عندما كان ‘تامر’ ابني بالصف الرابع قال لي: أجد المدرسة مملّة ولا أشعر براحة فيها. قلت: ماذا تقترح؟ قال: أريد أن أتركها. قلت لا مانع لدي، لكن البديل ليس أجهزة وما شابه. نذهب أول كل شهر إلى مكان يبيع كتبا وتختار عدة كتب. ثم أضفت، أي شيء تستعمل فيه أصابعك مستعد أن أُؤَمِّنُه لك. جاءني في اليوم التالي وقال: أريد عنزة أحلبها! كان شهر شباط/ فبراير ويشاهد الرعيان يوميا. لم أستطع التهرّب. تكلمت مع صديق (هشام الخطيب)، قال لنذهب غدا إلى الخليل. ذهبنا واشترينا عنزة حلوب، وعدنا إلى رام الله وحلبها تلك الليلة! لم يذهب ‘تامر’ إلى المدرسة مدة 3 سنوات، قرأ كتبا اختارها، لا كتبا مقررة، قادته فيما بعد إلى الاهتمام بما يدخل أمعدتنا من مأكولات مزورة سامة ببطء، وهذا كان شغفه وعمله لسنين، حيث أنشأ مطعما يقدم فيه مأكولات عضوية طازجة غير مطبوخة، ولا تحتوي على لحم. العلاقة بيننا علاقة صداقة جميلة حيويّة…
قبل حوالي مائة سنة، كان والدي بالصف الرابع بمدرسة الفرير بالقدس. في يوم، كان مشغولا بالدُرج أمامه. صاح به المدرّس ‘وقِّف يا حمار’. وقف أبي وقال: ‘حاضر يا تور’. صاح المدرس: ‘ماذا قلت؟’ ردّ أبي: ‘إذا كنت حمار، مدرّسي بكون تور’. حمل المدرّس العصا وسار نحو أبي. كان درج أبي قرب الباب؛ خرج ولم يعد. عمل بأشغال عدة، وانتهى بعملين رئيسيين: سائق تكسي وإنشاء بقّالة مع عمي في حي البقعة التحتا بالقدس (الحي الذي كنا نعيش فيه قبل جريمة التهجير عام 1948). كان شرط والدي لمشاركة عمي عدم بيع سجائر وكحول. حاول عمي أن يقنع أبي بغير ذلك، لكنه فشل. قال عمي: إذا ما اشتروه منا سيشتروه من غيرنا. قال أبي: لست على استعداد أن أضر الناس. اقترح عمي أن تكون له خزانة خارج المحل لبيع سجائر وكحول، وبالتالي لن يكون أبي شريكا في إيذاء الناس. قال أبي لعمي أنه لا يلف ويدور مع الله في إيمانه. رضخ عمي وأنشأوا البقالة معا. جدير بالذكر أن أبي رفض بيعها ليس لأن هناك قانوناً يحظر بيعها، وليس بسبب أبحاث علمية تؤكد ضررها، بل لأن إيمانه منعه من إيذاء الناس. وعيه كان ناتجا عن مشاهدة المدخنين وهم يسعلون، نتيجة التدخين. ذلك كان كافياً ليرى مدى أذاه. ممكن لو بقي أبي بالمدرسة ثم جامعة، لخسر أهم ما يميز الإنسان: أن يحكم ذاته ويعيش وفق أخلاق يؤمن بها.
