تأمل واجتهاد حول تجربتنا مع النساء في حيّ النزهة

منير فاشة مع النساء في حيّ النزهة

قصة رواها لي “أسعد عكة” مدرّس الأحياء بكلية بيرزيت عام 1962 (حيث كنت أدرّس الفيزياء) كيف أن الصَدَفَة التي تبقى في مياه راكدة لا يتكون فيها لؤلؤ، بينما الصَدفة التي تصطدم بهذه الصخرة وتلك وتدفعها المياه في شتى الاتجاهات يتكون فيها لؤلؤ. قلت: كم ينطبق هذا على البشر، فالشخص الذي يبقى محميا من الحياة لا يمر بمعاناة وظروف حقيقية بل نشاطات مصنّعة ومبرمجة تُشْرِف عليها مؤسسات ومهنيون، لا يتكوّن ‘لؤلؤ’ بداخله. يستطيع أن يحصل على لآلئ يضعها حول عنقه أو إلى جانب اسمه (مثل دكتوراه) لكن لا تتكون داخله لؤلؤة تتمثل بتكوين معنى وبحكمة وفَهْم ونضج وصقل وتهذيب لنواحي .حياته

لم تعش النساء في حي النزهة حياةً راكدة بل عاشت كلٌّ منهن حياةً صاخبة في خضمّ الحياة

مما يعني أن في داخل كلٍّ منهن لؤلؤة جاهزة للصقل والبيان. عَمِلْنا (‘ميس عوده’ وأنا) مع نساء مركز النزهة قرابة السنة ضمن ‘مشروع المجاورة على طريق الحكمة’. كانت المجاورة عبارة عن لقاءات أسبوعية لمدة ساعتين. عَمَلُنا معهنّ مبنيٌّ على قيام كلٍّ منهن بصقل اللؤلؤة الكامنة فيها. أي، المشروع ليس مبنيا على تلبية وتأمين احتياجات (كما في المنطق السائد) بل البناء على ما هو متوفر لديهن وحولهن من مواطن قوة ومقومات كأساس، ننطلق منها لنعالج احتياجات؛ هذا هو طريق الحكمة. ما فعلناه يختلف جذريا عما يشار له بِوِرَش عمل وبرامج تدريب وتوعية وتمكين ومواد جاهزة وتقييم عمودي؛ كما يختلف عما هو سائد بالنسبة لكتابة تقارير إذ نركّز بالمشروع  على الانطلاق من خبرات والتأمل فيها والاجتهاد بتكوين معنى وفَهْم لها ومشاركة ذلك مع من لهم علاقة بالمركز ومع مراكز جُهُد (وآخرين) عبر ‘قواميس’ وفيديوهات، بهدف جَدْل أنسجة على الصعيد المعرفي الاجتماعي الروحي. يتمّ تكوين معانٍ عبر قصص وحكايات. الشراكة في تكوين معنى (دون استعمال مصطلحات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية) تشكّل قدرة بيولوجية وواجب وحق لدى كل إنسان. هذه الشراكة أحد رُكْنَي المشروع وتشكّل مناعة ضرورية لحماية العقل والفكر مما يمكن أن يؤذيهما. أما الرُكْن الثاني بالمشروع فهو المجاورة كوسيط أساسي للتعلم وكاللبنة الأساسية بِبُنْيَة المجتمع، وتشكّل مناعة أساسية للشخص والمجتمع ضد ما يمكن أن يضر بهما. لا نحتاج في المشروع لنظريات وكلمات مثل تميُّز وتفوق وإبداع وإنجاز وابتكار وجودة (والمرتبطة جميعا بنمط الاستهلاك)، بل نعمل وِفْقَ عبارة الإمام علي: ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ بشتى معاني يحسن بالعربية: الإتقان والعطاء والجمال والنفع والاحترام.

