رقم 45: التعلُّم فنّ العيش وجوهر الحياة … جوهر المجاورة جزء 3 … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(14 أيلول/ سبتمبر 2020)

التعلُّم فنّ العيش وجوهر الحياة. كما يقول ‘جون هولت’: “الطيور تطير والسمك يسبح والإنسان يتعلُّم”. تتكون المجاورة ضمن سياق وطبيعة وحضارة متنوعةِ الثقافات. من الصعب ذكر حضارة قبل الأوروبية لم تكن الحكمة جزءا أساسيا فيها. تمّ قبل ما يقارب من 400 سنة احتكار القبيلة الأوروبية لمعنى معرفة، والادعاء بأن مسارها أحاديٌّ عالمي على الجميع أن يسلكوه إذا أرادوا التقدم. نجَحَتْ أوروبا في سعيها ذاك من خلال وَضْع العقل على العرش وتغييب الحكمة. العقل قوة هائلة لكن دون حكمة كرفيقة له يمكن خداعُه بسهولة. لا أمل لاستمرار الحياة على الأرض دون استعادة الحكمة في حياتنا. لا يوجد بالمجاورة تقييم عمودي يكون الشخص فيه إما أعلى أو أدنى من غيره. كل شخص ‘خلطة’ فريدة لا تشبه أخرى؛ لا يمكن مقارنتهما على خط عمودي. مثلٌ هندي يقول: ‘كل إنسان كامل بشكلٍ فريد’. أجد قول الإمام علي ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ (بشتى معاني يحسن بالعربية: الإتقان والجمال والنفع والعطاء والاحترام) يشفينا من كثيرٍ من أوهام وخرافات المدنية المهيمنة.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 44: المجاورة طريق الأنبياء… جوهر المجاورة جزء 2 … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(13 أيلول/ سبتمبر 2020)

المجاورة طريق الأنبياء. المسيح الفلسطيني عاش  ضمن مجاورة مع تلاميذه؛ والنبي العربي عاش ضمن مجاورة مع صحابته. أول مجاورة يعيشها الطفل مع أمِّه ثم عائلته. العائلة المليئة بالعافية لا يمكن استبدالها بأي شيء – تماما كنبع ماء صافٍ لا يمكن استبداله بأي شيء. الأم النبع الصافي لعافية الطفل. النظريات الحديثة حول تربية الأطفال يجب أن نتعامل معها بحذر، إذ في أغلبها تنتمي للأغصان. حب ورعاية الأم لطفلها متوفران بالخليقة والفطرة. نستعمل ‘عافية’ بكثرة في بلاد الشام لكن لا نعيشها في حياتنا حاليا إذ غيّبها نمط الاستهلاك المهيمن عالميا.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 43: المجاورة الحاضنة الطبيعية للتعلم … جوهر المجاورة جزء 1 … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(12 أيلول/ سبتمبر 2020)

المجاورة هي الحاضنة الطبيعية للتعلم، واللبنة الأساسية ببُنْيَة المجتمع؛ هي رَحِم المجتمع تحميه وتغذّيه وتتغذى منه – تماما مثل رحم الأم الذي يحمي ويغذي الجنين حتى يقوى ويكون قادرا على العيش. فقداننا للمجاورات وضَعَنا في مهب الريح حيث نلجأ لمهنيين ينظرون إلى الحياة عبر مصطلحات وتصنيفات مؤسسية وأكاديمية لا تستمد معانيها من الحياة بل من خبراء همُّهم الرئيسي إقناع الناس أنهم بحاجة إلى مؤسسات في شتى نواحي الحياة، وأن الماضي متخلف وولّى زمانه. كذلك، المجاورة مثل خميرة لا تسعى لتغيير المجتمع بل تنتقل حيويتها إلى من وما حولها طبيعيا دون الحاجة لأحد ودون تخطيط وتنفيذ هرمي، تماما كدودة الأرض التي تُغذّي الجذور في الخفاء دون تخطيطٍ وتبجُّح وغرور وادعاءات. الدعوة لاستعادة المجاورة كمكون أساسي للمجتمع هي دعوة للعودة للعيش بحكمة وعافية ووفق ما هو متوفر. لا يوجد تدريس في المجاورة ولا مواد جاهزة؛ التركيز على التعلّم كقدرة عضوية موجودة فينا بالخليقة. 

