رقم 65: حول المناعة الذاتية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(4 تشرين أول / أكتوبر 2020)

فلاحو بلاد الشام عبر آلاف السنين يزرعون شجر ‘لوز مُرّ’ ثم يركّبون عليه ما يحلو لهم من أشجار الفاكهة إذ عندها يضمنون توفّر مناعة ذاتية (متمثلة بساق الشجرة وجذورها) قادرة على حماية ما يركّبون عليها من أشجار الفاكهة ضد أي تسوس أو عطب. كما كانوا يعتمدون على دودة الأرض في تغذية الجذور لضمان عافية التربة والشجر. تربة الأرض الحاضنة الأساسية لعافية الإنسان مما يعني حمايتها يجب أن تكون أولى الأولويات. تنطبق هذه الحكمة على الفكر والمعرفة بمعنى ضرورة الاهتمام بالتربة الثقافية وحمايتها من التلوث والتخريب إذ تمثّل المناعة الذاتية لحماية الأهالي والمجتمعات من أمراض وأوهام وخرافات على صعيد العقل والإدراك، خاصة الحديثة منها التي مظهرُها مبهر لكن جوهرها مليء بفيروسات خفية. ما يشكل ‘الساق والجذور’ بالنسبة لمناعة الطفل هو اللغة الحيّة التي تتمثل بلغة الأم. لغة الأم لا تتكون من أبجدية بل هي خلطة حاضنة لمكونات جوهرية في الحياة: التحدث وجها لوجه مع الرضيع، والتحادث عبر العينين واليدين والأصابع. لغة الأم هي البيان الأول الذي يبيّن للطفل مشاعر حُبٍّ وحنان تُشْعِره بالأمان. جوهرُ بيان الأم هذا روحٌ ووجدان عصيٌّ على العقل أن يستوعبهما كليا، وعلى اللغة أن تعبّر عنهما كليا. هذه الخلطة هي ساق وجذور ‘شجرة اللوز المرّ’ على الصعيد الثقافي المعرفي الذي يمكننا فيما بعد أن نركّب ‘فواكه’ فكرية تعبيرية من حضارات أخرى، توسّع مداركنا دون أن تسلبنا مقوماتنا. يعي الفلاح أن التركيز على تحسين الأغصان وإهمال الجذور لا يلبث أن يؤدي لعطبٍ بالجذور يودي بحياة الشجرة. كذلك الحال بالنسبة للفكر والمعرفة: التركيز على ما ينتمي للأغصان كالأبجدية وإهمال الخلطة لا يلبث أن يُقَلِّص تعاملنا مع الحياة على صعيد الأغصان فقط مما يؤدي إلى خلخلة أسسها في الجذور. جدير بالذكر هنا أن الكلمات المؤسسية المهنية والتصنيفات الأكاديمية تنتمي للأغصان. كما جديرٌ بالذكر أيضا أن مظاهر النهضة ببلاد الشام (نهاية القرن التاسع عشر) كانت الشعر والأدب؛ أي شكّلت اللغة والثقافة ‘ساق وجذور’ تلك النهضة، ثم أضافوا ما لذّ لهم أن يضيفوه. غيّب احتلال الانكليز والفرنسيين (نهاية الحرب العالمية الأولى) ‘الساق والجذور’ وركّز على الأغصان: على ‘نهضة’ مبنية على كتب وكلمات مترجمة، حيث أصبح من الصعب التحدُّث عن أنفسنا خارج مصطلحات مهنية وتصنيفات أكاديمية إذ أصبحت عقولنا وتعابيرنا أسيرة لها وأصبحت CV مربط خيولنا. اختفت اللغة الحيّة، لغة البيان والتبيين حيث نقول ما نعنيه ونعني ما نقوله، وأصبحنا نسخا عن آخرين كقول الخديوي إسماعيل حاكم مصر (1879): ‘إن بلدي لم تعد في إفريقيا، نحن الآن أصبحنا جزءا من أوروبا’. بعد ذلك ب 17 سنة (1896)، كتب شاب مقدسي، خليل السكاكيني، كتابا بعنوان ‘الاحتذاء بحذاء الغير’ كوَصْفٍ لحالنا نتيجة ما جلبته الجاليات الغربية لبلادنا. ما زلنا نحتذي أحذية الغير؛ الفرق الوحيد أن الأحذية الحديثة أصبحت أكبر ونضعها على رؤوسنا.