من أبرز وأخطر ما تفعله المدنية الحديثة المهيمنة هو تدمير قدرتنا على عيش إنسانيتنا خارج إملاءات السوق وعالم الاستهلاك ورأس المال والتفكير المهني الأكاديمي؛ إذ يتم تدمير الإنسانية التي لا يمكن التعبير عنها وفق هذه الإملاءات. ركّزنا في عملنا على انتباه كلٍّ من النساء للعالم الداخلي فيهن والعالم من حولهن، وللعلاقة الحية بين العالمين. فعلنا ما يفعله الفلاح مع حبوب القمح: نَذُرُّ حكاياتنا كما يذرّ الزارعُ القمحَ: ينقّيه في الريح، يأَخْذُها بأطراف أصابعه وينثرهافيالأَرْضِلِتَنْبُتَ. هذا ما فعلته النساء في اللقاءات حيث ذَرّوا حكاياتهن النابعة من أعماق قلوبهن عبر أطراف ألسنتهن، وبَذَروها في الحياة لتنبت؛ نثروها فأنبتت خيرا عليهم وعلينا. نبّهني العمل مع النساء ووضّح وعمّق لدي معاني وأبعاد ونواحي للمجاورة كنت أعيها لكن لم تدخل في أعماقي كما دخلت نتيجة العمل معهن. مثلا، لم نحتاج طوال العمل معهنّ لكلمات مترجمة أو كلمات لا تنبع معانيها من حياتهن. أمرٌ آخر توضّح لي أن المجاورات حتى “تغوص” في أعماق الحياة، وتتبلور عملية نضج، فإنها تحتاج إلى فترة طويلة. كانت السنة التي قضيناها معا عاملا هاما في صقل كل امرأة للؤلؤة بداخلها، والذي احتاج إلى وقت وتأمل واجتهاد لتصبح جزءا حيا من تعبيرها ونمط حياتها. أمرٌ ثالث تعمّقَ لدي هو أهمية أن تكون العلاقة تبادلية حيث الكل يعطي ويأخذ، يغذي ويتغذى. لم تكن هناك مواد جاهزة، بل كانت المادة التي تعاملنا معها تتمثل بحياتهن وحكاياتهن عنها عبر كلمات تستمد معانيها من الحياة. كان التركيز كاملا على استخراج ما بدواخلهن. أمرٌ رابع تعمّق هو أن التعلم خلطة ضمن سياق حقيقي ويرتبط عادة بفِعْل. إذ إنْ لم يكن هكذا، يكون عبارة عن معلومات ومهارات آلية ومعارف تقنية متفرقة لا تتطلب بالضرورة فهما وربطا بين ظواهر ومكونات بل التعامل معها كسلع. يتمثل الأمر الخامس بجدل نسيج مع الذات ومع آخرين عبر المجاورة والذي يشكل جزءا هاما من المناعة لدى الشخص والمجموعة. ويكمن الأمر السادس بأهمية تحلّي القائمات على المركز (سواء رسميا أو تطوُّعا) بعطاء وحبّ وروحٍ رحبة (والتي كانت متوفرة بقوة لدى السيدة نجوى مديرة المركز ولدى السيدة سميرة وغيرهما عبر سنين طويلة، مما مهّد الجو الملائم للمجاورة). أما الأمر السابع فكان وعيي لأول مرة عبر إصغائي لقصصهن بأن ما قُلْنَهُ هو أدب؛ هو أدب وفق ما كتبه شيخ الأدباء ‘الجاحظ’ قبل 1200 سنة ولخّصه ب‘البيان والتبيين’، عبر ثلاثة أقوال:

(1) اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العُجب بما نحسن ونعوذ بك من السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر. (2) بيانٌ لدى الشخص يبيّن المعاني القائمة في صدره والمتكونة في فكره. ما يُحْيي تلك المعاني، ذكرُهُ واستعمالُه لها مما يقرّبها من الفهم ويجلّيها للعقل ويجعل الخفي منها ظاهرا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان؛ اسمٌ جامعٌ لكل شيء كشف قناع المعنى. فبأي شيء بلغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان. من هنا، المعاني ليس لها حدود، بينما الألفاظ معدودة محدودة. (3) قولٌ نقله الجاحظ عن أعرابي: ما يخرج من القلب يصل إلى القلب، وما يخرج من اللسان يصل الآذان. [جديرٌ بالذكر أن من الصعب إيجاد كلمة في الكتب المقررة خارجة من القلب مما يُبْقي القلب معطلا مدى 12 سنة والذي يفسّر وجود أمراض نفسية عاطفية اجتماعية في الحياة المعاصرة.]

