استعادة أفق حضاري (الجزء الثاني): روح ’القدْس‘ لا تكتمل إلا إذا سارت على قدمين: أتربة محلية وأفق حضاري.

نتغنى بالقدس ونضعها فوق رؤوسنا. بنفس الوقت، نجهلها. نرفعها كشعار، لكن صعب جدا إيجاد مدرسة/ جامعة فلسطينية تتعامل مع القدس عبر بُعْدِها الحضاري والذاكرة الجمعية. تشكّل كُتُبٌ أصدرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية وغيرها عبر مذكرات أشخاص (شملت خليل السكاكيني وواصف جوهرية وعارف العارف) عاشوا وكتبوا عنها بالفترة التي انتقلت فيها القدس من أفق حضاري إلى أسوأ احتلال شهدته فلسطين عبر تاريخها: الاحتلال البريطاني. جرت تحسينات خلال الاحتلال الانكليزي على السطح/ الأغصان؛ لكن في الجذور كان الاحتلال الانكليزي أسوأ احتلال لفلسطين إذ أدى لأول مرة في تاريخ فلسطين إلى تدمير الريف وتهجير أهاليه عبر التمهيد للصهاينة للقيام بذلك. كل الاحتلالات السابقة اقتصرت على المدن. أول غزو للريف، والذي طَرَدَ أهاليه ودمّر قراه كان جريمة 1948 (التي لم تكن لِتُحَقَّق لولا عصبة الأمم وهيئة الأمم: الأولى شرّعت احتلال انكلترة لفلسطين والثانية شرّعت قيام دولة غريبة على أرضها). هدف بريطانيا (كما فعلَت بمناطق أخرى) تمزيق الأفق الحضاري بالمنطقة (بريطانيا لا تستطيع مقاومة حضارات لذا عملَتْ ما بِوُسْعها لانهيارٍ حضاري وخلق دويلات وصل عددها حتى الآن 22). هناك كتب أكاديمية تُحلّل الوضع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتربويا، بينما روح القدس لا يمكن أن تظهر إلا عبر مذكرات وبعدٍ حضاري إذ عندها لا تبقى حبيسة لأبجدية بل تلمس الخيال والقلب. لماذا هذه المذكرات مغيبة من المناهج الفلسطينية؟ كانت لي محاولتان لاستعادة البعد الحضاري بجامعاتنا: اقتراح بعثْتُ به عام 2010 للجامعات حول إنشاء بيت حكمة فيها لعشرة طلبة فقط يرغبون بالسير وفق رؤية تتبلور حول الحكمة مبنية على كتبٍ كُتِبَت في عصرٍ جمع تلاقُح عدة حضارات. لم يصلني أي تعليق من أي جامعة! الشخص الذي اهتم بالاقتراح كانت ’نبال ثوابتة‘ محررة صحيفة الحال بجامعة بيرزيت ونشرته يوم 1/2/2011. أما المحاولة الثانية فكانت مجاورات ابن عربي مع مليحة مسلماني التي بدأت مع شباب بمخيم الدهيشة ثم مع شباب الملتقى التربوي العربي بالبيرة عامَيْ 2011 و 2012 ثم عام 2013 مع وحدة ابن رشد بجامعة بيرزيت. لم تهتم أي جامعة بإدخال هذا البعد الحضاري فيها! يوجد مئات الأشخاص يدرّسون رياضيات القبيلة الأورو-أمريكية ولا توجد فسحة واحدة لابن عربي أو لغيره ممن يحملون حكمة بأحشائهم وحياتهم!