#Munir_fasheh  #منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر   #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 64: مطابخ الأفكار ومطابخ الطعام … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(3 تشرين أول / أكتوبر 2020)

إذا أردت أن تعرف حقيقة مطعم، لا تنظر إلى الأغصان أي إلى ترتيب المكان ونظافته والمأكولات التي تُقَدَّم  وحسن الخدمة وسرعة تقديمها، بل عليك الذهاب إلى المطبخ/ المنبع/ المصدر ومشاهدة ما يجري هناك. كما عليك التعرف فيما إذا كانت محتويات المأكولات مغذية أم مؤذية؛ أي تذهب إلى الجذور. كذلك الحال بالنسبة ل‘مطابخ’ الأفكار: لا تنظر إلى جمال وإخراج الكتب المقررة وأساليب التدريس ودقة التقييم وترتيب المقاعد بل إلى معرفة مصدر وتنوع معاني الكلمات (مثلا فيما إذا كانت ‘عضوية’ أي نابعة من الحياة والخبرات والأفعال ومرتبطة بسياق وتأمل واجتهاد.

#Munir_fasheh  #منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر   #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 63: العيش وفق العافية مقابل العيش وفق الاستهلاك … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(2 تشرين أول / أكتوبر 2020)

الفكرة الأساسية ب‘مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي’ التي أنشأتُها بأوج الانتفاضة الأولى (بداية 1989) هي خَلْق أجواء تعلمية. أول ما فعلتُه كان لقاءات مع شباب والطلب منهم أن يحفظوا سجلا بكل ما صرفته العائلة مدة شهر وكم مما اشتروه إما ليس لازما أو ضارا. كانت هناك حملة ضد شراء مصنوعات إسرائيلية في الانتفاضة، وبدلا منها شراء مصنوعات فلسطينية. كنت أقول للشباب: ما تفعلونه حيث تشجعون شراء مصنوعات فلسطينية هام، لكن الأهم هو التفكُّر فيما إذا كان عملكم ينتمي للعافية أم للاستهلاك. إذا كان مصدر ما تشترونه فلسطيني لكن ضار أو غير ضروري، ما الفائدة؟ هامٌّ أن نسأل أنفسنا كم مما نصرفه ليس ضروريا أو ضارا. ما خرج منهم كإجابات كان صاعقا لي ولهم. أقل شخص من الذين شاركوا وجد أن 70% مما اشترته عائلته إما غير لازم أو ضار. قلت: إذن هنا تكمن المشكلة وهنا يكمن الحل. مدى الهدر بحياتنا هائل، مما يعني أن مهمة رئيسية لنا كأشخاص وعائلات ومجتمع هو تغيير نمط حياة حيث نستغني عما يضر أو يؤذي واستعادة ما فيه عافية. في هذه الحالة استعملنا الرياضيات المدرسية بشكل يتوافق مع التعلم والعافية.

#Munir_fasheh  #منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر   #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية   #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 62: مرة أخرى … غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(1 تشرين أول / أكتوبر 2020)