ذُهِلْتُ عندما لاحظتُ مدى توافق حكايات النساء بمركز النزهة مع أقوال الجاحظ، مما جعلني أُطْلِق عليهن صفة أديبات. فبيانُهُنّ بيّنَ معاني قائمة في صدورهنّ ومتكونة في أفكارهن؛ خرجت من القلب ووصلت قلوب السامعين. لم تحتوِ أقوالهن وأعمالهن على فتنة ولم يكن فيها زيفٌ ولا تكلّف ولا إعجاب ولا سلاطة وهذر ولا عيّ وحصر. ما أحيى تلك المعاني ذكرُهُن لها مما قرّبها من الفهم وجلّاها للعقل وجعل الخفي منها ظاهرا. ظهرت معانيهن بوضوح الدلالة وحسن الاختصار ودقة المدخل. كانت دلالاتهن الظاهرة على المعنى الخفي هو بيانهن الذي كشف قناع المعنى. فرغم أن ألفاظهن كانت معدودة محدودة، إلا أن معانيهن ليست لها حدود. لذا أقول: وِفْقَ أقوال الجاحظ، هُنَّ أديبات. فالأدب مرتبط بصقلٍ وتهذيب مستمرَّيْن للتعبير والمعنى وجَدْل أنسجة على صعيد الفكر والوجدان والروح والمجتمع. حكاياتهن في القاموس يجسّد معنى وروح ما كتبه الجاحظ: بيان وتبيين يتوافق مع الرؤيا التي نسير وفقها في مشروع المجاورة. جذر كلمة قاموس هو ‘قَمَسَ’ التي أحد معانيها: قَمَسَ الشخصُ في الماء إذا غاص فيه ثم ظهر،انغطَّ ثم ارتفع. القاموس هوأبعدموضعبأعماق البحر يغوص نحوها المرء ثم يظهر. نستطيع وصف ما نفعله في القواميس التي نسعى لتوليفها بالمشروع: غوصٌ في محيط الحياة، في أبعدأعماقها، عبر تأمُّلٍ فيما نمر به من خبرات حيث نخترق السطح ونغوص نحو الجذور، ونجتهد، ومن ثم نَظْهَر بمعانٍ وفهم. هذه القواميس مبنية على القناعة بأن كل إنسان مصدر معنى وفهم، قدرة بيولوجية لا تحتاج لَوِرَش وتدريب؛ وهي حق (مغيب من الإعلانات العالمية للحقوق)، وهي واجبٌ على كل إنسان، ففيها تتجسّد المساواة والكرامة والتعددية وديمقراطية المعنى (أعمق أنواع الديمقراطية). تُمَثِّل الشراكة في تكوين معنى مناعة تحمينا على صعيد التعلم والفكر، وتمثل المجاورة مناعة تحمينا على صعيد المجتمع. الشراكة تمثل ديمقراطية المعنى، والمجاورة تمثل ديمقراطية جدل نسيج مجتمعي. ضمن هذين النوعين، نضمن العيش بحكمة وعافية.

قلت لهنّ محمود درويش أديب، وهنّ أديبات. نوعان من الأدب لا يمكن مقارنتهما إذ ينتميان لعالمين مختلفين. تماما كما وعيتُ عام 1976 أن ما كانت تفعله والدتي الأمية عبر خياطة ملابس للنساء هو رياضيات لا يمكن التعبير عنها بمفاهيم ونظريات الرياضيات المؤسسية. ملاحظة وجه الشبه بين الأدب والرياضيات قدرة رياضية مغيبة. مصدر قيمة أدب النساء يختلف عن مصدر قيمة أدب درويش، تماما كما مصدر قيمة رياضيات والدتي يختلف عن مصدر قيمة رياضياتي.

إلى جانب أنهن يجسّدن أدبًا، فهُنَّ أيضا يجسّدن إنسانية تختلف جذريا عن الإنسانية التي تتماشى مع متطلبات وإملاءات نمط الاستهلاك في العيش والتي تتعامل مع البشر والمعارف والفنون والأدب كسلع. أدبهن أدبٌ إنساني لا علاقة له بمتطلبات السوق. أعود لأؤكد أن أخطر ما يحدث بالعالم المعاصر هو تدمير قدرتنا لعَيْشِ إنسانيتنا خارج إملاءات ومتطلبات الاقتصاد ورأس المال. الإنسانية التي تتماشى مع إملاءات السوق تخريبٌ للطبيعة والبشر. إنسانية النساء تجسدت بأمور كالكرامة والاحترام وروح الضيافة والأمل والتعاطف والعناية والرعاية وليس بحقائق مجردة تقنية مبهرة بالمظهر ومؤذية بالجوهر.

أنجع أداة في تدمير الإنسانية مقاييس تقيس ما لا يمكن قياسه، بهدف السيطرة؛ مما جعلني أفكر بأهمية أن تشمل المجاورات في المستقبل تحادث المتجاورين حول خبرات عاشوها جسّدت إنسانية حيّة حيوية متوافقة مع الحكمة والعافية، وخبرات شعروا أنها دمّرت قدرتهم على عيش إنسانية خارج إملاءات ومتطلبات إنسانية سلبية سائدة تسلبنا إنسانيتنا الحية. تحدٍّ جوهري نواجهه في منطقتنا هو قلب هذه الظاهرة بحيث ننتزع أنفسنا من الإنسانية السلبية التي اكتسبناها منذ مائة سنة على الأقل، ونستعيد الإنسانية المغذية المرتبطة بالعافية. هناك عاملان لاستعادة إنسانيةٍ حيّة: التأمل وتكوين معنى؛ والعيش ضمن مجاورات.

