مررت بالفترة المدرسية والجامعية دون أن أفعل أي شيء كان نابعا من داخلي، أي دون أن ترتبط المعرفة التي اكتسبتها بسياق وفعل وشراكة في تكوين معنى. مررت بالفترتين دون أن يسألني أحد ‘ماذا تبحث عنه في الحياة؟’، ودون أن أعي ما أُحْسِنُه، ودون أن أشارك في تكوين معانٍ للكلمات التي كنت أستعملها. عندما تعمّقت لديّ القناعة بأن التعلم قدرة بيولوجية لم أستطع الاستمرار بالتدريس بمعنى إعطاء مادة جاهزة تدّعي أنها مفيدة وهامة. كان ذلك خلال الانتفاضة الأولى عام 1989، حيث توقّفْتُ عن التدريس وأنشأت ‘مؤسسة تامر’، التي كان جوهرها توفير أجواء تعلمية وليس مادة جاهزة.

منذ ذلك الوقت، وأنا أحثّ الناس، خاصة الطلبة، أن يكتبوا سِيَرَهُم الذاتية دون استعمال كلمات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية، وذلك للتعرف على الذات في العمق وليس فقط فيما يظهر على السطح. فمعرفة الذات تشكّل أساس كل المعارف كما تشكل أساس الكرامة والمناعة والمساواة والتعددية والفهم واحترام الذات والحضارة.

تصوروا لو أصبح كلٌّ منا فاعلا متأملا وليس فقط فاعلا يفعل ما يُمْلى عليه، حيث يعيد كالببغاء ما يسمعه أو يقرأه دون فهم ودون سؤال ودون معرفة لماذا. هذا ما فعلتُه حتى حرب 1967. عندما بدأت تلك الحرب يوم الاثنين 5 حزيران كنت أراقب الامتحانات النهائية بقاعة كلية بيرزيت. جاء شخص من جهة الإدارة وأخبرنا أن الحرب قد بدأت وأن نخبر كل طالب بعد تقديم ورقته بأن يجمع حوائجه ويذهب إلى بيته. لم نفهم ما حدث ولماذا وكيف وما هي العواقب؛ كانت مفاجئة. جعلني ذلك لأول مرة أن أعيد النظر وأتأمل فيما حدث وأحاول فهمه. مضت 4 سنوات قبل أن أبدأ بكتابة تأملاتي فيما يحدث وأجتهد في تكوين معنى. بدأت عام 1971 دون تخطيط ودون وعي بممارسة ذلك؛ أي، كان عمري ثلاثين سنة عندما بدأت الكتابة.

قبل 1967 ما كنت أفعله لم يكن نابعا من داخلي. كنت أفعل ما هو مطلوب ومتوقّع مني في المدارس والجامعات – كطالب ثم كمدرّس. كنت أفعله كآلة، أتبع المعلومات كما هي. لم أتأمل فيما كنت أفعله ولم أحاول فهمه. بقولٍ أدقّ، كنت في بعض الأحيان أتفكر وأتأمل ولكن لم أكن أصيغ تأملاتي في بيان يبين ما بداخلي.

بدأت عام 1971 أفكّر وأتأمّل كيف يمكنني تجنُّب المرور مرة أخرى بالتيه الذي شعرت به عام 1967، وكيف تكون معرفتي أكثر ارتباطا بالحياة. أول قناعة تكونت لدي هي أهمية استعادة اليدين والرجلين والأصابع في الحياة وأتوقّف عن اقتصار عملي على كلمات مؤسسية. كان ذلك عبر العمل التطوعي الذي أنشأتُه مع بعض الأصدقاء، حيث كنا كل يوم جمعة ويوم أحد نتجمّع عند المنارة ونذهب إلى مكان ونعمل فيه، مشيا على الأقدام إذا كان قريبا، وعبر الباص إذا كان بعيدا.

في نمط الاستهلاك ينجز الفاعل وينتج عادة سلعا للسوق. الفاعل المتأمّل يغذي معانيه وفهمه وروحه وجسمه وقلبه وعلاقاته مع من وما حوله من ناس ومجتمع وطبيعة وحضارة. الحكواتي الذي تكون حكاياته ناتجة عن انتباهٍ شديد للحياة هو فاعل متأمل. من الصعب أن يكون بيان شخص يبين ما نضج بداخله دون أن يكون فاعلا متأملا. أفضل إطار مجتمعي لهذا هو المجاورة.

يتكلم الإعلام عن ناشطين في المجتمع؛ النشاط يكوّن ساقا في حياة الإنسان، لكن بدون الساق الثانية – التأمل – يعرج الإنسان.