عام 2016 اتصلَتْ معي مجلة يهودية بأمريكا لكتابة مقال حول الاحتلال. رأيتُ أن أحكي غير ما نسمعه عادة. حكيتُ قصة ‘ألفونصو العاشر’ الذي دخل مدينة طليطلة/ توليدو (باسبانيا) عام 1252 ليطرد المسلمين واليهود منها. رأى ما لم يتوقعه: مجتمع حيّ تكتنفه العافية والحيوية والعلاقات الطيبة والتناغم بين المسيحيين والمسلمين واليهود مما دعاه يغيّر رأيه فلم يطرد أحدا وأَطْلَق على نفسه ملك الأديان الثلاثة. عُرِفَ ب‘ألفونصو الحكيم’. وفعلا، حكم 30 سنة وكتب كتبا عن الحكم بحكمة. كتبتُ في ذلك المقال: يا ليت الحركة الصهيونية (التي نشأت نتيجة اضطهاد اليهود بأوروبا) اتبعت طريق ألفونصو بدلا من بريطانيا وفرنسا اللتين لم تعرفا سوى استعمار وبطش ونهب وقتل شعوب. قبل 1948 كانت المجتمعات العربية من العراق شرقا وحتى المغرب غربا أماكن آمنة تعج بأديان ومذاهب وثقافات متعددة بما في ذلك اليهود (هذا لا يعني لم يكن هناك عنصرية ضد بعض الفئات). الفلسطينيون لم يذهبوا إلى لبنان طوعا بل طردا وعنوة؛ وتفرقنا في شتى أنحاء المعمورة، وما زال التشتت صفة رئيسية تلاحقنا. زوجتي وابنيّ الاثنين لا يستطيعوا العيش معي بفلسطين؛ متزوج منذ 53 سنة. أُعيدَتْ مسرحية الاحتلال والطرد والقتل منذ 1948 في دولٍ عربية أخرى. وقت غزو ‘بوش’ للعراق عام 2003، كان هناك 70 كنيسة في بغداد وحدها. الآن توجد الكنائس لكن أهلها شُرِّدوا حول العالم؛ بينهم الآراميون الذين قطنوا العراق منذ بداية التاريخ. نتيجة الغزو الصليبي-الصهيوني رحلوا عن العراق؛ أغلبهم اليوم بالسويد. أعود لأذكّر: يجب أن نصبّ غضبنا على الداعسين على رقبة ‘جورج فلويد’ لا على المدعوسين. هذا ما ورثتُه من دين أمي الذي لم يكن مُكَوَّنًا من أبجدية بل كان في صلب روحها وأسلوب حياتها. كان بيتُنا بيتَ ودعاء لا عظماء، وكما قال السيد المسيح: طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض؛ وهم بحق سيرثون الأرض. غزة دُمِّرَت عدة مرات خلال العشرين سنة الماضية، ومواطن البدو بصحراء النقب دُمِّرَت عشرات المرات… إلى متى؟!

شخصيا، أعمل منذ أكثر من 40 عاما على حماية المدعوس عليهم فكريا (خاصة بمجال الرياضيات) الذين يُعْطَوْنَ حول العالم شهادات رسمية من أجهزة تعليم مرخّصة بأنهم راسبون/ فاشلون/ ساقطون دون خجل ودون شعور بالذنب! كما في مجال الدين كذلك في مجال الرياضيات، كانت أمي التي لم تعرف الأبجدية هي التي نبهتني لهذا (والذي كتبتُ عنه في خواطر سابقة).

#Munir_fasheh  #منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر   #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية #لبنان #بيروت #البطريرك_مار_بشارة_بطرس_الراعي #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 61: خارج دولة وطنية وخارج التنمية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(30 أيلول/ سبتمبر 2020)

أقول دوما، أشعر بأني محظوظ لأني عشت معظم حياتي خارج دولة وطنية وخارج التنمية وكان أهم معلم في حياتي أمي الأمية، مما سهّل عليّ العيش وفق إنسانية متعافية من إملاءات مؤسسية مهنية أكاديمية. عدم وجود دولة وطنية حمانا من دخول البنك الدولي ومنظمات دولية أخرى. جدير بالذكر أن ما لم تستطع إسرائيل عمله بعساكرها استطاع البنك الدولي عمله: تدمير إنسانيتنا الجميلة ذات الجذور.

 #Munir_fasheh # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 60: عالم أمي … جزء 5: التحرر من الأقفاص الفكرية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(29 أيلول/ سبتمبر 2020)

في هذه الخاطرة سأتكلم عن ‘إمبراطورين’ آخرين حجمتهما أمي. ألقى ‘لورنس سمرز’ رئيس جامعة هارفارد عام 2005 محاضرة حيث قال من الواضح أن النساء أقل ذكاء بالرياضيات والعلوم، والبرهان عدد النساء بجامعات النخبة اللواتي يدرّسن هذه المجالات. بعثتُ له إيميل أرفقت به مقالي عن رياضيات أمي الأمية (والذي نُشِرَ بمجلة في جامعته)، وذكرت أنه كأكاديمي من الصعب عليه كما يظهر أن يرى خارج أسوار الأكاديميا، وتحديتُه أن يجد بين أساتذة الرياضيات والهندسة المرموقين مَنْ يستطيع عمل ما كانت تعمله أمي. ذكرتُ أن معرفة الأكاديميين ترتبط بأبجدية ورموز ونظريات بينما معرفة أمي مرتبطة بعالم عصيٌّ أن تُدْرِكَه عقولٌ أبجدية قاصرة أن تعبر عنها.