في القواميس التي تصدر عن مشروع المجاورة، نركّز على خبرات وحكايات كبيانٍ للمعاني. في عالمٍ يركّز على أهمية القراءة والكتابة وتواصل تكنولوجي، ويهمل التحادث، نخسر أعمق فن بحياة البشر: التحادث وجها لوجه. كلمة “حديث” بالعربية تجمع في معناها بين التفاعل الشفهي وما هو جديد، وبالتالي تمثل إبداعا تلقائيا مستمرا. التحادث جوهر وروح المجاورات، وأحلى وسيط للحكاية وأعمق بيان لتبادل المعرفة؛ فيه جمالية وحيوية وتلقائية وجدل أنسجة؛ علاقة وجدانية لا تهدف إلى إقناع الآخرين ولا التأثير والحكم عليهم ولا تصنيفهم ولا توجد تراتبية. التحادث بأحلى تجلياته تعانقُ روحين يغذّي أحدهما الآخر. لا يسير التحادث وفق متتالية خطية منطقية بل وفق تدفُّق عفوي فطري وجداني. لا يمكن في التحادث التنبؤ كيف سينتهي. كل متجاور ينطق ويصغي دون تعصُّب. جوهر مشروع المجاورة هو التغذية. بذرة السبانخ حتى تنمو وتعطي، ضروري نرويها؛ حكاية شخص حتى تنمو وتعطي، ضروري نرويها. هذا ما نسعى له عبر دمج ما يجري بالنزهة وما يجري بالمبرة.

الفاعل المتأمّل

إذا أردت أن أصف ما فعلتُه منذ 1971 فإن تعبير ‘فاعل متأمل’ هو أصدق وصف على مدى ما يقارب من خمسة عقود. كل صباح (باستثناءات قليلة جدا بسبب السفر أو ما شابه) أتأمل فيما مررتُ به في اليوم السابق وأجتهد في تكوين معنى وفهم له، ومن ثم أكتبه على ورق بخط يدي (حتى بعد أن أصبح الكمبيوتر وسيلة شائعة وسهلة). أجد الكتابة باليد تساعدني على ربط الفكر بالكلمات وبالأصابع والنظر؛ عندما أكتب عبر كمبيوتر تظهر الكلمات على شاشة وليس في المكان الذي توجد أصابعي فيه، ويكون نظري في اتجاه وفكري مشتت… لم أتوقّف عن الكتابة كل صباح منذ ذلك الوقت. فعلتُ الكثير وتأملت واجتهدت وصِغْتُ ما تكوّن لدي من معانٍ وفهم ومعرفة. كنت أفعل وأتأمل وأصيغ، والصياغة كانت دوما بيانا يبيّن ما تكوّن ونضج بداخلي من معنى وفهم ومعرفة. وفي نفس الوقت، كان الفِعْلُ دوما ضمن مجموعة (ما أُطْلِقُ عليه منذ 2004 كلمة مجاورة). الفعل والتأمل والاجتهاد والشراكة في تكوين معنى وفهم – ضمن مجاورة – كان نهجي في الحياة منذ 1971. ما أطرحه هنا أن يسعى كل شخص في النظر لنفسه ك‘فاعل متأمل’. يشكل هذا مناعة أساسية على صعيد الفكر. لو فعل كلٌّ منا هذا وتبادلنا ما نصيغه، سينتج زخمٌ له شأنه في شفائنا من كثير من الأوهام والخرافات الحديثة، وسنستعيد العافية والحكمة في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا وعلاقاتنا… يحتاج هذا إلى صبرٍ ومثابرة. إذا كنت تفعل لكن بدون تأمّل واجتهاد وبيان، سيخسر المجتمع إسهاما هاما يمكن أن يضيف إلى عافيته ومناعته ونسيجه على أصعدة شتى. كان أول مظهر لهذا التأمل كتاب ‘خلجات فلسطيني’ الذي جمعتُ فيه ما نشرتُه من 1972 وحتى 1975 في صحف ‘القدس’ و‘الشعب’ و‘الفجر’.