التعلم قدرة بيولوجية

لا حاجة لمؤسسات وخبراء وأكاديميين وعلماء ومهنيين وتقييم لتعليم الناس كيف يهضموا المأكولات، فالهضم قدرة بيولوجية كل ما تحتاجه هو تربة صالحة ومأكولات عضوية مغذية. كذلك الحال بالنسبة للتنفّس: لا حاجة لمؤسسات وخبراء وأكاديميين وعلماء ومهنيين وتقييم لتعليم الناس كيف يتنفسوا، فالتنفس قدرة بيولوجية كل ما تحتاجه هو جو نظيف وهواء نقي مغذي. لماذا إذن رغم أن التعلم/ التفكير قدرة بيولوجية (كل ما يحتاجه هو تربة ثقافية جذورها في الحياة، وأجواء حقيقية حيوية، ومصادر غنية متنوعة، وأفكار مغذية للعقل والفكر وملهمة للقلب والنفس والروح والعلاقات) إلا أننا نتعامل معه، أي مع التعلم، وكأنه يحتاج إلى وزارات ومؤسسات ومهنيين وخبراء ومناهج وكتب مقررة وتقييم وميزانيات ضخمة ودورات تدريب وورش عمل؟! لماذا عندما تصل الأمور إلى العقل الذي يمكن أن يتعلم الكثير – بيولوجيا دون تدريس – نتدخل بقوة ونمنع ذلك من أن يحدث؟! نتعلم كل ما هو هام دون الحاجة لما تدعيه المؤسسات والخبراء. أكبر مثال على ذلك أن كل طفل في مجتمع عربي يتقن العربية (والتي يعترف كثيرون أنها من أصعب الأمور) بعمر 3 أو 4 سنوات، دون مناهج وأساليب تدريس وكتب مقررة ومدرسين وتقييم وخبراء. هذه الحقيقة تصفع كل من يدعي أن التعلم خارج أقفاص غير ممكن أو أقل قيمة أو غير معترف به! نضع كل جهدنا في تغييب هذه الحقيقة. أمرٌ يدعو للتفكّر؛ وشغلني مدة طويلة. التفسير الوحيد الذي أراه يوضح السبب يكمن في أن تغييب وقمع التعلم كقدرة بيولوجية، واستبداله بالتعليم الرسمي، يشكّل الأداة الأكثر نجاعة في السيطرة على العقول، على صعيد الفرد والمجتمع. السيطرة على العقول تُعَبِّد الطريق للسيطرة على أصعدة أخرى. لهذا، مثلا، غزو بلاد الشام في القرن التاسع عشر لم يتمّ بغزو عسكري بل بغزو معرفي عبر التعليم الرسمي والأكاديمي، بدأ بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1869، واتبع إستراتيجية “ماكولي” البريطاني التي تنطلق من إقناع الأهالي بأن المعارف والثقافة المحلية ليست بذي شأن، وأن معارف وثقافة القبيلة الأورو-أمريكية أرقى بكثير، وأن خبراء تلك القبيلة على استعداد لمساعدة الناس في بلاد الشام ليصبحوا نسخا عن تلك القبيلة – التي بلا شك أبدعت في صنع أجهزة واختراع أدوات يرتبط أغلبها بالسيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال، ولكنها حوّلت المعرفة والمعلم والتلميذ إلى سِلَعٍ في عالم الاستهلاك، لهم سعر في السوق والذي يشكل سر انجذاب الناس لأيديولوجية تلك القبيلة. من الصعب ذكر أي ناحية في الطبيعة أو الحياة لم تُخَرَّب نتيجة معارف تلك القبيلة: الهواء والماء والتربة والمأكولات والعالم الداخلي للإنسان والنسيج الفكري الاجتماعي الاقتصادي الروحي في المجتمع.

هناك عدة تعليقات حول ما ذكرته بأعلاه: أولا، غزوة نابليون العسكرية لم تنجح عسكريا لكنها مهدت الطريق لغزو ثقافي معرفي عبر التعليم الرسمي والأكاديمي. ثانيا، نحتاج إلى مؤسسات عندما يتعلق الوضع بأمور ومهارات ومعارف تقنية ولكن ليس بأمور تتعلق بالحياة. ثالثا، إذا تدخّلت المؤسسات والعلماء ليعلمونا كيف نهضم وكيف نتنفس، سيصبح الهضم والتنفس – كما حدث للتعلم والتفكير – أمرين عسيرين، وسيكون دور المؤسسات والعلماء تخريب المأكولات عبر تصنيعها وتعليبها وعبر إضافة مواد ضارة لها، مما يتطلب تخريب التربة والهواء والمياه والبيئة بوجه عام.