خاطرة … ما له قيمة بالعمق، لا يمكن تقييمه

أهمية التمييز بين التقييم والقيمة

من أهم ما علينا توضيحه، في العصر الحالي، ويساعد في شفائنا من فيروسات فكرية وإدراكية، هو التمييز بين القيمة والتقييم، بين قيمة المرء وتقييمه. لم يستعمل العرب كلمة ’تقييم‘، بينما استعملوا ’قيمة‘ كما بعبارة الإمام علي ’قيمة كل امرئ ما يحسنه‘. هدف تركيز المدنية المهيمنة على التقييم هو تغييب قيمة المرء وفق ما يحسنه ووفق ’ما هلك امرؤٌ عرف قدْر نفسه‘ ووفق ما يبحث عنه بحياته وما ثابتٌ فيها. اعتماد المرء على مقاييس عمودية، تحددها مؤسسات ومهنيون وخبراء مرخصون، تُفْقِده المسؤولية للإدلاء بثقله كإنسان في المجتمع والحياة عامة. لذا، من الضروري جدا أن يبقى التمييز بين القيمة والتقييم حيّا في وعي الطلبة والهيئتين التدريسية والإدارية، والتربويين عامة.

التقييم والقيمة عالَمان لا يلتقيان (إلا بنواحٍ قليلة ليست بذي شأن). ربط القيمة بالتقييم يؤدي لتخريب القيمة ويلحقها بالتقييم كسيّد. ما يميّز ’القيمة‘ أنها ترتبط بعلاقة الشخص مع نفسه ومع من وما حوله، بعلاقات تبادلية، بينما يرتبط التقييم بسلطة وسيطرة. ترتبط قيمة المرء بالكرامة لا بالحقوق. تظهر الكرامة بسلوك الشخص ومواقفه، وليس بالمُطالبة بها. الحقوق، نطالب بها من الذين ينتهكوها! لهذا، تركّز المدنية المهيمنة على الحقوق لا الكرامة. أهالي الولايات المتحدة الأصليون لهم الحق في المطالبة بأراضيهم بالمحاكم. دفعوا مبالغ طائلة لمحامين ومحاكم دون أن يسترجعوا شيئا سوى الضئيل الضئيل!

باختصار شديد: ما له قيمة بالعمق لا يمكن تقييمه. لا يمكن وضع القيمة ضمن إطار نظري، بينما يمكن وضْعُ التقييم ضمن أطر نظرية. لا يمكن تقييم التعلم والكرامة والعافية والحكمة والتقوى والإيمان والتحادث والمسؤولية والإصغاء والذكاء والعاطفة  والمجاورة. تقييم المرء بنواحٍ يمكن قياسها كمهارات ومعارف تقنية له معنى، لكن ليس في نواحٍ حياتية. لا يمكن إعطاء معنى ل’تقوى‘ عبر كلمات؛ نعرف أن شخصا تقيٌّ عبر أفعاله وتعامله. ما يمكن قياسه ويستطيع العقل استيعابه واللغة التعبيرعنه ينتمي للأغصان؛ ما لا يمكن للعقل إدراكه ولا للغة التعبير عنه ينتمي للجذور. ركيزة التعلم قصص وحكايات؛ ركيزة التعليم أبجدية ومصطلحات ونظريات.

خاطرة …الإنسان والمثنى والمجاورة

 عام 2007 دُعيتُ لأشارك في مؤتمر باليونيسكو حول التعدد الثقافي والحوار بين الثقافات:

[UNESCO conference “Towards Mainstreaming Principles of Cultural Diversity and Intercultural Dialogue in Policies for Sustainable Development”, Paris, May 21-23, 2007] وبعثوا لنا بورقة مفاهيمية لنستنير بها كتبَها فيلسوف فرنسي معاصر Roger-Pol Droit جاء فيها “جدَلٌ فلسفي قديم جدا يكمن بين الواحد والكثرة the one and the many”. يستعمل الشباب العربي حاليا تعبير ’كل حدا‘ ترجمة ل everyone. ’كل حدا‘ ليست تعبيرًا عربيا. لدينا كلمة ’إنسان‘ التي لا علاقة لها ب’حدا‘ بل هي نفسها مثنى – إنس/ إنسان – وبنفس الوقت تجسّد حقيقة أنها تنبع من مثنى: أب وأم. كل إنسان هو نتيجة تلاقح شخصين. بهذا المعنى لا يوجد رديف ل’إنسان‘ باللغات الأوروبية، وكذلك بالنسبة ل’مثنّى‘، وأيضا ل’مجاورة‘ (التي هي أفضل بكثير من كلمة كثرة كما جاء في الورقة المفاهيمية) – مما جعلني أقترح استعمال ’إنسان ومثنى ومجاورة‘ بمؤتمرين حول اللغة أحدهما بالمغرب، والآخر بإيران. هذه الكلمات الثلاثة تنبع من الحياة، من التربة المجتمعية الثقافية؛ وليس لها رديف باللغات الأوروبية بنفس المعاني العميقة باللغة العربية. هذه الكلمات الثلاثة تغذّي عافية الإنسان على الصعيد الثقافي المجتمعي الوجداني. أود أن أذكر شيئا غريبا حصل بتلك الجلسة باليونيسكو (ليس من صلب موضوع الجلسة لكن جدير بالذكر). عندما جاء دوري للتحدث، من بين ما قلتُه (ناظرًا بعينيّ الفيلسوف الذي كان يجلس بالصف الأول بالقاعة): “لك نظرتُك التي استمدَّيْتَها من لغتك وثقافتك، ولي نظرتي التي استمدَّيْتُها من لغتي وثقافتي، مما يجعل حوارنا عميقا وحقيقيا”. بعد 5 دقائق ترك ولم يعُد. بعد انتهاء الجلسة سألتُ مديرة المؤتمر (وهي ألمانية): لماذا ترك؟ قالت: ’تريد الحقيقة؟ صعب على فيلسوف فرنسي أن يقبل شخص من بلد كفلسطين يقول له: ’عندي شيء ما عندك إياه.

 لننعم بالغنى والعمق والجمال المتوفرين باللغة العربية. ولنتساءل: لماذا مثل هذه الأمور المتوفرة بلغتنا وحضارتنا مغيّبة من مادة اللغة العربية بمدارسنا؟! بدلا من الجمال، وعمق وتنوع المعنى، ومنطق الأنماط بلغتنا، نركّز على النحو والصرف والقواعد، التي هي هامّة لكن يمكن أن يستوعبها الطفل عبر الأنماط المنطقية، والتي تمثّل قدرة فطرية لدى الأطفال، لكن مغيبة.

خاطرة… موطن الأمل بالنسبة لي في الفترة الحالية

أكبر خدمة قدمتها لنا كورونا هي فَتْح أبواب على مصراعيها لانتزاع أنفسنا من سطوة أوهام وادعاءات عصر التنوير (الذي كان نوره ساطعا حيث لم نستطع رؤية الواقع وما يجري داخلنا وحولنا)؛ عصرٌ أوهمنا أننا إذا اعتمدنا العقل والمنطق والعلم والفردية والتقدُّم كأساس ومرجع، سنتخلص من أوبئةٍ قتلت ملايين البشر، ومن أوهامٍ وخرافاتٍ عديدة ومتعددة، وأننا سنبدأ السير نحو حياة تضمن صحتنا وتقدمنا كبشر… الخ). جاءت كورونا وفَضَحتْ هذه الادعاءات إذ نمط العيش والفكر والقول الذي ساد عبر 150 سنة على الأقل أدى لانتشار فيروسات بدأت بالفكر والإدراك قبل 400 سنة، وشملت حديثا سمومًا بطيئة تدخل الأمعاء عبر آلاف الكيماويات، وسمومًا تدخل القلوب والعلاقات والثقافات. ما غيّبه عصر التنوير أخطر بكثير مما قدّمه: غيّب الروح والقلب والمحبة والتقوى والكرامة والمجاورة والتعلم كقدرة عضوية والصبر والإيمان والحكمة والعافية والضيافة (تتمثل في أعمق ظواهرها بالإصغاء للأطفال واليافعين مما يساعد كلّا منهم لترتيب عالمه الداخلي وعلاقته مع العالم من حوله. جديرٌ بالذكر عدم وجود رديف لكلمة إصغاء بالانكليزية!) كورونا مؤهلة لإيقاظنا من سباتٍ عميق بحيث نعي أن التقدم والعلم والمنطق والعقل، التي تفتقر للحكمة وتغنّى بها عصر التنوير، كان تقدما أدى لتخريب الحياة وتدمير قدرة الطبيعة لتوليد ذاتها. التربة خُرِّبَت، والهواء والمياه والمجتمعات والثقافات وروح الأديان. صعب جدا ذكر ناحية في جذور الحياة لم تُخَرَّب.