مررت بالفترة المدرسية والجامعية دون أن أفعل أي شيء كان نابعا من داخلي، أي دون أن ترتبط المعرفة التي اكتسبتها بسياق وفعل وشراكة في تكوين معنى. مررت بالفترتين دون أن يسألني أحد ‘ماذا تبحث عنه في الحياة؟’، ودون أن أعي ما أُحْسِنُه، ودون أن أشارك في تكوين معانٍ للكلمات التي كنت أستعملها. عندما تعمّقت لديّ القناعة بأن التعلم قدرة بيولوجية لم أستطع الاستمرار بالتدريس بمعنى إعطاء مادة جاهزة تدّعي أنها مفيدة وهامة. كان ذلك خلال الانتفاضة الأولى عام 1989، حيث توقّفْتُ عن التدريس وأنشأت ‘مؤسسة تامر’، التي كان جوهرها توفير أجواء تعلمية وليس مادة جاهزة.

منذ ذلك الوقت، وأنا أحثّ الناس، خاصة الطلبة، أن يكتبوا سِيَرَهُم الذاتية دون استعمال كلمات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية، وذلك للتعرف على الذات في العمق وليس فقط فيما يظهر على السطح. فمعرفة الذات تشكّل أساس كل المعارف كما تشكل أساس الكرامة والمناعة والمساواة والتعددية والفهم واحترام الذات والحضارة.

تصوروا لو أصبح كلٌّ منا فاعلا متأملا وليس فقط فاعلا يفعل ما يُمْلى عليه، حيث يعيد كالببغاء ما يسمعه أو يقرأه دون فهم ودون سؤال ودون معرفة لماذا. هذا ما فعلتُه حتى حرب 1967. عندما بدأت تلك الحرب يوم الاثنين 5 حزيران كنت أراقب الامتحانات النهائية بقاعة كلية بيرزيت. جاء شخص من جهة الإدارة وأخبرنا أن الحرب قد بدأت وأن نخبر كل طالب بعد تقديم ورقته بأن يجمع حوائجه ويذهب إلى بيته. لم نفهم ما حدث ولماذا وكيف وما هي العواقب؛ كانت مفاجئة. جعلني ذلك لأول مرة أن أعيد النظر وأتأمل فيما حدث وأحاول فهمه. مضت 4 سنوات قبل أن أبدأ بكتابة تأملاتي فيما يحدث وأجتهد في تكوين معنى. بدأت عام 1971 دون تخطيط ودون وعي بممارسة ذلك؛ أي، كان عمري ثلاثين سنة عندما بدأت الكتابة.

قبل 1967 ما كنت أفعله لم يكن نابعا من داخلي. كنت أفعل ما هو مطلوب ومتوقّع مني في المدارس والجامعات – كطالب ثم كمدرّس. كنت أفعله كآلة، أتبع المعلومات كما هي. لم أتأمل فيما كنت أفعله ولم أحاول فهمه. بقولٍ أدقّ، كنت في بعض الأحيان أتفكر وأتأمل ولكن لم أكن أصيغ تأملاتي في بيان يبين ما بداخلي.

بدأت عام 1971 أفكّر وأتأمّل كيف يمكنني تجنُّب المرور مرة أخرى بالتيه الذي شعرت به عام 1967، وكيف تكون معرفتي أكثر ارتباطا بالحياة. أول قناعة تكونت لدي هي أهمية استعادة اليدين والرجلين والأصابع في الحياة وأتوقّف عن اقتصار عملي على كلمات مؤسسية. كان ذلك عبر العمل التطوعي الذي أنشأتُه مع بعض الأصدقاء، حيث كنا كل يوم جمعة ويوم أحد نتجمّع عند المنارة ونذهب إلى مكان ونعمل فيه، مشيا على الأقدام إذا كان قريبا، وعبر الباص إذا كان بعيدا.

في نمط الاستهلاك ينجز الفاعل وينتج عادة سلعا للسوق. الفاعل المتأمّل يغذي معانيه وفهمه وروحه وجسمه وقلبه وعلاقاته مع من وما حوله من ناس ومجتمع وطبيعة وحضارة. الحكواتي الذي تكون حكاياته ناتجة عن انتباهٍ شديد للحياة هو فاعل متأمل. من الصعب أن يكون بيان شخص يبين ما نضج بداخله دون أن يكون فاعلا متأملا. أفضل إطار مجتمعي لهذا هو المجاورة.

يتكلم الإعلام عن ناشطين في المجتمع؛ النشاط يكوّن ساقا في حياة الإنسان، لكن بدون الساق الثانية – التأمل – يعرج الإنسان.