يبرز سؤالان: لماذا كل هذا التخريب؟ وكيف يتم تخريب العقول؟

السبب الرئيسي في التخريب يكمن في الأرباح الهائلة التي يجنيها الرأسماليون والشركات والمؤسسات والخبراء والعلماء من جراء هذا التخريب. مثل هذا التخريب صعب إذا تمردت العقول عليه، لذا كان من الضروري السيطرة على العقول كتمهيد لهذا التخريب وهذه الأرباح. أما كيف يتم تخريب العقول والسيطرة عليها فقد كتبت عنه في مدونات سابقة، لعل أهمّها: احتلال لغة بلاستيكية مصنعة (لغة الكتب المقررة) محل لغات حية؛ لغة مصنّعة لها إيحاءات أكثر من دلالات، لغة لا تستمد معانيها من الحياة بل من خبراء جلّ همهم إقناع الناس بأن الماضي متخلف وولّى زمانه. عندما نقول مثلا معدل فلان في امتحان هو 90% فإن ذلك يوحي أن الشخص متفوق وأنه أكثر ذكاء؛ لكن لا يدلّ ذلك على أي شيء في الحياة. فمثلا، أستاذ رياضيات جامعي يدرّس مساق “المتغيرات المعقدة” أو “التحليل الرياضي” يوحي بذكاء ومعرفة عالية لكن من الصعب على ذلك الأستاذ أن يذكر سببا شخصيا لماذا يدرّس مثل تلك المساقات – سوى المعاش آخر الشهر، وأنه درسه في جامعة ‘مرموقة’. في المقابل، عندما نقول أن فلان يعزف على العود ويطرب له الناس فإن لذلك معنى ملموسا ودلالة واضحة. أي شيء يمكن تحويله لشيء يمكن قياسه حسابيا (مثل العلامات والتنمية) ضروري الحذر منه. روعة عبارة الإمام علي “قيمة كل امرئ ما يحسنه” تكمن في أن من المستحيل تخريبها عبر الرياضيات، عبر أرقام. أي ناحية تَمُتُّ إلى جوهر الحياة، إذا قيست بأرقام، تُخَرَّب وتفقد معناها المرتبط بالحياة. الضيافة مثلا لا يمكن قياسها رياضيا، وكذلك الصبر والجمال والذكاء والحكمة والكرامة.

اللغة الرسمية المرتبطة بسلطة، والاعتقاد بان التعلم يحتاج إلى تدريس، والتقييم العمودي تشكل جميعا أساس تخريب القدرة البيولوجية للتعلم. لذا، فإن استعادة إدراكنا للتعلم كقدرة بيولوجية يشكل أهم تحدٍّ نواجهه كبشر في الوقت الحاضر. (الحاجة إلى تدريس تعني جلوس الطالب على قفاه سنوات عديدة، لا ينطق خلالها ولا يتحرك ولا يستعمل يديه ولا ينغمس بأجواء حقيقية، بل يستبطن خلالها طبيعة غريبة على الإنسان ألا وهي الافتخار بالعبودية وأن يصبح عدو نفسه بالنسبة لما يدخل جسمه من مأكولات ومشروبات ضارة، وما يدخل عقله من مصطلحات مؤسسية وتصنيفات أكاديمية تنتزعه من الحياة. فالتعلم والتفكير ذو معنى يحدثان ضمن سياق وعبر أفعال وتفاعل وتأمل واجتهاد… ويفضّل ضمن مجاورات.

جدير بالذكر أن تخريب العقول عن طريق تخريب القدرة البيولوجية للتعلم سبق تخريب المأكولات بثلاثة قرون. لذا، من الضروري أن ينطلق أي تحرر من تحرير العقل من هيمنة المصطلحات المؤسسية المهنية والتصنيفات الأكاديمية والتي يصبح العقل عبدا لها دون أن يدري. ويتمثّل هذا التحرر باستعادة حق وواجب وقدرة كل إنسان أن يكون شريكا في توليف معنى وفهم مرتبطين بفعلٍ وسياق، ونابعين من تأمل واجتهاد ورؤيا واسعة.