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 42: جزء 5 – المجاورة مع النساء بحي النزهة – قصص وصور من المجاورة في مركز النزهة … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(11 أيلول/ سبتمبر 2020)

كان الحديث في أحد اللقاءات عن العافية والمناعة، وكان موسم الخبيزة. ذكرتُ أن الخبيزة تتوافق مع العافية والعيش بوفرة. إحدى النساء حكَتْ حكايتها مع الخبيزة بأنها كانت تطبخها بكل الطرق الممكنة، لكن زوجها لا يحب الخبيزة ولا يقترب منها. لاحظت أن زوجها يُقْبِل على بلع كبسولات يوصي بها الطبيب. صارت تنشف الخبيزة وتطحنها واشترت كبسولات فاضية وتعبأها ببودرة الخبيزة وتقدمها لزوجها. هي كانت سعيدة وزوجها كان سعيدا.

أم أخرى كان لديها صعوبة بالتعامل مع ابنها المراهق. حاولت كل الطرق، لم تفلح؛ لم يكن لديه استعداد لسماع أي نصائح وإرشاد – كان يشعر بإحباط ويأس. فكّرَتْ بأن تمشي معه إلى المدرسة كل صباح، فالمدرسة ليست بعيدة. على الطريق يتم تحادث ليس فيه وعظ وتوبيخ وإرشاد بل حول أي شيء يخطر ببالهم. بعد حوالي أسبوعين كانت العلاقة بينهما مليئة بعافية.

خلال خبرتي عبر عقود، أشعر بقوة أن الكثير مما نمرّ به يمكن أن يحله الأهالي بأنفسهم. هيمنة مؤسسات ومهنيين في العصر الحاضر سلبنا من هذه القدرة والحقيقة. المؤسسات كما وصفها مكسيكي يجب أن تكون مثل شجرة: نذهب لنستظل تحتها عندما نحتاج، لا أن تلحقنا وتلاحقنا وتوحي لنا وتحاول إقناعنا أننا معاقين لا نستطيع تدبير شؤوننا بأنفسنا.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 41: جزء 4 – المجاورة مع النساء بحي النزهة – التحادث جوهر الحياة وروح المجاورات … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(10 أيلول/ سبتمبر 2020)

في عالمٍ يركّز على أهمية القراءة والكتابة وعلى تواصُلٍ عبر أجهزة، ويهمل التحادث، نخسر أعمق فن بحياة البشر: التحادث وجها لوجه. كلمة ‘حديث’ بالعربية تجمع في معناها بين التفاعل الشفهي وما هو جديد مما يجعله إبداعا تلقائيا مستمرا. التحادث روح الحكايات والبيان؛ فيه مساواة وجمالية وتلقائية وحيوية وجدل أنسجة؛ علاقة وجدانية لا تهدف لإقناع الآخرين ولا التأثير عليهم ولا تصنيفهم. التحادث بأحلى تجلياته تعانقُ روحين يغذّي كلٌّ منهما الآخر؛ لا يسير وفق متتالية خطية منطقية بل وفق تدفُّق عفوي فطري وجداني. لا يمكن في التحادث التنبؤ كيف سينتهي. كل متجاور ينطق ويصغي دون تعصُّب، تجلى بمجاورة النزهة. النباتات حتى تنمو وتعطي ضروري نرويها؛ الحكايات حتى تنمو وتعطي ضروري نرويها. ساهمت المجاورة بتغذية العالم داخل كلٍّ منا وجدل نسيجٍ بيننا. حكاياتهن عصيّة أن تكون سِلَعًا بل احتفاءً بإنسانية تمتد جذورها بأعماق الحياة، بحُلْوِها ومُرِّها وفرحها وألمها. لم يَجِئْنَ لحافزٍ مادي أو كسب شهادة أو حافز خارجي. لم تشمل المجاورة وعودا بل انتعاشا للروح. لم نتكلم عن حرية الفكر والتعبير بل عن بيان وتبيين. الأول شعار استهلاكي على صعيد الأغصان، بينما الثاني بيانٌ يبين ما يختلج وينضج  في الجذور. يمكن أن يفكِّر شخصٌ ويتكلم ساعات بحرية دون أن يبيّن ما يختلج بداخله. الأطفال الذين يعيشون بعلاقة شفهية مع عشرات الأشخاص يوميا محظوظون، يتحدثون بطلاقة إبداعية مدهشة دون تلعثُم؛ مثالٌ رائع للتعلم كقدرة فطرية.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل  #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 40: جزء 3- المجاورة مع النساء بحي النزهة – معنى إنسانية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(9 أيلول/ سبتمبر 2020)