مجاورات ابن عربي مع “مليحة مسلماني”

تأملات في لقاء السبت 6/7/2013 (في وحدة ابن رشد/ جامعة بيرزيت، وسابقا مع شباب مخيم الدهيشة والملتقى التربوي العربي) حول المريد والمراد، الصاحب والمصحوب، الحبيب والمحبوب

أود أن أتابع السؤال: لماذا ابن عربي في هذا العصر بالذات؟ نحتاج إلى أشخاص مثل ابن عربي:

١- أولا وقبل كل شيء، لأنه (في أعمق قناعاتي) لا يوجد حلّ لأي أمة إلا إذا كان ضمن أفق حضاري. هذا ما سار عليه غاندي (وخرّبه بعده نهرو)؛ وهذا ما سار وفقه مهدي السودان ولم يَحِدْ عنه رغم إغراءات الانكليز؛ وهذا ما سار عليه خليل السكاكيني في مساره التربوي الذي ما زال في رأيي المسار الذي علينا سلوكه؛ وفي مثل هذا المسار تجسّدت قوة الزباتيين في المكسيك (فلسطينيو المكسيك منذ 500 سنة). أود أن اُعيد: لا يوجد مسار لخلاص أمة إلا المسار الحضاري. هنا تكمن أهمية ابن عربي بالنسبة لنا، إذ يمثّل رُكْناً من أركان الحضارة العربية في هذا الوقت العصيب الذي تُهْنا فيه في غياهب مدنية تحكمها قيم السيطرة والفوز ونمط الاستهلاك والتراكم الأسي لرأس المال. نحتاج إلى ابن عربي لأن مشروعنا التحرري لا يمكن أن يكون إلا ذا أفق حضاري، فالكولونيالية بأداتها الرئيسية، التعليم الرسمي، سعت لبقاء خيالنا ضمن حدود رسمتها لنا. يحلّق ابن عربي بأفق حضاري تعددي يكاد يشمل الكون.

٢- لأن العالم المعاصر في أغلب نواحيه وَهْمٌ. تُذكِّرِنا هذه الحقيقة بدعاء قبل مئات السنين: “اللهم أخرجني من ظلمات الوهم وأكرمني بنور الفهم”. كلمة وَهْم تقابل عند ابن عربي “ما لا يعوّل عليه”. والمدنية الحديثة لا يعوَّل عليها.

٣- لأن الدولة الوطنية على الطراز الأوروبي لا يعوَّل عليها، والأكاديميا المحكومة بقيمتي السيطرة والفوز لا يعول عليها، والأطعمة المصنعة لا يعول عليها، ومعظم ما هو صادر عن المؤسسات الحديثة لا يعول عليه.

٤- لأن تعبير ’دولة مستقلة‘ يعكس وهما وتخديرا عميقين. ولأن تعابير مثل منهاج وطني وأمن وطني وبنك وطني ورقم وطني جميعها أوهام لا يعول عليها. لا أعرف مثلا شيئا فلسطينيا بالمناهج الفلسطينية سوى شعارات! فالتعليم الذي أحضره الغرب إلى فلسطين وغير فلسطين (كما وصفه خليل السكاكيني قبل أكثر من مائة سنة) هو إذلال واحتذاءٌ بحذاء الغير؛ هو نسخة هزيلة عن أصلٍ جوهره السيطرة على العقول. لا علاقة للتعليم الفلسطيني بالمجتمع والطبيعة والحضارة من حوله، فارتباطه الأساسي بعالم الاستهلاك ونمطه المعيشي ومؤسساته. فإذا كان التعلّم قدرة بيولوجية (كما أومن)، فإن من الضروري أن يكون التعليم مستقلا عن هيمنة المؤسسات وبراثن التصنيفات الأكاديمية والكتب المقررة، وأن يشملَ الاستقلالَ في البحث عن المعنى وفي القيام بإدارة شؤون ومتطلبات الحياة.

٥- لأن الشفاء من تقليد القبيلة الأورو-أمريكية ضروريٌّ لاستعادة الأصالة والبناء عليها. فالمشروع الكولونيالي يسعى أن ننسى فلسطين الأصالة ونحتضن فلسطين الوَهْم التي هي نسخة باهتة عن دول أخرى. يساعدنا ابن عربي في خلع أحذية الغير، بل وخلع الأحذية كليا، ونسير حفاة بحيث تلمس أقدامنا التراب والأرض.