كان عمري 11 سنة عام 1952 حين وقف ’خليل أبو ريا‘ مدير مدرستنا برام الله وكعادته كل صباح بعد اصطفافنا للدخول إلى الصفوف، قال لنا بكلمته الصباحية: “لديّ اليوم خبر سعيد جدا، قرّر الملك طلال أن يبقى غرب عمان منطقة خضراء، تتنفس منها عمان”. أذكر أننا صفّقنا للخبر، وهو أمرٌ لم نفعله في أي حديث صباحيّ آخر للمدير؛ لكننا في ذلك اليوم صفّقنا. هل الحكمة الفطرية الموجودة فينا كبشر هي التي دفعتنا لنصفّق؟ لا أدري، لكن صفّقنا!

خلال ال24 سنة الفائتة، في عملي كمدير الملتقى التربوي العربي الذي أنشأتُه بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد (وأدرتُه هناك من 1997 حتى 2007) والذي ما زال مستمرا بالأردن وفلسطين حتى الآن… أقول، خلال ال24 سنة الماضية زرتُ 16 دولة عربية و15 دولة غير عربية، شملت الهند وباكستان وإيران شرقا إلى المكسيك والبرازيل غربا مرورا بدول أوروبية وشمال إفريقية. أكثر مؤسسة على صعيد دولة، أجدُها حاليا مؤهلة للعيش وفق رؤية مغايرة لما هو سائد وترتبط بالتعلم والتعليم، هي مراكز الأميرة بسمة (عددها 52)، المنتشره منذ 44 سنة في أنحاء الأردن، ولتقبُّلها رؤية هي جزء جوهري من حضارتنا، لكن عصر التنوير غيّبها كليا. كانت بداية العيش وفق مجاورات على طريق العافية ضمن مؤسسة ’جُهُد‘ منذ تموز 2018 وتوقفنا عندما اجتاحتنا كورونا قبل سنة و 8 أشهر. أما الشخص التي وفّرت فسحة لهذا حتى يحدث، فكانت السيدة فرح الداغستاني، التي أقول دوما لأصدقائي بفلسطين كم تمنيتُ أن تكون بفلسطين مؤسسة فتحت لي الفرصة مثل فرح.

أول المدارس التي فتحت ذراعيها لإعادة التفكر فيما سرنا وفقه منذ غزو القبيلة الأورو-أمريكية لمنطقتنا قبل 150 سنة هما الأهلية والمطران (أَقْدَمْ مدرستين بعمان قبل قرابة 85 سنة). بدأنا بمجاورة لمن يرغب من المدرستين (مجاورة، وليس ورش عمل وبرامج تدريب) بداية نيسان 2021. هناك على الأقل ثلاثة أقوال شافية، نستعيد وفقها الكرامة والعافية والحكمة في حياتنا اليومية: ’قيمة كل امرئ ما يحسنه‘ و’ما هلك امرؤٌ عرف قدْر نفسه‘ (القولان للإمام علي)، وقولٌ ثالث لجلال الدين الرومي ’لربما أنك باحثٌ في الأغصان عما لا يظهر إلا في الجذور‘، مما يعني أن مهمة جوهرية لنا، كأشخاص ومجاورات، التوضيح لأنفسنا فيما إذا كان ما نفكر به وما نقوله ونفعله ينتمي للأغصان في الحياة أم للجذور.