صعبٌ عليّ أن أتحدث عن التعلم دون ذكر أول حدث بحياتي وضّح لي الفرق بين نوعين من التعلم: تعلُّم يحدث في جو حقيقي حيث ينطلق الشخص فيه من تفاعل وتأمّل وانتباه لما يمر به، واجتهادٍ في تكوين معانٍ نابعة من ذلك ومتوافقة معه؛ أما النوع الثاني فيرتبط بأقفاص وأوهام وينطلق من كلمات وتصنيفات يرى الحياة من خلالها بدلا من العكس. الحدث الذي أشير له كان انتزاعي في الرابعة أو الخامسة من العمر من بستان حقيقي حول بيتنا بالقدس (قبل التهجير عام 1948) حيث توجد أشجار ونباتات ودجاج وقطط وتربة وحجارة، كنت ألعب بحرية دون تقييم وتعليمات وأحكام، ووَضْعي ب‘صف بستان’ مدرسي يحمل اسم بستان لكنه فاقدٌ لروحه. نَقْلي من بستان حقيقي إلى بستان مُصَنَّع يلخّص خبرتي مع المؤسسات التعليمة طوال حياتي حتى الدكتوراه حيث في كل مرحلة انتقلت مما هو محسوس إلى ما هو ميتافيزيقي لا علاقة له بالحياة المعاشة. فرق بين ‘البستانين’ أنني في البستان الأول كنت خارج القفص (قفص الدجاج في البستان) بينما في الثاني كنت أنا في القفص محشورا عدة ساعات في اليوم بين 4 جدران على مدى 12 سنة – هي بمثابة حجر عقلي جسدي قلبي روحي وجداني! يوجد إدراكان رئيسيان للتعلم: إما شيء جاهز يعطيه شخص لآخر (وهو الإدراك السائد) أو شيء يفعله الشخص لنفسه (صقل وتحوّل مستمرين لنواحٍ كالمعنى والإدراك والتعامل).
كلمة ‘طالب’ لا علاقة لها بالواقع، وإذا ارتبطت بالواقع فتعني معظم الأحيان طالب شهادة تنفعه بعالم الاستهلاك. لم أكن طالبا بالمدرسة ولا بالجامعة. وفق الإعلان العالمي، ذهابي للمدرسة إلزامي بالقانون، تماما مثل الالتحاق بالجيش. في الحالتين، أنا مطلوبٌ لا طالبا. لم أطلب أي شيء وأنا بالمدرسة؛ كل شيء كان جاهزا. لم يسألني أحد: ماذا أنت شغوف بعمله؟ أو ترغب وتسعى لمعرفته؟ أو ماذا تبحث عنه في حياتك؟ وصفي ب‘طالب’ لم يُتَرْجَم إلى ممارستي لمعنى الكلمة! طالب ومعلم ومريد ومراد كلمات تنتمي لبيت الحكمة التي هي نقيض المستوطنات المعرفية (المدارس والجامعات). لا أذكر أني طلبت أن أُحْشَر بأقفاص مدة 12 سنة؛ أقفاص ليست فقط للجسم بل أيضا للعقل. هل من المعقول أن أطلب وأطالب بأن أقعد على مؤخرتي سنوات أتخرّج بعدها ببغاء أعيد ما سمعته دون دافع داخلي كذلك كان حالي أيضا في الجامعة – إذ هل معقول أن أطلب دراسة مساقات مثل:
Differential Equations, Introduction to Linear Algebra, Mathematical Statistics, Complex Variables, Discrete Mathematics, Topics in Algebra, Numerical Analysis, Theory of Numbers, Topology, Probability…
سواء بالمدرسة أو الجامعة كنت مطلوبا لأن أقرأ كتبا مقررة من مهنيين مرخصين يعملون بمؤسسات رسمية – لست طالبا بل مطلوبا ومُطالَبًا. الحق في التعليم هو حق مُلْزَمٌ به أنا ووالديّ (في حالة لم نرضخ، يحق لهم أن يعاقبونا). أكثر من مرة شعرت أني مظلوم – مطلوبٌ مني أن أذهب وأجلس بقفص مدة 12 سنة، كما أني مطالب بقراءة كتب مقررة لم أطالب بها ولم أرغبها هي أصلا ميتة بمعرفتها وعلاقتها بالحياة؛ لم أطلبها ولم أطالب بها. على الأقل كونوا صادقين: لا تدعوني طالبا بل مطلوبًا ومطالَبا! أُجْبَر على قراءة كتب ليس لها معنى في حياتي بل وتلهيني وتمنعني من قراءة كتب أدب وكتب بيان وتبيين وكتب حكايات. أنا مطلوب بقرار من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن أوضع في قفص مدة 12 سنة لا أستعمل فيها يدي ولا رجلي ولا أصابعي ولا أعرف الطبيعة سوى عبر تطبيق لنظريات أبجدية… ولا يُسْمَح لي بطرح أي سؤال يخرج عن المنهاج وإلا… أشعر بقوة لأن أصرخ: بعرض النبي، احموني من هذا الحق العالمي! لأتعرف على ذاتي وعلى ما أحسنه وما أبحث عنه في حياتي وأعرف ما هو الثابت في حياتي… لأتعرف على الطبيعة وعلى من وما حولي (كما كان لا يزال مسموحا به قبل 60 سنة في المدرسة التي درست فيها)، ولأقرأ كتبا فيها تهذيب للفكر وصقل للمعنى وجدل للنسيج مع آخرين وللتعرف على ما أحسنه وما أبحث عنه في حياتي وماذا يكوّن رجلي الثابتة في الحياة…
اليوم 31 آب/ أغسطس، اليوم الأخير من الشهر الأول لهذه الخواطر. سأتطرّق بخاطرة اليوم لسؤال أُسْأَلْ حوله باستمرار: ما هو مصدر قناعاتي ورؤيتي للأمور؟ أقول ما أقوله دومًا: يكمن السرّ في الخلطة؛ خلطة شَفَتْني من فيروسات عقلية وغذائية وقلبية وما يرتبط منها بالعلاقات على شتى الأصعدة عن طريق العودة إلى الأصول، بدءا بالطبيعة الشافية والأفق الحضاري حيث تجلّت الحكمة في جدْل نسيج بين حضارات وثقافات عديدة من الهند وأصفهان شرقا وحتى فاس وقرطبة غربا، كان أبرز مظاهرها بيت الحكمة ببغداد. بدأ تحرري بالعمق عبر انتزاعي من مصطلحات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية كأساس ومرجع لما أقوله وأفكّر به وأعمله. لم أشعر في حياتي بقدرة على توضيح رؤية وتكوين بيان كقدرتي بعد انتزاعي من هيمنة هذه المصطلحات. أشجع كل شخص أن يبدأ بالتعبير والتفكر والفعل في حياته خارج هذه المصطلحات (التي يمكن أن يكون لها ضرورة في أمور تقنية وأوضاع معينة، لكن ليس في الحياة). على الصعيد الشخصي، شملت الخلطة المسيح الفلسطيني والنبي العربي والإمام علي وكثير من حكماء وشعراء تلك الفترة وشملت في العصر الحديث كثيرا من الأدباء والشعراء والمربين العرب، كما شملت غاندي وماركس وإلّيتش والزباتيين (أهالي جنوب المكسيك الأصليين). لكن في العمق، كانت أمي (التي تعرف اللغة الحية دون أن تعرف الأبجدية؛ يُطْلَق عليها خطأ بأمية) هي التي انتزعتني من أوهام وخرافات وأمراض حديثة. كل هؤلاء كانوا مصدر عافيتي وقناعاتي. ذكرتُ كثيرا عن تفاصيل هذه الأمور بالخواطر الثلاثين حتى الآن التي وضعتها ‘ريف فاخوري’ بحلَّةٍ فنية جميلة كما ساهَمَتْ بصقل وإعادة النظر في كثير من الأفكار والتعابير التي بعثت بها إليها. لم يَتَسَنّ لي أن أعلّق على ما كتبه القراء، لكن الهدف الأساسي من هذه الخواطر هو ليس سجالا بل عرض أفكار مختلفة أو حتى متناقضة مع ما أطرحه. أكدتُ بمقدمة هذه الخواطر أن ما أقوله هو نتيجة تأمّل واجتهاد فيما مررت به، ولا أدّعي أنها حقائق أحادية عالمية.