أما الشخص الآخر فهو ‘باولو فريري’ حبيب قلبي وفكري، لكنه أمام أمي هو الآخر أخذ حجمه الحقيقي إذ اعتبر أن عدم القدرة على القراءة والكتابة يجعل الشخص ناقصا، هذا إلى جانب وَضْعِه سُلَّمًا لدرجات الوعي. عرفتُ وتحدثتُ مع فريري شخصيا، وحضرت معه مساقا ب‘كلية بوسطن’ صيف 1982. ذكرتُ له كيف أمي الأمية كانت تمتلك معارف بما في ذلك الرياضيات وأنها لم تكن ناقصة ولا يمكن وضع وعيها على سلّمه. هزّ رأسه ولم يقل شيئا. هذا لا يقلل مما قدّمه عبر أكثر من ربع قرن بمجال التعليم وما زال ملهما لملايين. دعوتُه لزيارة ‘بيرزيت’ (1986) لمدة شهر ورتبت الأمر مع د. برامكي لكن تأجّلت الزيارة بسبب وفاة زوجة فريري. في نهاية المطاف، لم تتم الزيارة لأن صحة فريري لم تسعفه.

 #Munir_fasheh # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 59: عالم أمي … جزء 4: ذكاء ميتافيزيقي وذكاء مرتبط بسياق وفِعْل … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(28 أيلول/ سبتمبر 2020)

في هذه الخاطرة سأذكر ثلاثة ‘أباطرة’ فكر حجّمتهم أمي في ذهني. أول مفكر غربي عشقته منذ المدرسة، واستمر حتى وعيتُ رياضيات أمي، هو ‘برتراند راسل’. عشقته بعلاقته بالمنطق وبمواقفه السياسية والاجتماعية، بما فيها القضية الفلسطينية. بعد وعيي لرياضيات أمي، تعجّبْتُ لأمرين: كيف لم ير رياضيات أناس حقيقيين كأمي، وكيف لم ير الخراب الذي سببته الرياضيات المهيمنة ودورَها في السيطرة والتمزيق.

ثاني نوع من أباطرة الفكر الذين أخذوا حجمهم الحقيقي هم ناشرو فيروس قياس الذكاء IQ المُسْتَعْمَل كسلاح للسيطرة على البشر، والذي وصل درجة مخزية عندما انبرى ‘علماء ذكاء’ وجامعات نخبة (بعد حصول السود على حق التصويت عام 1965) مثل آرثر جنسن بجامعة بيركلي (1968) الذي ‘برهن’ أن السود جينيا أقل ذكاء من البيض، ونشرت جامعة هارفارد بحثه (1969)! أما ‘الإمبراطور’ الثالث فهو ‘هوارد جاردنر’ صاحب نظرية الذكاءات المتعددة  الذي ذهبتُ عام 2002 إلى مكتبه (والذي يبعد مكتبه 5 دقائق مشي من مكتبي) وحكيت له عن ذكاء أمي كخلطة خاصة لا يمكن قياسها ولا تصنيفها ولا مقارنتها مع أحد، وكيف أن ذكاءها يكمن بأصابعها التي نسجت بين مكوناتٍ متعددة، كما ذكرتُ له عبارة الإمام علي كمصدر قيمة المرء، يتضمن احتراما وتعددية عكس المقاييس والتصنيفات السائدة. شكرني لحضوري واعتذر لأنه تأخر عن حصة!

 #Munir_fasheh # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 58: عالم أمي … جزء 3: عالم أمي حماني من سطوة أباطرة الفكر … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(27 أيلول/ سبتمبر 2020)