وللحديث بقية في خواطر قادمة.

خاطرة… ما هو دور جامعات النخبة الأمريكية في التخريب الذي نشهده حول العالم وعلى أصعدة شتى؟

إذا نظرنا إلى أصحاب القرار في أمريكا على مدى عقود، وبشتى المجالات، وقاموا بجرائم مرعبة، نجد أن معظمهم خرِّيجوا جامعات النخبة! أكثرهم إجراما ’رمزفلد‘ الذي هندس الحربين على أفغانستان والعراق، خريج جامعتي برنستن وجورجتاون؛ ’بوش‘ الإبن خريج جامعتَي ’ييل‘ وهارفارد؛ ’أوباما‘ خريج جامعتَي كولومبيا وهارفارد؛ كلنتون خريج ’ييل‘ وجورجتاون؛ وهلم جرا… ألا يحق لنا أن نتساءل: ما هو دور جامعات النخبة في الخراب الذي نشهده حول العالم؟ جدير بالذكر في هذا المقام أن التلميذ الوحيد المؤهل بين تلاميذ المسيح هو ’يهوذا الاسخريوطي‘ الذي خانه وباعه بثلاثين من الفضة. وهذا صحيح بيومنا هذا حيث معظم الذين يبيعون أوطانهم وشعوبهم دون أن يرجف لهم جفن هم مؤهلون يحملون شهادات من جامعات مرموقة.

خاطرة … من أخبث الإعلانات الدولية الإعلان الذي يشار له ب’أهداف التنمية المستدامة‘ SDGs

من الصعب التفكر بشيء أكثر احتقارا لذكاء الإنسان قدر هذا الإعلان. إلى جانب الاحتقار، يشتمل على ضحالة وانحطاط فكري وأخلاقي غير مسبوق. يظهر هذا بجلاء بلغة الإعلان. من الصعب أن نصدّق أن جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة اعتمدته عام 2015، إذ هل يعقل ألا يكون على الأقل شخص من دولة واحدة صاحيا وينبّه الآخرين؟!) جاء بالإعلان: ’دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر‘ [بالله عليكم، هل يمكن إنهاء الفقر دون إنهاء الجشع وسرقة الشعوب وحماية السارقين!] كما جاء فيه: ’من خلال التعهد بعدم ترك أي شخص في الخلف، التزمت البلدان بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد.‘ الذين كتبوا هذه الكلمات يطلبون منا أن نقبل فكرة سخيفة مفادها أن أي شخص هو إما خلف شخص آخر أو أمامه! لم يخطر على بالهم أن الناس متنوعون بحيث لا معنى للقول بأنهم أمام أو خلف بعض! تُذكّرُني أقوالهم بما كتبه الجاحظ قبل 1200 سنة: ’اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل‘. الإعلان حول ’أهداف التنمية المستدامة‘ يجمع بين الفتنتين!

خاطرة… بين الأغصان والجذور، مرة أخرى… هزالة المؤسسات ودور المنظمات الدولية في تبرير جرائم