إلى جانب كلمة ‘أدب’ التي تكلمت عنها في الخاطرة السابقة، تكوَّن لديّ عبر إصغائي لهن معنًى للإنسانية، جسّدْنها خارج مفاهيم فضفاضة كما في الأكاديميا، وخارج إملاءات السوق ونمط الاستهلاك الذي يتعامل مع البشر والمعرفة والثقافة كسلع. جسّدن إنسانية فيها كرامة وأمل وإيمان وضيافة وصبر. ركّزن على انتباه كلٍّ منهنّ لعالمها الداخلي وعلاقته بالعالم حولهنّ. فَعَلْنَ ما يفعله الفلاح بحبوب القمح: ذَرَرْنَ حكاياتهن كما يذرّ الزارعُ القمحَ: ينقّيه في الريح؛ يأَخْذُ الحبوب بأطراف أصابعه وينثرها بالأَرْضِ لِتَنْبُتَ. هذا ما فعلته النساء في لقاءات المجاورة حيث ذَرَرْن حكاياتهن النابعة من أعماق قلوبهن عبر أطراف ألسنتهن وبذرنها بالحياة لتنبت، وأنبتت خيرا كثيرا، عليهم وعلينا.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 39: جزء ٢- المجاورة مع النساء بحي النزهة – معنى أدب … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(8 أيلول/ سبتمبر 2020)

في أحد اللقاءات، قلتُ لَهُنَّ: العلاقة بيننا وجدانية بالعمق. بينكنّ وجدتُ نفسي، وغذّيتُنّ روحي. إصغائي لقصصكنّ كوّن لديّ معنًى جديدًا للأدب. أنتنّ أديبات، جذور أدبكنّ تنبع من الحياة. أدبُكنّ بيانٌ يبيّن ما بداخلكن من إدراك ومعارف ومشاعر مفعمة بالإنسانية. لا أذكر خلال عَمَلِنا معا أن خَرَجَتْ منكنّ كلمة فيها زيف؛ تقُلْنَ ما تعنونه وتعنون ما تقلنه – صفة مغيّبة عادة من المؤسسات بما فيها التعليمية التي تركّز عادة على مصطلحات وتصنيفات رنانة. الحياة تنبض فيكُنّ. لغتكنّ لغة الأم، اللغة الحيّة التي تختلف جذريا عن ‘اللغة الأم’. أنتنّ أديبات وفق ما كتبه ‘الجاحظ’ قبل 1200 سنة في ‘البيان والتبيين’، عبر ثلاثة أقوال: الأول ‘اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلُّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العُجْب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذَر كما نعوذ بك من العيّ والحصر.’ القول الثاني: ‘بيانٌ لدى الشخص يبيّن المعاني القائمة في صدره والمتكونة في فكره. ما يُحْيي تلك المعاني، ذكرُهُ واستعمالُه لها مما يقرِّبُها من الفهم ويجلّيها للعقل ويجعل الخفي منها ظاهرا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان؛ اسمٌ جامعٌ لكل شيء كشف قناع المعنى. فبأي شيء بلغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان. من هنا، المعاني ليس لها حدود، بينما الألفاظ معدودة محدودة.’ القول الثالث: ‘ما يخرج من القلب يصل إلى القلب وما يخرج من اللسان يصل الآذان’. ذُهِلْتُ عندما لاحظتُ مدى توافق حكايات النساء مع أقوال الجاحظ مما جعلني أُدعوهنّ ‘أديبات’. فبيانُهُنّ (بكلمات الجاحظ) بيّنَ معاني قائمة في صدورهنّ ومتكونة في أفكارهن؛ خرجَت من القلب ووصلَت قلوب السامعين. لم تحتوِ أقوالهن وأعمالهن على فتنة ولم يكن فيها تكلّفٌ ولا إعجاب ولا سلاطة وهذر ولا عيّ وحصر. ما أحيى تلك المعاني ذكرُهُن لها مما قرّبها من الفهم وجلّاها للعقل وجعل الخفي منها ظاهرا. دلالاتهن الظاهرة على المعنى الخفي هو بيانهن الذي كشف قناع المعنى. فرغم أن ألفاظهن كانت معدودة محدودة، إلا أن معانيهن ليس لها حدود. باختصار، وِفْقَ أقوال الجاحظ هُنَّ أديبات. فالأدب مرتبط بصقلٍ وتهذيب مستمرَّيْن للتعبير والمعنى، ومرتبط بجَدْل أنسجة على صعيد الفكر والوجدان والروح والمجتمع. وهذا يتوافق مع قناعةٌ عَمِلْنا وِفْقَها: كل إنسان مصدر معنى ومعرفة وفهم – قدرة ذاتية وواجب وحق (مُغَيَّب بالطبع من الإعلانات العالمية للحقوق!). الشراكة في تكوين معنى مسؤولية كل إنسان، تعكس كرامة وتعددية ومساواة’ وتُجسِّد ديمقراطية المعنى وديمقراطية جدل نسيج مجتمعي عبر المجاورة. أدبُهُنّ يختلف عن أدب محمود درويش كما اختلفت رياضيات أمي عن رياضياتي. نوعان من الأدب والرياضيات لا يمكن مقارنتهما؛ ينتميان لعالمين مختلفين بالمعنى والمصدر والوسيط. ما ذكرتُه بأعلاه مهدت له نجوى وسميرة.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 38: جزء ١- المجاورة مع النساء بحي النزهة بعمان، كجزء من مشروع ´المجاورة على طريق العافية´ … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(7 أيلول/ سبتمبر 2020)