 

العلاقة العضوية بين الأهالي والمجاورة والتعلم

أقول دوما أني أنظر إلى فلسطين كمجهر يساعدنا على رؤية ما يجري في العالم الواسع. والسبب أن ما يحدث بفلسطينيحصل فجأة مما يساعدنا على رؤية حقيقة ما يجري؛ أي، تحدث التحولات على شكل صدمات تنبهنا إلى ما يحدث في العمق، بما في ذلك المنطق الخفي خلف الحدث. بعبارة أخرى، ما يحدث ينبهنا ولا يخدرنا كما هو الحال في بلاد تسير فيها الأمور ببطء. مثلا، تحوّلنا عام 1993 بين ليلة وضحاها من أهالي إلى مواطنين. في معظم البلدان، يولد الناس مواطنين جاهزين مما يحرمهم من خبرة العيش كأهالي، التي هي خبرة أعمق وأغنى بكثير. عندما نقول مثلا أهالي “بيت ساحور” فإننا نشير إلى أناس علاقتهم الأساسية بعضُهم ببعض وعلاقتهم بأرض وجغرافيا وثقافة وحضارة وتاريخ وذاكرة جمعية. في المقابل، العلاقة الرئيسية في مجتمع المواطنين هي مع سلطة ومؤسساتها. الخلل الأكبر الذي حصل عام 1993 أننا تحولنا من كوننا أهالي إلى مواطنين. مكونات مجتمع الأهالي والتي تغذّي الناس هي التربة الأرضية والثقافية والاجتماعية-الاقتصادية والروحية. فصل عام 1993 بين فلسطين الأهالي وفلسطين المواطنين. كانت العلاقات قبل ذلك بيننا ومع المكان والثقافة هي الأساس والمرجع والمعيار؛ أصبحت مع أجهزة رسمية وبدأت العلاقات بيننا كأشخاص تتلاشى أو تتحول إلى علاقات عدائية. تحوّلنا في ذلك العام أيضا من العيش بأمل إلى العيش بتوقعات؛ تحوُّلٌ يعتبره ’إيفان إليتش‘ سببا رئيسيا لحالة القلق والإحباط التي تميز الإنسان المعاصر. ما يميز الأهالي هو العيش بأمل، والذي بالضرورة يرافقه عمل. كذلك، تحوّلنا في ذلك العام من العيش بصبر كقيمة، إلى العيش بسرعة كقيمة؛ أصبحت السرعة بغض النظر عن نتائجها قيمة جوهرية. ولاء الأهالي بعضُهم لبعض بينما ولاء المواطنين لدولة ومؤسسات. في مجتمع المواطنين، يختفي ’الإنسان الصالح‘ الذي يطيع ضميره ويبرز مكانه ’المواطن الصالح‘ الذي يطيع الأوامر. الأمريكي الذي يذهب إلى العراق ليقتل ويدمر هو مواطن صالح لكن ليس إنسانا صالحا. استبدال أهالي بمواطنين ليس استبدال كلمة بأخرى، بل احتلال علاقات آليّة محل علاقات غنية ذات جذور قوية بالمكان والذاكرة والحضارة. اللبنة الأساسية في مجتمع الأهالي هي المجاورة؛ في مجتمع المواطنين هي المؤسسة. بعدٌ آخر يميز مجتمع الأهالي هو الثقة بين الناس، فالناس يعرفون بعضهم ويعملون ما يعطي معنى لحياتهم ووجودهم وعلاقاتهم… ما يفعلونه نابع من قلوبهم.

يذكر “واصف جوهرية” في مذكراته عن القدس (زمن العثمانيين ثم الاحتلال الانكليزي) أن من أول القوانين التي وضعها الانكليز في بداية احتلالهم كان يتعلق بدخول باحة الأقصى حيث حدّدوا أياما للمسلمين وأياما للمسيحيين وأياما لليهود (بحجة ضمان الحقوق للجميع!) والذي أدى إلى تحويل الباحة من مكان مُباح يتجمع فيه أهالي القدس من مختلف الأديان والخلفيات يتبادلون الأحاديث والقصص، إلى مكان يزرع بذور الطائفية. كما أدخلوا مع الوقت مفهوما آخر يبدو جميلا على السطح لكنه مُخَرِّب في العمق: المحاورة بين الأديان بدل المجاورة والتحادث بينها… الحوار اللفظي يفرّق، بينما الجوار عادة يقرِّب.

أذكر أمرا طريفا حول كلمة مواطنين. لم تُسْتَعْمَل الكلمة في رام الله عندما كنت فتيّا سوى بالانكليزية للإشارة إلى شخص عائد من أمريكا ويريد أن يتزوج فتاة من رام الله، إذ كانوا يقولون “تزَوَّجَت citizen” أي أمريكي. رام الله حاليا مكوّنة من سلطة ومواطنين؛ اختفت روح الأهالي. لا يوجد رديف ل”أهالي” بالانكليزية؛ ربما أقرب تعبير هو people-in-community.