إحدى الأمهات اللواتي عملتُ معهن بمخيم شعفاط ’سهام حوات‘ كانت تعمل مع الأطفال بروضة الجامع. زرتُها بالروضة وشاهدت إنسانة من أروع من شاهدت في علاقتها مع الأطفال: حبٌّ متبادل بينها وبينهم، والعمل معا بنواحٍ حياتية. حيوية وسعادة غامرتين. الكرامة والاحترام والسعادة ميزت العلاقة والتعامل. رغم كل هذا الجمال، كانت سهام مهددة دوما بالفصل من عملها (من قِبَل وزارة التعليم الفلسطينية) لأنها لا تحمل شهادة التوجيهي المزرية! في السنة التي عملتُ فيها معهنّ قدّمت ’سهام‘ امتحان التوجيهي للمرة الخامسة أو السادسة ولم تنجح. قلتُ لها: كل الاحترام لعقلك الذي يرفض أن يتلوث، وأن يعيد كالببغاء ما يملى عليه؛ وكل الاحترام لقلبك الذي يرفض أن يموت من أجل علامة خبيثة. كذلك الحال بالنسبة للمنظمات الدولية. ’عصبة الأمم‘ هي التي أصدرت صكًّا في 11/ 9/ 1922 أقرّت فيه احتلال بريطانيا ’قانونيا‘ لفلسطين. كما حدث نفس الشي من قبل ’#هيئة_الأمم‘ التي أصدرت صكا آخر يوم 29 نوفمبر 1947 أقرَّت فيه ’قانونية‘ تهجير الفلسطينيين من مدنهم وهدم قراهم وسبب معاناتنا حتى يومنا هذا. لولا العصبة والهيئة لَمَا خسرنا #فلسطين. لذا، جزء من مسؤوليتنا كبشر حماية أنفسنا من منظمات وإعلانات دولية هي نفسها جزءٌ أساسي من أدوات التخريب لكن بأغلفة براقة وكلمات فضفاضة.

خاطرة… كيف نفسّر سيرنا وراء مدنية استطاعت تخريب المسيح، ومن بعده تخريب كل شيء يولّد ذاته؟

هل يستطيع أحد أن يفسر كيف نثق بمدنية لم تترك شيئا لم تخربه بالعمق، بدءا بالمسيح الفلسطيني؟ وأطلَقَت على هذا التخريب بكل وقاحة صفة تقدم وتفوق ذهني وأخلاقي، والأدهى من هذا أننا نسير على هذا الطريق دون الشعور بأي ذنب! أمَا آن الأوان أن نصحو ونسترد ما سُلِبِ منا، وعلى رأس ذلك الحكمة التي تجلت ببيوت الحكمة التي امتدت عبر مساحة واسعة شملت ثقافات وحضارات متعددة جمعت بينها الحضارة العربية الإسلامية؟ [أستعمل هنا ’مدنية‘ نقيض حضارة] ثقتُنا يالمدنية المهيمنة بمثابة جنون! أعود لأؤكد أنه لم يبق شيء لم يتم تخريبه من قبل هذه المدنية: 80% من تراب الكرة الأرضية مُدَمَّر، والهواء من حولها ملوّث، والمخلوقات بمياه بحارها تنقرض، وآلاف الثقافات تندثر – ونشير لهذا بتقدُّم! نعم، أوصلتنا علوم القبيلة الأورو-أمريكية إلى القمر لكنها أوصلتنا أيضا إلى نقطة من الصعب على الأب والأم أن يصل قلب ابنه وابنته، إلى نقطة لم يسلم فيها مُكوِّنٌ من مكوِّنات الحياة من التخريب. التنوير الذي نُسِبَ إلى هذه المدنية كان نوره ساطع لدرجة فقدنا معها القدرة على رؤية الواقع. في محاولة سيطرتها على الصين قبل 180 سنة، استعملت بريطانيا الأفيون (كمادة مخدّرة للجسم) والمسيح البريطاني كأفيون لتخدير العقل. التحدي الرئيسي الذي نواجهه يكمن في انتزاعنا من الهمجية المهيمنة، واستعادة الحكمة بحياتنا، بما في ذلك استعمال التكنولوجيا وأخواتها بحكمة. بدون استعادة الحكمة، لا أمل للبشرية في صراعها من أجل البقاء.