عام 2010 عملتُ عبر ‘المركز النسوي’ بمخيم شعفاط مع معلمات وأمهات. كما عملتُ مع طالبات الصف السابع حيث بدأنا بفلاحة أرض في حديقة المدرسة من أجل زراعتها. ثم عملت مع 8 طالبات منهن رغبن في عمل شيء بالنسبة لوزنهن الذي لم تكنّ راضيات عنه. قلت: “لنلتقي أيام السبت من كل أسبوع، ولِتَقُم كل طالبة بتسجيل كل ما تأكله خلال الأسبوع الفائت وتشارك الأخريات بما أكلته وما تقرر ما ستغيره في الأسبوع الذي يليه. (إذا استهلكت 10 علب مشروبات غازية في الأسبوع مثلا، فربما تقرر أن تشرب فقط 6 في الأسبوع اللاحق، أو إذا أكلت 15 رغيف خبز، ربما تقرر تخفيض ذلك إلى 9 في الأسبوع التالي”… مثال رائع لمعنى مجاورة: الطالبات الثمانية بإرادة ذاتية رغبن في اللقاء؛ لم يكن ضمن المجاورة صواب وخطأ بشكل مطلق، ولا أجوبة جاهزة، كما لم تكن هناك تراتبية من أي نوع داخلها؛ كل طالبة حكمت ذاتها وقررت بذاتها ما تأكله وما ترغب في تغييره؛ لم يكن هناك تقييم، كل طالبة هي صاحبة الشأن في تنظيم حياتها أي مرجعية نفسها؛ لم تكن هناك حاجة لأن يكذبن؛ كان وجودهنّ معا حافزا لمتابعة العمل على تخفيض أوزانهن كما كانت تحدث أمور أضحكتهن، أي كنّ تستمتعن بالعمل الجمعي؛ لم تكن هناك سيطرة من أي نوع داخل المجاورة أو من خارجها؛ كنّ الوسيط والمرجع والمعيار… تنظيف أجسامنا وعقولنا ونفوسنا مما يمكن أن يؤذيها كالمأكولات المصنعة والكلمات المصنعة ومن مقاييس تضع البشر بعضُهم فوق بعض بحيث يدرك الشخص نفسه إما أنه أعلى أو أدنى من غيره (فيروس مخرب على الصعيد النفسي والاجتماعي). هذه هي العافية. في تموز 2017 ذهبت إلى المدرسة بالمخيم. شاهدت ما يسعد القلب والروح: حديقة مليئة بنباتات صالحة للأكل تقوم بها طالبات بالصفوف الابتدائية مع معلمتهم، كما شاهدتُ معلّقا عليه عبارة الإمام علي: ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’. عبارة يمكن أي طالبة أن تذكِّر بها أي شخص بالمدرسة يحاول أن ينعتها بفاشلة أو متخلفة أو راسبة…
عام 1949 أدخلني أهلي ب ‘الكلية الوطنية’، المدرسة التي أسسها ‘خليل أبو ريا’ (تلميذ السكاكيني) عام 1947 برام الله. أشعر أني محظوظ لأنهم لم يضعوني بمدرسة ‘نخبة’. التعلم الذي مررت به فيها عبر 8 سنوات فاق كثيرا في العمق مما حصلت عليه عبر الدراسة. التعلُّم فيها كان أهم من الدراسة. كان ‘أبو ريا’ مثلا (ولمدة 4 سنوات) يغلق المدرسة أيام السبت ويأخذنا مشيا على الأقدام طوال اليوم بجبال ووديان وقرى حول رام الله (كان السبت في ذلك الوقت برام الله يوما دراسيا). كان ‘أبو ريا’ يعتبر ذلك المشي جزءا من المنهاج. ما كنا نتعلمه (كميةً ونوعًا، والذي لا يمكن أن يتم عبر كتب مقررة وتدريس وتقييم) كان مذهلا: تعرُّف بعضِنا على بعض وعلى الطبيعة بما في ذلك الينابيع العديدة بفصل الربيع حيث كنا نشرب منها مباشرة، والتعرف على القرى وأهاليها. أدى ذلك إلى سُمْعَة سيئة بأن المدرسة غير جدية إذ إلى جانب إغلاق المدرسة أيام السبت، لم يكن أبو ريا يطلب ممن يتقدم ليلتحق بها شهادات المدرسة السابقة، والمنافسة كانت شبه معدومة. كانت أغلبية الناس تعتبر أن ما نفعله مضيعة للوقت فالمفروض