٦- لأن من الضروري التوقف عن رؤية فلسطين والعروبة من منظور ومصطلحات غربية وتصنيفات أكاديمية، ونقلب الأمور بحيث ننظر إلى الغرب عبر مفاهيم وتعابير عربية وفلسطينية. الخبرة الفلسطينية وابن عربي يساعدانا في النظر إلى المدنية الغربية من منظور فلسطيني/ عربي.

٧- يقول ابن عربي: “علمٌ بدون عمل، لا يعوَّل عليه”، أي أن التعلم والمعرفة لا يعول عليهما إذا لم يرافقهما فِعْل. وهذا يعني أن شهادة علمية/ معرفية بدون فِعْل لا يعوّل عليها. دكتور لا يرافق شهادته فِعْل، لا يعوَّل عليه. كما يقول: “ما لا يمكن تأنيثه لا يعول عليه”. الرياضيات التي درستها ودرّستها قبل وعيي لرياضيات أمي لا يعول عليها.

٨- نسمع باستمرار: ما هو البديل للتعليم؟ البديل لا يكمن في المضمون بل في الوسيط. الوسيط الذي نسلكه مع ابن عربي هو: مجاورة/ صحبة (وليس صفوفا مدرسية أو ورش عمل). المجاورة/ الصحبة تحصل بين مريد ومراد، صاحب ومصحوب، حبيب ومحبوب، وبالتالي تتضمن احتراما وعدلا ومساواة وحرية وصدقا، وتعيد مرجعية الإنسان إلى داخله وعلاقاته بدلا من أن تكون مؤسسات ولجان ومهنيين وخبراء.

٩- ضرورة الشفاء من اعتبار النتائج والمُخْرَجات الهدف والمعيار وبدلا من ذلك اعتبار السعي نحو الكمال هو الجوهر. لا خوف في هذه الحالة على المخرجات، إذ عندما ينضج السعي فينا سيخرج من خلال بيان ك”رفسة فرس” – على حدّ تعبير الشاعر الإيراني حافز الشيرازي.

١٠- لأن ابن عربي يساعدنا في الخروج من حالة اللامبالاة والضياع والمتاهات الفكرية والإدراكية التي تضعنا فيها التصنيفات والمصطلحات الأكاديمية، والمؤسسات عامة. لعل أنجع وسيلة في تحقيق حالة الضياع هي استبدال لغات حيّة تستمد معانيها من الحياة بلغةٍ رسمية هي لغة الكتب المقررة والإعلام الرسمي، المليئة بإيحاءات دون دلالات، تؤدي عادة إلى تخدير وشرذمة. يشكّل ابن عربي (فكرا وتعبيرا وفِعْلا) بوصلة حضارية هامة في الوقت الحاضر.

١١- ضرورة الشفاء من فكرة التقدم بمعنى الاعتقاد بوجود مسار أحادي عالمي، وبوجه خاص الشفاء من الاعتقاد بأن أوروبا متقدمة (فتقدمها يقتصر على الأقفاص وعلى الأدوات التي في أغلبها تخدم السيطرة).

١٢- لأن ابن عربي هام في الصراع من أجل البقاء، ليس فقط على الصعيد العربي بل العالمي أيضا. لا يعني هذا أن لدى ابن عربي إجابات جاهزة لمشكلات العصر بل لأنه يشكّل غذاءً للعقل والقلب والروح والعلاقات، نحتاج إليها جميعا لحماية مناعتنا الداخلية بحيث نكون قادرين على مقاومة الأمراض الحديثة على شتى الأصعدة… نحتاج إلى حكمة.

١٣- لماذا نحتاج إلى حكمة؟ لأن تدمير الحياة وتخريبها سهلٌ وسريع، بينما وتيرة الحياة فيها احترام للطبيعة، وبالتالي بطيئة. يشكل احترام الطبيعة والعيش وفقها جوهر الحكمة. هذا ما وعته الحضارات ما قبل الأوروبية. المدنية الأوروبية منذ نشوئها كانت مهووسة بالسيطرة والسرعة، مما اضطر الأوروبيين إلى سجن الحكمة وإطلاق العنان للعقل. العقل غير المسلّح بحكمة يكون مثل سائق متهور في سيارة ذي طاقة وقوة هائلتين، حيث يسير بسرعة فائقة تؤدي إلى اصطدام. هذا حال عالم اليوم: تقدُّم على مستوى أدواتٍ مدهشة لكن غبية. لا أمل في استمرار الحياة على الأرض دون حكمة. يشكّل ابن عربي، ببيانه الجميل وتبيينه العميق، أحد الذين يمكن أن يسهموا في استعادة الحكمة.