كانت أول مجاورة لي في المشروع مع ما يقارب من عشرين امرأة بمركز الأميرة بسمة بحي النزهة، استمرت أكثر من سنة ونصف قبل أن توقفها جائحة كورونا. كانت من أكثر (إن لم تكن أكثر) المواقع التي شعرت فيها أني عشتُ، مع مجموعة، تعلُّمًا لا علاقة له بتعليم وبيداغوجيا. مررنا بحالة تعلُّم وجدانية عميقة وَصَفَتْها النساء بالعنوان الذي اخْتَرْنَه للكتاب الذي سيجمع حكاياتهم: ‘حكايا الروح’. شعرتُ في لقاءاتنا بمشاعر إنسانية حية منعشة عميقة هي الأقرب في حياتي لما أشار له ´ابن سينا´ بالطبيعة الشافية. لم يكن فيها تدريس ولا مواد جاهزة ولا تقييم، ولم تكن ورشة عمل ولا برنامج تدريب حول جندرية وتمكين وتنمية ومساواة وحقوق وتعليم الكبار وتعليم شعبي، ولا عن جودة التعليم وتنمية مستدامة وفكر تنويري (نورُه ساطع يعمينا عن رؤية الواقع). حكيتُ حكايات وحَكَيْنَ حكايات. إحدى القصص التي حكيتُها في البداية سمعتُها من ‘أسعد عكة’ مدرّس الأحياء بكلية بيرزيت عام 1962 (حيث كنت أدرّس الفيزياء والرياضيات) كيف أن الصَدَفَة التي تبقى بمياهٍ راكدة لا يتكون فيها لؤلؤ، بينما التي تصطدم بهذه الصخرة وتلك وتدفعها المياه بكل الاتجاهات يتكون فيها لؤلؤ. كم يصدق هذا على البشر. الشخص الذي يبقى محميا من الحياة ولا يمر بمعاناة وظروف حقيقية بل بنشاطات مصنّعة مبرمجة لا يتكوّن ‘لؤلؤ’ بداخله. ربما يحصل على لآلئ يضعها حول عنقه لكن لا تتكون بداخله. قلت للنساء: ‘لم تَعِشْنَ حياةً راكدة بل صاخبة بخضمّ الحياة، مما لا شك أن داخل كلٍّ منكنّ لؤلؤة جاهزة للصقل والبيان. لقاءاتنا مكانٌ آمن لِتَصْقُلْنَها بصدق وعمق.’ هذا ما حصل. لم يكن الأمر هيّنا إذ كان صعب أن يشعرن بأن قصصهن ذات قيمة، لكن بعد فترة بدأت ‘الكنوز’ التي بدواخلهنّ تخرج عبر بياناتهنّ: تَعَلُّمٌ بأبهج حالاته، تلقائي لا مُخَطَّط. شعَرَتْ النساء في تلك الأجواء بحيوية وإيمان وأمان، وبدأت القصص تتدفّق. كان التحادث الفنّ الذي جدل النسيج بيننا، وأنعَشَ الروح والمحبة والعلاقات وروح الضيافة التي تجسّدت في أحلى حالاتها بضيافة أفكار تمثَّلَتْ بإصغاء شديد بعضُهُنَّ لبعض… التعلُّم في الجذور لا يبدأ بمواد جاهزة من ´خبراء´ بل بكنوز تملأ ذاكرتهم الشخصية والجمعية. الفكر الحديث ينطلق من أن ما لدى الناس ليست له قيمة وبالتالي يحتاجوا لمساعدة. سأحكي في الخواطر الثلاثة القادمة بعض ما تعلمتُه شخصيا عبر تلك المجاورة.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 37: من هو المثقف؟ … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(6 أيلول/ سبتمبر 2020)