بدلا من المشي، من الأجدى أن نكون جالسين على مقاعد ننظر إلى لَوْح! لم أفقد منذ ذلك الوقت (عمري الآن 79 سنة) حبي للمشي بالطبيعة. من أحلى ما أتذكره بتلك المشاوير أن كان يحدث أحيانا عندما ندخل قرية، يكون بمقهى بساحة البلد شخص يقرأ الجريدة بصوت عال وحوله أشخاص يستمعون ويعلقون ويختلفون ويضحكون. تلك كانت مجاورات جوهرها تعلم وجدل نسيج على أصعدة شتى ومتعة مفقودة في القراءة الصامتة. كانت تلك اللقاءات مليئة بالحيوية والتعددية في النظرة لما يحدث. عندما أتذكر ذلك أشعر بروعة التحادث والنطق والإصغاء. القراءة الصامتة التي نمارسها بغرف مغلقة تفتقر لكثير مما شاهدتُ بتلك الحلقات. نحتاج أحيانا إلى قراءة صامتة، لكن إذا كان ذلك لمدة ساعات باليوم وعدة دقائق فقط للتحادث، فذلك خسارة لأعمق فن بين البشر. لم نكن عبر المشي مقسمين حسب العمر كما بالصفوف؛ كان الكل يتحدث مع الكل عبر لغة حية لا علاقة لها بمصطلحات وتصنيفات. كنا نمشي أغلب الوقت بالوعر، والذي بطبيعته يجمع بين حرية عميقة وانتباهٍ الشديد للواقع؛ حيث ننظر قبل كل خطوة أين نضع أقدامنا حتى لا نتعثر. كان كلٌّ منا يتعلم دون تخطيط بل كتجسيدٍ للتعلم كقدرة فطرية تحدث كالتنفس طوال الوقت. كانت تلك المشاوير ولائم فكرية ثقافية اجتماعية روحية جغرافية يختار فيها كل شخص ما طاب له من الطبيعة والأحاديث وليس وفق برنامج معين. تصوروا لو هذا لا يزال يُمارَس بمدارسنا، حيث يتعرف بعضنا على بعض عبر جدل أنسجة بيننا ومع الطبيعة لا عبر تنافس على رموز مريضة. كذلك، كان ‘أبو ريا’ يختار طلبة من خلفيات مختلفة بالصف الواحد. تخرّجتُ مع 6 من رام الله والباقين من قرى حولها واثنان من مادبا. (أسَّسَ رام الله شيخ إحدى عشائر الكرك راشد الحدادين قرر الجلو عن موطنه بسبب خلافات عشائرية بالقرن 16.) كان كل سنة يأخذنا جولة 3 أيام. ما زلت أذكر جولة لشرق الأردن حيث نمنا ليلة بمدرسة عجلون والثانية على شط العقبة.
لم يعد الوضع يتحمل الميوعة والترهُّل والكسل على صعيد الذهن والجسد والإدراك والتعبير حيث نستهلك ونعيد كالببغاء ما يأتينا جاهزا معلبا من مصانع معرفة ومأكولات وترفيه وتواصل. يكمن التحدي الرئيسي باستعادة الفَلاحَ والفِلاحَة والثقافة الحيّة وحكم ذاتنا بالنسبة لما يدخل أمعدتنا وعقولنا وقلوبنا وعلاقاتنا وإدراكنا وروحنا. يرتبط هذا التحدي بممارسة مسؤوليتنا لحمايتنا مما يمزقنا ويخرّب داخلنا وحولنا. يتطلب هذا بالضرورة انتزاع أنفسنا، قدر الإمكان، مما هو جاهز على شتى الأصعدة. ذكرتُ في أكثر من خاطرة أن المستنقع الذي غطسنا فيه منذ أكثر من مائة عام تمثَّل بإلهائنا بما هو بين الأغصان ونسيان ما بالجذور بما في ذلك إيهامنا بأن القبيلة الغربية هي الطريق والحل. قبل احتلال الفرنسيين والانكليز لبلاد الشام (1917) تمثَّلَت النهضة بأدب وفكر مرتبطين بالحضارة والثقافات المتعددة لدينا. كتاب ‘أحمد فارس الشدياق’ “الساق على الساق” (عام 1855) عن سيرة حياته مثالٌ رائع لأدبٍ جامعٍ لمكونات الحياة نفتقر لمثله حاليا. كذلك بالنسبة للكثير من أدباء وشعراء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بالمنطقة. ثم