مسيحية الأمهات وإسلام الأمهات

محظوظ لأني تعرّفتُ على روح المسيح الفلسطيني دون شوائب عبر أمي وأمهات كثيرات حملن روحه بقلوبهن من جيل لجيل عبر ألفي سنة، منذ وطِأَت قدما المسيح أرض فلسطين. وتعرّفتُ على روح الإسلام دون شوائب عبر أمهات عملتُ معهن مدة سنتين بمخيم شعفاط بالقدس حملن روح الاسلام بقلوبهن من جيل لجيل عبر 1400 سنة، ثم عبر أمهات بمركز الأميرة بسمة بحي النزهة في عمان. في كل هذه الحالات كانت الأداة الرئيسية لديهن للعيش والتعامل والتعلم والأخذ والعطاء هي المجاورة، وكانت القيمة التي تحكم حياتهن وأفعالهن وعلاقاتهن هي العافية، وكانت ’المواد‘ الرئيسية في حياتهن الأتربة التي يتغذوا منها ويغذّوها. فَقَدت المسيحية والإسلام هذه الروح عندما انتُزِعَتا من أتربة متعافية وأصبحتا رهينة مؤسسات ومهنيين. تصوّروا، أصبحتا مواد دراسية وتخصصات أكاديمية! الدين الفطري يفقد روحه وجوهره عندما يصبح محكوما من مؤسسات ومهنيين.

آن الأوان، كمسيحيي بلاد الشام، أن نقول للغرب: لكم مسيحكم ولنا مسيحنا؛ ولا يلتقيان إلا بقلوب الناس

ربما تكون آخر فرصة لنا، كمسيحيي بلاد الشام خاصة، استعادة المسيح الفلسطيني الذي اختَطفَتْه أوروبا قبل 17 قرنا واقتَرَفَت باسْمِه، كما ذكرتُ بخواطر سابقة، جرائم لا مثيل لها بالتاريخ، حيث كان للمؤسستين الدينية والتعليمية دورٌ كبير. اكتُشِفَت حديثا مقابر بكندا لأطفال شعوب أصلية قُتلوا بتعاونٍ مع المؤسستين. انظروا مثلا:

https://www.nytimes.com/2021/06/26/world/canada/indigenous-residential-schools-grave.html

منذ مائة عام عادت أوروبا مُجددّا لتغزونا. تمّ الغزو الأول على أيدي صليبيين كانوا وبالا على المسيحيين والمسلمين. عام 1917 عادت بريطانيا واحتلّت فلسطين. أول جملة قالها ’ الجنرال اللنبي‘ في اجتماع بالقدس: ’اليوم انتهت الحروب الصليبية‘! (هذا ما ذكره ’واصف جوهرية‘ الذي حضر الاجتماع بمذكراته). مهّدت بريطانيا الطريق للصهاينة احتلال معظم فلسطين. لأول مرة تم تدمير الريف (1948). اقتصرت الاحتلالات السابقة على المدن. رسّخت الولايات المتحدة هذه الجرائم وزادت عليها إذ بعد 80 عاما غزت ودمّرت بلدانا أخرى شملت أفغانستان والعراق حيث أكّد ’بوش‘ أن الله حثّه على غزو العراق! ثم جاء ترامب وبومبيو (كمسيحيين صهاينة) وعمّقوا الكارثة. لذا من السخف أن نعتقد أن هناك علاقة بين مسيحية بلاد الشام ومسيحية الغرب (نشرتُ خلال الانتفاضة الأولى كتيّبا بعنوان ’ مسيحية أمي ومسيحية الغرب‘). آن الأوان لاستعادة المسيح الفلسطيني وتذكير شبابنا أن مسيحيتنا بريئة من مسيحية الغرب. ضروري ألا نُخْدَع لشَبَهٍ بالكلمات ورموز. استغلّت المؤسسة المسيحية الغربية (بريطانيا وأمريكا) المؤسسات الصهيونية ليرتكبوا أبشع الجرائم باسم اليهود. ناحية ضروري توضيحها قبل أن أنهي: إذا جاء شخص أو مؤسسة من الغرب ليتحادث معنا وليتعرّف على مسيح بلاد الشام (وليس ليحاول تحويلنا إلى مسيحيته) فأهلا وسهلا.