نتيجة وعيي لرياضيات أمي، بدأ عمالقة رياضيات ومنطق وتربية يأخذوا حجمهم الحقيقي بذهني. كانت أمي ركيزة رئيسية بحياتي حمتني من أوهام وخرافات حديثة. كانت أكبر داعم لي في مواجهتي لأباطرة فكر تعاملتُ معهم وكيف حجَّمَتْهُم في إدراكي لهم. أول قصة أود أن أذكرها كانت مع اللجنة المشرفة على رسالة الدكتوراه حيث تساءلوا حول أمرين: وَضْعُ أمي كمرجع معرفي، والأمر الثاني عدم وضوح المنهجية. كان ذلك عام 1984. بالنسبة للأمر الأول سأل أحدهم عما فعلَتْه له علاقة بالمعرفة. قلت: لا يمكن وضع معرفتها ضمن مفاهيم ونظريات مؤسسية كما لا يمكن التعبير عنها عبر لغة ورموز أكاديمية. أما بالنسبة للأمر الثاني المرتبط بالمنهجية (والذي ذكرته بخاطرة سابقة) فقلت: بل لا توجد منهجية؛ هي كلمة اخترعتوها على مقاسكم خدمت أغراضكم،لا أحتاج لها ولم أستعملها بحياتي. عندما نُشِر أول مقال عنها (Harvard Educational Review عام 1990)، 11 منظمة صهيونية ألغوا اشتراكهم. الأمر ليس سهلا عندما نسير ضد التيار، خاصة عندما نصطدم بالأصولية الأكاديمية إذ يتطلب الوضع عندها إلى جرأة ووضوح عاليين، أمّنًتْهُما لي أمي. أول خطوة جريئة بعد وعيي لها كان تصميمي مساقا لطلبة سنة أولى بكلية العلوم بجامعة بيرزيت (1979): ‘الرياضيات في الاتجاه الآخر’ بنَيْتُه على خبرتي في السبعينيات. كانت ‘بيرزيت’ لا تزال منفتحة ترحّب بما لا يصدر عن القبيلة الأورو-أمريكية. نتيجة وعيي لعالم أمي بدأت ادعاءات مبهرة تتهاوى وتتضح أنها أوهام وملهيات، وأنها عبارات ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة المعاشة. بدأ عمالقة في الفكر يأخذوا حجمهم الحقيقي بذهني، وبدأت تظهر مكان كل ذلك ‘الطبيعة الشافية’ التي تمثلت بحياة أمي. إيماني الراسخ – فكريا وعمليا – كان وما زال منذ 1967 خاصة منذ 1971 هو أن خلاص البشر يكمن بأفكار يمكن أن يسهم فيها كل شخص دون ورش عمل وتدريب.

 #Munir_fasheh  # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 57: عالم أمي … جزء 2: معرفة عبر الأبجدية ومعرفة عبر الأصابع … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(26 أيلول/ سبتمبر 2020)

إلى جانب معرفتها بالرياضيات، كانت أمي التي لم تعرف أبجدية ولا أرقام مدبرة لأمور البيت ومربية لنا أنا وأختَيَّ بطريقة لم أستطع أن أفعل مثلها مع أولادي رغم حصولي على دكتوراه بالتربية من جامعة تُعْتَبَر الأولى بالعالم! رغم كل الغنى بعالمها، يصفها ‘الخبراء’ بأمِّية جاهلة مهمشة تحتاج إلى تمكين. لا يرون ما تحسنه ولا الغنى الذي تجسّده بحياتها. معرفتها مرتبطة بالطبيعة الشافية التي تمثلت بحياتها. هي في الجوهر مصممة وفنانة. لم يكن مفهومها للتطابق كمفهومي حول تطابق مثلثات، بل كان تطابُقَ ملبس على جسم امرأة: دقة مرنة. دقة رياضياتي قاسية كالصخر. معرفتُها متداخلة متكاملة مرتبطة بسياق وفعل؛ انسجامٌ حيٌّ مستمر تعامَلَتْ معه كوحدة مترابطة، تماما كعلاقتها باللغة إذ لم تعِ أن الكلمات تتكوّن من حروف وأبجدية بل كانت كل كلمة بالنسبة لها بمثابة كائن حيٍّ كامل. لا يمكن قياس ذكائها عبر ‘فيروسات’ مثل IQ ولا عبر ‘ذكاءات متعددة’ كما صاغها ‘جاردنر’، ولا يمكن مقارنة ذكائها مع ذكاء إنسان آخر على خط عمودي.ذكاؤها خلطة خاصة بها. مثلٌ هنديٌّ يقول: ‘كل إنسان كامل بشكل فريد’. لهذا أجد عبارة الإمام علي ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ من أكثر الأقوال الملهمة الشافية لنا من فيروسات تدخل العقل والقلب والإدراك والعلاقات وتخرّبها؛ هي عبارة تجسّد كرامة ومساواة وتعددية ومسؤولية، كما تشفينا من مرض الشعور بفوقية ودونية. كانت تهضم معرفتها كما تهضم أكلها؛ فالاثنان لا يحدثا إلا داخل الشخص؛ تهضمهما فيصبحا جزءا عضويا منها. عدم وعيي لسنوات طويلة أن ما كانت تفعله رياضيات ما زال لغزا يحيرني. كيف كان ممكنا بسهولة السيطرة على عقلي حيث لم يستطع أن يرى ما تراه عينيّ؟ هذا يوضح دور الكلمات بإظهار شيء أو تغييبه. لم أره لأن أحدا لم يُشِرْ له برياضيات، إذ كان التركيز دوما على محو أميتها! عنوان ورقة قدّمْتُها باليونسكو عام 2002: كيف نمحو الأمية دون محو الأميين؟ برامج محو الأمية عادة تمحو معارف الناس وثقافاتهم وأنماط حياة مرتبطة بالطبيعة والحياة – خسارة كبيرة لا تُعَوَّض.