في الخبرة الفلسطينية، كان الأمل كبيرا والحل عميقا ومؤثرا عندما كان الأهالي بُناتَه والمجاورة أداتَه والتعلم جوهرَه. حدث هذا في كل مرة كانت المؤسسات مشلولة أو ضعيفة. بدأت هذه القناعة تتكون لديّ خلال عقد السبعينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة وتعمَّقَت خلال الانتفاضة الأولى. ما ميز الفترتين هو ثالوثٌ مقدس: أهالي ومجاورات وتعلم. شكّلت الفترتان جذور الاقتناع بأن الأهالي هم الأمل والحل، والذي بدأ ينمو بداخلي عندما وجدنا أنفسنا (نحن أهالي الضفة والقطاع) بعد خروج منظمة التحرير من الأردن (عام 1971) نعيش دون وصاية من أحد، مما اضطرنا إلى القيام بمهام الحياة وإدارة شؤوننا اليومية بأنفسنا. شعرنا في البداية أننا أصبحنا بلا ‘أب’ يحمينا ويرعانا وأنه سيكون من الصعب علينا القيام بما يجب عمله. لكننا تفاجأنا بما حدث: شعرنا أننا ربما فقدنا ’الأب‘ لكننا لم نفقد ’الأم‘؛ لم نفقد مصادر قوتنا وتغذيتنا وحيويتنا المتمثلة بما لدى الأهالي والمجتمع والحضارة والطبيعة من قدرات ومقومات برزت دون تخطيط ومساعدات وورش عمل وبرامج تدريب ومشاريع تنموية. اكتشفنا الغنى الهائل فينا الذي غيّبته المؤسسات من خلال إيهامنا بأننا لا نستطيع عمل شيء بدونها. أي إسهام من مؤسسة يضيف دون أن يسلب الأهالي قدرتهم على القيام بما يمكنهم القيام به بأنفسهم، مرحَّبٌ به. لكن يجب مقاومة هيمنة المؤسسات عندما تُصبح بديلا للأهالي. لم نسأل خلال الفترتين ماذا نحتاج؟ بل ماذا يمكن أن نفعله بما هو متوفر؟’ اكتشفنا أن أغلى ما يملكه مجتمع هو النسيج بين الناس والنسيج مع الأرض والحضارة. وجدنا أنفسنا نتغذى من روح الأهالي والضيافة والكرم والصبر والكرامة وما هو متوفر في الطبيعة والحيّ والمجتمع والعائلة. كانت الروح التي دبّت في المجتمع مذهلة. عشتها شخصيا عبر أطر بنيتها مع أصدقاء بجامعة بيرزيت والعمل التطوعي ومع مدرسين وطلبة؛ كما عشتها عبر أطر بناها آخرون كفرقة بلالين المسرحية وفرقة الفنون الشعبية الفلسطينية. تألَّقٌت تلك الحقيقة مرة أخرى بالانتفاضة الأولى 87 -1991 عندما أغلقت السلطات الإسرائيلية المؤسسات الرسمية كالمدارس والجامعات لكنها لم تستطع إغلاق أطر تاريخية وحضارية كالعائلة والحي والجامع والكنيسة، ومثل مجاورات تكوّنت بين أصدقاء بفعل ذاتي، كما حدث في التعليم الشعبي والزراعة الجماعية ولجان الأحياء، التي أصبحت جميعا شرايين حية غذَّت المجتمع وقامت بعمل ما كان ضروريا عمله. عشت الفترتين بكل ما فيهما من ألم وأمل وحيوية، وشكلتا القناعة بأن الأهالي هم الأمل والحل، والتي تعمقت لديّ عبر أكثر من 40 سنة، واكتسبَت أبعاد جديدة عبر مؤسسة تامر ثم عبر الملتقى التربوي العربي، الذي من خلاله زرت 29 دولة عملت مع مجموعات، كثيرٌ منها يحمل روح الأهالي هم الأمل والحل. ما تحتاج له المجتمعات هو يقظة لا تنمية، وحماية لا تطوير. يقظة من أوهام سيطرت على إدراكنا مثل الاعتقاد بأن هناك مسارا أحاديا عالميا للتقدم ومسارا وحيدا للتعلم وأننا غير قادرين على العيش بما هو متوفر لدينا. تشمل اليقظة التحرّر من خرافات العصر الحديث، خرافات أدت إلى تخريب وتمزيق نواحٍ شتى في الحياة.