جاء التعليم المدرسي والأكاديمي (وبعده التنمية) وأقنعونا بأننا متخلفين مما أدى إلى قبول كل ما يُقدَّم إلينا. الكتب المقررة غيّبت كتبا فيها بيان وتبيين. كلمة خدمة ومساعدة كانتا الفيروس الذي خدعنا، إذ سلبتا مقوماتنا وما نستطيع فِعْلَه بأنفسنا، ابتداء بالفكر حيث تمّ حجرُنا بصفوفٍ ساعات يوميا على مدى سنوات. لم يكن الحجر كما هو الآن للجسد فقط بل أيضا للعقل والقلب والروح حيث ابتعَدْنا عن الطبيعة الشافية والثقافات الحية. العالم على مفترق طرق مرعب بشكل غير مسبوق: إما دمار شامل أو استعادة الحكمة في الحياة. ما يحدث حول العالم يتطلب جرأة وجدّية لدى البشر لتفادي كارثة تشمل البشرية. نعيش واقعًا مرعبًا بينما يتم حجر العقول عبر التعليم عن بُعْد حيث يصبح إنهاء المناهج الشغل الشاغل للمدارس والجامعات! عندما يعني التعلُّم إنهاء المنهاج، قُلْ على الناس السلام. نتعامل مع المنهاج بمثابة إله نعبده ونسير وفق إملاءاته مهما كانت الظروف آمين! كأننا بالتعليم نعيش على كوكب لا علاقة له بما يجري على الأرض. كوكبنا جاهز للانفجار بينما نستمر بكلمات دعاية كتميُّز وجودة التعليم والحق في التعليم وإنجازات وهمية لا علاقة لها بالحياة تتنافس مؤسسات التعليم لتكون الأولى في السباق على طريق الاستهلاك. آن الأوان أن نصحو، ونشفى من الفكر الأحادي العالمي الذي هو، لا الأديان، مصدر الأصولية الحديثة المهيمنة. ماذا يمكن أن نفعل؟ هذا ما يجب أن يكون همّنا الأكبر ومضمون أحاديثنا وأفعالنا.
“تعلَّم لِتُغَيِّر العالم”: شعارٌ ترفعه مؤسسات عديدة مرموقة حول العالم؛ مثل المثالين بأعلاه: جامعة هارفارد ومدارس والدورف. أتساءل في هذه الخاطرة عما يعنيه الشعار عمليا. أرجو ممن لديه توضيح أن يبعث به إلينا، فنحن شغوفون لمعرفة ذلك.
البشر أذكياء جدا بحيث لا أمل لنا بالبقاء دون حكمة. العقل غير محصّن بيولوجيا كالمعدة. إذا دخل المعدةَ سمومٌ قوية تتقيّأ، فالمَعِدَة مُعَدَّة بيولوجيا لحماية نفسها وصاحبها. العقل يفتقر لمثل هذه الحصانة مهما كانت قوة السموم، مما حثّ البشر عبر العصور على توليف حكمة كرفيقة للعقل. المدنية التي مزَّقَت العلاقة بين الحكمة والعقل كانت المدنية الأوروبية الحديثة حيث وَضَعَتْ العقل على العرش وسجنت الحكمة. العقل قوة هائلة بالإنسان يستطيع عمل الكثير (كما حصل عبر القرون الأربعة الماضية) لكنه قاصر عن تحديد الطريق السليم الذي يسلكه دون حكمة. معظم ما نعيشه حاليا من أزمات وتخريب ودمار نابعٌ مما أنتَجَتْهُ عقولٌ تفتقر للحكمة. مثالٌ صارخٌ على هذا في بلاد الشام هو سيفون المياه: اختراعٌ علميٌّ مدهش لكن يفتقر للحكمة حيث المياه شحيحة، إذ يسلبنا الماءَ والفضلات والتربة ويلوث البيئة – كل ذلك ليظهر المرحاض نظيفا! ألا توجد طرق أخرى؟ طبعا توجد لكنها لا تدرّ ربحا لأحد، لذا مغيّبة. يستهلك السيفون معدّل 40% من المياه المستعملة بالبيوت، مما يجعله اختراعا كارثيا سنعيش عواقبه بالمستقبل غير البعيد. من أهم ما يميز العيش بحكمة النظر بالعواقب. لا نرى عواقب السيفون لأن عقولنا الحديثة تنبهر بمكاسب نجنيها بين الأغصان دون النظر لما يحدث بالجذور.