 #Munir_fasheh  # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية  #التعلم_خارج_المدرسة

رقم 56: عالم أمي … جزء ١: التحرر من خرافة أن رياضيات المدارس والجامعات عالمية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(25 أيلول/ سبتمبر 2020)

أكثر حدث بحياتي تجسَّد فيه التعلم كقدرة موجودة فينا بالخليقة (كالتنفس والهضم) كان وعيي عام 1976 (حين كنت بِقِمَّة عملي كأستاذ رياضيات بجامعتين وموجها مركزيا للرياضيات بالمدارس الفلسطينية) أن أمي التي لم تعرف أبجدية ولا أرقام كانت تمارس رياضيات لا أستطيع فهمها ولا عمل مثلها! عشت 35 سنة قبل أن ألاحظ أن ما كانت تفعله هو رياضيات رغم أني كنت أشاهدها يوميا أمام عينيّ! وعيي ذاك كان بمثابة زلزال بركاني على صعيد المعرفة والإدراك:زلزال لأنه خلخل قناعات ومعارف اكتسبتُها بجامعات، وبركان لأنه أَخْرَج حُمَمًا غنية كانت مغمورة تحت السطح. عندما تمعَّنْتُ فيما كانت تفعله، ذُهِلْت: كانت تتعامل عبر عَمَلِ ملابس للنساء مع أعقد أنواع الهندسة: أجسام النساء! تعامَلَتْ مع تلك الهندسة على مدى 50 عاما دون الحاجة لعلبة أدوات هندسية مدرسية (المتطلبة بالمدارس) ودون الحاجة لإقليدس وهندسته، ولا لديكارت وهندسته التحليلية، ولا للهندسة الفراغية، ولا لمنطق أرسطو و‘برتراند راسل’، رغم أنهم أوهمونا بالمدارس والجامعات أننا بحاجة لكل ذلك وأولئك. كل ما احتاجت له هو ‘متر’ أو شريط قياس. تساءلتُ: كيف كَوَّنَتْ معرفتها دون تدريس ومنهاج ونظريات وتقييم، ومارست رياضيات لا يستطيع أيٌّ من أباطرة الرياضيات فِعْلَه؟! السبب هو نفسه الذي يتقن فيه كل طفل لغة أهله بسن 3 أو 4 سنوات دون الحاجة لأيٍّ مما ذكرتُه: التعلُّم قدرة مقدسة موجودة فينا بالخليقة. لهذا أقترح فكّ الارتباط بين التعلم والتعليم، وتحرير التعلم من ‘شرطة’ معرفة يضغطون على العقول حيث لا تستطيع التنفس. لنستعمل ‘اكتساب’ بدل ‘تعلم’ لما ينتج عن تعليم نظامي. معرفة أمي لم تتكون من نظرية وتطبيق بل من خلطة ضمّت أصابعها وعينيها ومخيلتها وقطعة القماش وجسم المرأة؛ معرفة تختلف عن interdisciplinary فأمي لم تجمع بين disciplines بل كان ذكاؤها يكمن بأصابعها التي نسجت بين المكونات الأخرى. فَهِمَت الرياضيات بالجذور حيث ما احتاجت له كان متوفرا لديها. كانت تأتي امرأة صباحا بقطعة قماش، وتُخْبِر أمي عن الملبس الذي تريده. عند الظهر تصبح القطعة 20 إلى 30 قطعة متناثرة، موقع كل قطعة في الملبس واضح بمخيلة أمي. في اليوم التالي أو الذي يليه تلملم أمي القطع بكلٍّ جديد ينطبق على جسم المرأة عبر علاقة أفقية فيها وُدٌّ واحترام، وليس عبر لجنة تقيّم الملبس. عملُها فنٌّ حيّ نراه على جسدٍ حيّ.

 #Munir_fasheh  # منير_فاشه   #مجاورة   #خواطر  #الطبيعة_الشافية   #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل   #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية   #التعلم_خارج_المدرسة