ما ميز الانتفاضة الأولى أنها قامت بفعل الأهالي دون وجود سلطة داخلية أو خارجية، ودون وجود زعيم أو قادة. حركة ملهمة جدا، ربما تكون أهم حدث فلسطيني منذ احتلال الانكليز لفلسطين. شكلت لجان الأحياء (أفضّل استعمال مجاورات إذ أن كلمة لجنة ترتبط عادة بمؤسسات) عصب الانتفاضة الرئيسي، وتشكل في رأيي أساسا لبناء رؤيا واسعة للتعلم والعمل المجتمعي وإعادة النظر في المصطلحات المؤسسية والتصنيفات الأكاديمية والتحرر من أوهام وخرافات القبيلة الأورو-أمريكية. معظم الناس ربطوا وما زالوا يربطون الانتفاضة الأولى بالحجارة، وعُرِفَت باسم انتفاضة الحجارة أو أطفال الحجارة. حتى محمود درويش ونزار قباني كتبوا أشعارا حول أطفال الحجارة، لكن لم يكتب أحد على حد علمي شعرا حول لجان الأحياء. أكثر ما لفت نظري وقتها أن إسرائيل لم تمنع عقد مؤتمرات دولية تدين إغلاق المدارس والجامعات وتطالب بفتحها بينما كانت شرسة جدا ضد قيام الأهالي بإدارة شؤونهم بأنفسهم. دعاني ذلك إلى كتابة مقال بجريدة القدس: “حرية الفكر والتعبير أم تحرير الفكر والتعبير؟” عقد مؤتمرات تدين وتطالب هو مثال على حرية الفكر والتعبير؛ قيام الأهالي بعمل ما هو ضروري دون مؤسسات مثال على تحرير الفكر والتعبير. تعمّق لدي الاقتناع بأن أخطر عمل على أية سلطة هو تعميق النسيج بين الأهالي وقيامهم بما هو ضروري بناءً على حيوية وقرارات ذاتية. عندما كتب ‘فانون’ ‘المعذبون في الأرض’ كان تعليق ’سارتر‘ الفرنسي ’أخطر ما في الكتاب أنه لا يتحدث إلينا‘. لا يأبه الغرب بانتقاده بل بإهماله. فكرت مليّا في الأمر ، وكان التفسير الوحيد الذي وجدته لتصرف إسرائيل أن الخطورة تكمن في الوسيط وليس في نوع العمل. الوسيط في الانتفاضة الأولى كان الشباب الذين شكلوا لجان أحياء وأداروا شؤونهم بأنفسهم دون الحاجة لسلطة أو مؤسسة أو خبراء أو أكاديميين أو سياسيين. قاموا بما هو ضروري بدافعٍ وتنظيمٍ ذاتيين. بالمقابل، انتفاضة الأقصى لم تكن مبنية على الشباب فقط بل شاركت فيها سلطات مما غيّر الوسيط. يرتبط هذا بالقضية التي ذكرتها سابقا ألا وهي أن العصر الحديث هزم الناس من خلال تحويلهم من أهالي إلى مواطنين.

باختصار: يُعرَّف المواطن برقم ’وطني‘، علاقته الأساسية بحكومة ’وطنية‘ تسرقه من خلال بنك ’وطني‘، ويحمي الحكومة والبنك جيش وقوى أمن ’وطنية‘، ويقوم بتخدير المواطن منهاجُ تعليمٍ ’وطني‘! أداة رئيسية في هذا التخدير الرياضيات التي تُسْتَعْمَل لقياس التنمية الزراعية بكمية الإنتاج فقط (بغضّ النظر عن العواقب)، وقياس تنمية المجتمع بإحصائيات استهلاكية، والاعتقاد بأن الحياة تسير على خط مستقيم (متناسين دورة الحياة)، وقياس قيمة المرء وتقدم المجتمع بواسطة أرقام، متناسين أننا كعرب نملك منذ 1400 سنة مبدأً فيه من الغنى والحكمة والاحترام ما يمكن أن يجعله أساس رؤيا تربوية، المبدأ المتضمن بعبارة الإمام علي: ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ بالمعاني المتعددة ل’يحسن‘ بالعربية: الإتقان والجمال والعطاء والاحترام والنفع