١٤- من الجدير بالذكر أن جزءاً من الأمراض/ الأوهام/ الخرافات الحديثة هو الاعتقاد بأن المدنية الأوروبية هي امتداد للحضارة العربية الإسلامية والتي كانت امتدادا لحضارات سبقتها. أتمنى لو كان الحال كذلك، لكان حال عالم اليوم أفضل بكثير. كانت المدنية الأوروبية في الحقيقة شرخا في تفاعل الحضارات، وتشويها واحتقارا لها، إذ كان جلّ همها واهتمامها البرهنة على أنها مدنية فاقت كل ما سبقها من حضارات، واستعملت أسلوبا حقيرا لنشر هذه الخرافة: استعدادها لمساعدة الشعوب خارج أوروبا لتسير مسار أوروبا في تقدمها! ونحن احتضنّا هذه الخدعة بسذاجة. جدير بالذكر لنا خاصة، أن أول تخريب قامت به أوروبا في هذا المضمار كان استبدال المسيح الفلسطيني ذي رسالة المحبة إلى مسيح بمثابة امبراطور روماني تلخّصت رسالته في كراهية وحروب. هذا ما حصل أيضا للرياضيات والعلوم إذ حولتها أوروبا من معارف تهدف إلى التعلم والفهم والعدل والعيش وفق الطبيعة إلى أدوات قهر وإخضاع، على حد تعبير أبو العلم الحديث ’بيكن‘. جوهر المعرفة قبل أوروبا كان السعي نحو الحكمة؛ أصبح في أوروبا إخضاعا وقهرا وتركيعا للطبيعة، بالتصميم! نعيش اليوم عواقب هذا الإدراك المدمّر على أصعدة شتى.

١٥- تصوروا لو انطلق التعليم من كلمة ’مريد‘ بمعنى شخص يريد أن يتعلم من ’مراد‘، وتمحورت حياته حول ما يريد المريد أن يتعلمه ويحسنه. في مثل هذه العلاقة التبادلية تقطن المعرفة والتعلم والحكمة والعلم؛ يحصل عندها تحرر وشفاء من التعليم المهيمن الذي تحكمه قيمتا السيطرة والفوز… كم سيساهم ذلك في استرداد عافيتنا، وتجميع مجالات المعرفة ونواحي الحياة ضمن “خلطة” تعكس حقيقة الحياة التي لا يمكن وضعها ضمن مجال أحادي؛ عندها سينطلق المريد والمراد من الحياة لا من مصطلحات مهنية وتصنيفات أكاديمية، كما هو الحال في المؤسسة التعليمية حاليا.

*          *          *

قبل أن أنهي، أرى من الضروري توضيح معنى” أفق حضاري” والذي يجسّده القول التالي لابن عربي تجسيدا رائعا:

لقد كنت قبل اليوم أُنْكِر صاحبي          إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلا كلَّ صورةٍ            فمرعىً لغزلان، وديرٌ لرهبان
وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طـائـف              وألواحُ توراة ومصحفُ قرآن
أدين بدين الحب أنى توجَّهَتْ              ركائبُه.. فالحبّ ديني وإيماني

أُومِنْ بقوة أن الترجمة أمرٌ يكاد يكون مستحيلا. لا يمكن مثلا ترجمة هذا الاقتباس ببيانه الرائع وتبيّنه اللهوف وتبيينه العميق والإبداع المتضمن في ثنايا ’خلطته‘ دون أن يفقد روعته وعمقه وإبداعه؛ أفق حضاري يجمع حضارات وأديان وحبّا بلا حدود

ربما لهذا السبب لم يهتم الأوروبيون بابن عربي كما اهتموا بابن رشد، إذ لم يستطيعوا حشر ابن عربي ضمن مرجعية واحدة. كان بإمكانهم حشر ابن رشد والادعاء بأن جلّ ما فعله هو ترجمة ما كتبه الإغريق، وما عدا ذلك فليس بذي شأن. تلاءم ذلك مع تطلّعاتهم العنصرية المتمثّلة بادعائهم أن مرجع الحضارات هي أوروبا. بالإضافة إلى ذلك، لا أعتقد أنه كان بإمكانهم فهم وإدراك العمق والشمولية والحكمة وروعة البيان المتضمنة جميعا في فكر وكتابات ابن عربي (من الجدير بالذكر أنهم حاليا وبعد 800 سنة يجدون معنى لابن عربي ويحاولون الغوص في بحوره). لا بد أخيرا من التأكيد على أن أفقنا الحضاري يشمل بالضرورة العلاقة مع جيراننا التاريخيين: الهنود والفرس والترك واليونان والأفارقة…