مثقف من ثقف أي صقل وهذّب وجعله حادًا، عبر تأمل واجتهاد… المثقف بالنسبة لي هو من يرفض أن يكون ببغاء ونسخة عن آخرين أي يرفض أن يكون عبدا يردد ما يقوله آخرون. معنى “مثقّف” سؤال طرحته في لقاء في مقر “مسار” بالناصرة، جمع ما يقرب من مائة شخص: من هو المثقف في رأيك؟ عرض عدد من الحضور آراءهم حول الموضوع. عندما جاء دوري قلت: هو من يرفض أن يكون ببغاء يعيد ما سمعه أو قرأه. أي، ليس مقدار المعلومات والمعارف والشهادات والألقاب بل أن يكون أصيلا بمعنى أن ما يقوله نابع من التأمل في خبراته وفي الحياة ويجتهد في تكوين معنى لها وفق قيم الحكمة والعافية والتعددية. هذا المعنى مرتبط بفِعْل ثَقَفَ الذي يعني ثقف الرمح بمعنى جعله حادا، أكثر حدة. فالمثقف يعمل دوما على صقل معانيه وأفكاره وبيانه وفهمه وعلاقاته. هذا الإدراك للمثقف يتضمن بالضرورة احتراما للذات، وعدم وجود هرمية، وإدراك أن كل إنسان مصدر معنى وفهم. مَنْ يرفض أن يكون كالببغاء يكون بالضرورة مبدعا باستمرار ليس بالمعنى السوقي الاستهلاكي للكلمة بل بمعنى يتوافق مع الكرامة والتعددية والمساواة. المبدع في سوق الاستهلاك يخدم شركات ومن يسعون للسيطرة والكسب. بالمقابل، العيش بحكمة لا يحدث دون أن يكون الإبداع ملازما للشخص.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 36: القانون الانكليزي الذي حوّل الجوار إلى حوار، والتعددية إلى طائفية – باحة الأقصى … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(5 أيلول/ سبتمبر 2020)

جاء بمذكرات ‘واصف جوهرية’ عن القدس أن من أول القوانين التي وضعها الانكليز بعد احتلالهم لها (11/ 12/ 1917) كان تحديد أيام للمسلمين لدخول باحة الأقصى وأيام للمسيحيين وأيام لليهود – تحت الادعاء بتأمين حقوق الجميع! باحة الأقصى عبر مئات السنين كانت مباحة لكل من يرغب دخولها، دون وجود حراس، حيث يلتقي فيها الأهالي من مختلف الأديان والخلفيات يتجاورون ويتبادلون الأحاديث والحكايات ويجدلون أنسجة فيما بينهم على أصعدة شتى، وحيث أطفالهم يلعبون معا. قضى القانون بخبثٍ انكليزي معهود على التعددية وزَرَعَ الطائفية، كما حوّل المجاورة بين الأديان إلى محاورة. نادر جدا أن نسمع اليوم عن نشاط بعنوان ‘الجوار بين الأديان’ إذ أصبحنا نردد كالببغاء ما جلبته الجاليات الغربية ‘الحوار بين الأديان’، دون أن نلاحظ الفيروس الذي يعشش في هذا التحوُّل، مما يؤدي في كثير من الأحيان – عبر الاعتماد على الأبجدية في الحوار – إلى تمزيق النسيج المجتمعي الذي كان يُجْدَل يوميا في الساحة الوحيدة الواسعة داخل سور القدس القديمة، حيث توجد أشجار تظلل الجميع سواسية.

#منير_فاشه  #مجاورة #خواطر  #الطبيعة_الشافية  #احتلال_و_عودة  #العيش_بأمل #تعلم  #التعلم_قدرة_عضوي