‘سلاح’ الأهالي في البناء المجتمعي هو المجاورات، وسلاحهم على صعيد المعرفة هو التأمل بخبرات والاجتهاد في تكوين معنى لها. تغييب معارف الأهالي تطلّب إلغاء الأهالي كمكوّن اجتماعي، وإلغاء الطبيعة والثقافة كمصادر تغذي الجسم والعقل. كذلك، تطلّب هذا التغييب مصادرة كلمات ومعان منبعها الحياة، وتصنيع كلمات مصدرها مؤسسات. صودرت الضيافة ليحل محلها استهلاك؛ وصودرت الكرامة ليحل محلها حقوق؛ واختفت المجاورة والتحادث لتحل محلهما محاورة؛ وتراجع احترام الطبيعة ليحل محلّه إخضاع الطبيعة. تمت هذه الأمور عبر مهنيين مدججين بكلمات ومعانٍ مرتبطة بالسيطرة ومراكز القوة. تمّ طمس أنظمة معرفية، وبروز أنظمة معرفية أصولية كالعلوم والرياضيات بمفاهيمهم السائدة. وُضِع العقل على العرش وسُجِنت الحكمة. تمّ تمزيق نسيج الأهالي لتحل محله علاقات رسمية هرمية. نحتاج إلى استعادة الحكمة في الحياة، وموطنها الأهالي.

ضروري التمييز بين معرفة وتعلُّم مرتبطين بالطبيعة ونابعين من الحياة وعبر مجاورات وبين معرفة وتعلم مرتبطين بسلطة وصادرين عن مؤسسات؛ بين المعرفة كأسلوب حياة والمعرفة كسلعة معروضة للبيع. المعرفة الأولى مرتبطة بأهالي، والثانية بمؤسسات. التعلم في الحالة الأولى شيء يفعله الشخص لنفسه (صقل فكره وبيانه وتعامله)، بينما في الثانية شيء يعطيه شخص لآخر. من أهم أعضاء جسم الإنسان بالنسبة لتعلُّمٍ ذي معنى هي الأصابع إذ تربط الفكر بالواقع. ويمثّل بيان الشخص المظهر المرئي لمعرفته. الأصابع مغيّبة من التعليم؛ تُستعمَل فقط لطلب السماح بالتكلم أو لضغط على زر. المعرفة في عالم المؤسسات غالبا ما تكون أداة إلهاء وتخدير وتشويه وسيطرة. لعل أسوأ ما يفعله التعليم الرسمي هو النظر إلى الحياة من خلال كلمات.

في مجتمعات الأهالي، المعرفة فِعْل. جذر كل كلمة بالعربية فِعْل. جزء من جمال اللغة العربية أن جوهرها أفعال وليس أسماء أو صفات؛ أي أن الفعل هو الأصل. هذه الحقيقة تجعل العربية لغة مرتبطة بالحياة، فالحياة فِعْلٌ وليست اسما أو صفة. في الفِعْل حركة وفي الحركة بركة. أهمية التأمل والتفكّر تكمن في ارتباطهما بفِعْل أو خبرة أو حَدَث أو ظاهرة. ضروري التحرر من جمل مكونة كليا من أسماء وصفات مثل ‘استراتيجية التعليم في التنمية المستدامة’ التي تحوي أربع كلمات ليس لأيٍّ منها مدلولٌ محدد، وليس في الجملة فعلٌ واحد. الفعل الرئيسي المستعمل بالمؤسسات هو فعل الأمر! عبارة الإمام علي “قيمة كل امرئ ما يحسنه” تربط قيمة المرء بفعل. في المقابل، ترتبط قيمة المرء في المؤسسات برقم. عبارة الإمام لا تقسم الناس إلى صفات مثل عارفين وجاهلين أو ناجحين وراسبين أو متعلمين وأميين بل تردّ قيمة الشخص إلى ما يحسنه. لغة الأهالي تحتوي في أغلبها على أفعال تستمد معانيها من الحياة: ضَحِكَ، لَعِبَ، مشى، أكل، زرع، تحدّث، ناقش، سبح، طبخ، زرع، شرب، غنّى… في عالم المواطنين والمؤسسات، لا يمكن مثلا ترجمة تعبير ‘الأول على الصف’ إلى فعل ، كما أن معظم الكلمات المستعملة هي أسماء وصفات: تنمية حقوق هوية دولة تطوير تكنولوجيا علم صحة تميُّز تمكين…

مجتمع المواطنين (وفق الفكر المهيمن) يتكون من ثلاثة قطاعات: حكومي ومدني وخاص. مجتمع الأهالي يتكون من أنسجة تغذي الإنسان والمجتمع: نسيج مع التربة الأرضية التي تغذي الجسم، والتربة الثقافية التي تغذي العقل والإدراك، والتربة الاجتماعية-الاقتصادية التي تغذي العلاقات، والتربة الروحية التي تغذي الجزء الخفي من الحياة. لعل أهم مخلوق في توليد تربة الأرض هو دودة الأرض، وأهم مخلوق في توليد تربة المجتمع هو الأم. هذه الأنسجة المتداخلة هي مكوّنات المجتمع ومناعته الداخلية التي تحميه. من بين أخطر الاختراعات الممزِّقة للنسيج مع التربة الأرضية هو السيفون الذي بلا شك اختراع علمي هائل لكن يفتقر إلى حكمة، فلو نظرنا إلى عواقبه نجده من أخطر الاختراعات: يسلبنا الماء والفضلات والتربة، ويلوّث الطبيعة. أما بالنسبة للنسيج الثقافي الاجتماعي فأكبر مُمَزِّق له هو التعليم الرسمي بكل مكوناته. وأكبر ممزّق للنسيج الاقتصادي التركات والبنوك ’الوطنية‘. السيفون والتعليم الرسمي المركزي والدولة الحديثة التي ادعى الغرب أنها أدوات تقدم وتمدن هي أدوات تخريب رئيسية لمجتمعات الأهالي. ترك الانكليز فلسطين لكن بقيت مؤسساتهم تمزق المجتمع وتقتل مناعته الداخلية وتشلّ قدراته وتنهب مقوماته. كان تخريب الحياة في العصور السابقة ناتج عن جهل؛ في العصر الحديث ناتج عن علم وتخطيط وتصميم وتنفيذ. لم يَحِدْ إلا القلة من العلماء عن مفهوم ’فرانسس بيكن‘ بأن العلم هو إخضاع الطبيعة. كذلك، كوّنت التنمية كما صاغها ترومان قبل 70 عاما عاملا هاما في التخريب والتمزيق. هذه أول مرة منذ آلاف السنين تتحول الأرض الفلسطينية من مصدر رزق وكرامة وانتماء إلى سلعة معروضة للبيع، وأول مرة يعهّر فيها المتعلم نفسه لمن يدفع أكثر. هذه الظاهرة حصلت في كل بلد دخله “البنك الدولي” لل’مساعدة‘ في تنميته، والتي في الواقع أدت إلى هزيمته وتمزيقه ونهبه وقتل مناعته.

الحياة أغنى وأعمق مما يستطيع العقل إدراكه وما تستطيع اللغة التعبير عنه. خلافا لما هو سائد في الغرب بأن الحياة مكونة من مادة وفكر، وبالتالي يمكن التعبير عنها كليا من خلال مفاهيم وكلمات، فإن القناعة بأن ’الأهالي هم الأمل والحل‘ تشمل بُعدا ثالثا خفيا عن العقل واللغة بحيث يعجز الاثنان عن فهمه والتعبير عنه كاملا: البعد المتمثّل بالحكمة والعمق الحضاري، وأهمية استعادة مواطن القوة فينا وفي مجتمعاتنا وحضارتنا. بهذا المعنى، “العودة إلى الوراء” ليس تخلفا وإنما ضرورة للتحرر من هزيمتنا من الداخل. تتمثل هذه العودة مثلا بالعودة إلى شرب الماء بدل سوائل غازية، والتعلم الذي لا يحتاج إلى تدريس، ومأكولات لم تخربها العلوم. تتم العودة على صعيد المعرفة والفهم من خلال التأمل بخبرات، والاجتهاد في تكوين معنى لها. هذا ما حصل معي منذ 1971 حين وعيت ضرورة الشفاء من المعرفة المرتبطة بقيم السيطرة والفوز والإلهاء والافتخار بالعبودية. اختراع شهادات تشهد بنجاح أو فشل شخص، أو بتقدم أو تخلف مجتمع هو جريمة ضد الحكمة. لا توجد وحدة لقياس البشر والحضارات. كل إنسان كامل بشكل فريد، وكل حضارة عالَمٌ قائمٌ بذاته، بعلاقة تبادلية حيّة مع حضارات أخرى.

استعادة روح الأهالي يتطلب أمرين: انتزاع أنفسنا من أوهام المدنية الحديثة، واستعادة ما سلب منا من مقومات شخصية ومجتمعية وحضارية. قصة الغراب والحجلة بكتاب ‘كليلة ودمنة’ تنطبق على العصر الحاضر. منذ ‘محمد علي’ نحاول تقليد الغرب الذي اعتقدنا أنه أفضل؛ نجد أنفسنا في نفس مأزق الغراب: لم ننجح في تقليد الآخرين وفقدنا القدرة على استعادة مشيتنا.