رقم 15: مصدر، لعله الأهم، في العيش بأمل … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(15 آب/ أغسطس 2020)

تعلُّم خارج تربة ثقافية وتربة أرضية هو كطَيْر بلا جناحين. التعلم الوحيد الذي لا يرتبط بالضرورة بهاتين التربتين هو اكتساب معلومات ومهارات آلية ومعارف تقنية؛ اكتسابٌ يبقى بين الأغصان بأفضل الأحوال. لا أعني بالتربة الثقافية كسلع لها سعر بسوق الاستهلاك، بل ما يُدْخِل البهجة بالفكر والقلب والروح والوجدان والعلاقات. هذا ما فعله السود بأمريكا على مدى مائتي سنة من العبودية؛ كان ملاذهم وسر بقائهم وحيويتهم، حيث كانوا عندما يجتمعوا (بالبيوت والشوارع والكنائس) يحتفلوا بعضُهم مع بعض، ويغنوا ويأكلوا ويضحكوا ويلعبوا مع أطفالهم. وجودهم مع بعض كان مصدر عافيتهم وقدرتهم على الاستمرار رغم الاضطهاد الشنيع الذي يعيشوه يوميا. وأعني بالتربة الأرضية ما يغذي عافية الجسم. تصوروا لو بدلا من زجّ أنوف الطلبة في مواعين الكتب المقررة (المسمّى بالتعليم عن بعد) تحولت الأشهر الخمسة الفائتة إلى مجاورات فنية أدبية ثقافية معرفية روحية وجدانية زراعية؛ لو حدث هذا على الصعيد العربي بثقافاته المتنوعة الحيّة لأضافَ أبعادا غيّبَتْها المستوطنات المعرفية (مدارس وجامعات تحكمها قيم الفوز والسيطرة)، ولكانت المنطقة اليوم تعجّ بحيوية وأمل ولانتعشت العقول والقلوب والعلاقات والروح والوجدان. ما يشار له ببعض المدارس بفن وثقافة هي عادة بمثابة مهارات ومواضيع وليس تربة. التربة الثقافية تنشأ في تفاعل الناس بعضهم مع بعض ومع الطبيعة والحضارة بكل تنوعها. ما يعيق هذا الأمر أننا عبر مئة سنة على الأقل كنا ببغاوات نعيد ما يأتينا ’معلّبا ‘بكتب مقررة وأكاديمية تَرَكَّز سعيُنا فيها أن نكون نسخا واهية عن أصلٍ مخرِّب. لماذا نسمح لآخرين أن يعرّفونا؟ أسوأ ما يمكن أن يحدث لشخص أن يقبل بأن يُعَرَّف من مهنيين ومؤسسات ومقاييس. بقاؤنا يتطلّب انتزاع أنفسنا من الميوعة المعرفية واستعادة مقوماتنا وما فيه وفرة. كل مجتمع بدون استثناء له مقوماته وما يحتاجه. أي إضافات بعد ذلك، فليكن. تصوروا لو ملايين احتضنوا التربتين كغذاء ضمن مجاورات مكونة من مريدين ومرادين! هذا ما بدأنا به ب52 مركز بمؤسسة جُهُد بالأردن قبل الجائحة على مدى سنة ونصف. الثقافة والطبيعة الشافية هما مقوماتنا الأساسية – والباقي إضافة ضروري أن نستعملها بحكمة.

#منير_فاشه #مجاورة  #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة  #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 14: حول الأمل – أسطورة بندورا الفلسطينية … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(14 آب/ أغسطس 2020)

هذه الخاطرة هي عن النساء الذين عملتُ معهنّ بمخيم ‘شعفاط’. أود هنا أن أذكر دور الأمل في حياتهن. سأحكي قصة ‘صندوق بندورا’ – بطريقتي الخاصة وعلاقتها بنساء شعفاط – وليس كما جاءت في الأسطورة. ظروف مخيم شعفاط لعله الأسوأ بين المخيمات الفلسطينية التي زرتها بلبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. ما يجعلها الأسوأ تراكُمُ عدة أمور: كونُها داخل حدود القدس مما يجعل اقتحام الجيش لها بكثافة كبيرة؛ كما أن قربها من القدس يجعل دخول المخدرات لها سهلا؛ بعد تسليم منطقة ‘بيرنبالا’ والقرى حولها للسلطة الفلسطينية انتقل عدد كبير من هذه القرى إلى مخيم شعفاط للحفاظ على هوية القدس مما جعل عدد سكان المخيم إلى ضعفين أو أكثر بينما بقيت المساحة والخدمات كما هي؛ هذا إلى جانب نواحٍ أخرى كثيرة مثل “زوجٍ بالفراش” بسبب التعذيب أو ابن مستشهد وآخر معتقل… قدرة الأمهات على بقاء الأمل حيًّا والمحبة حية والعلاقات بينهن حية ضمن الظروف السائدة هي قدرة بمثابة أعجوبة بشرية. كنتُ أقول لهنّ دوما: أنتن أعجوبة الحياة، والعمود الفقري للشعب الفلسطيني؛ بدونكن سينكسر ظهر هذا الشعب. تَقُمْنَ بما هم ضروري كل يوم دون يوم راحة بالسنة بما لا يمكن لخمسة من حملة شهادات عالية (في التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والإدارة والمالية) القيام به. ذكرتُ لهن قصة صندوق بندورا على طريقتي الخاصة النابعة من حياتهنّ [يمكن أن نشير لها بأسطورة بندورا الفلسطينية] حيث كلٌّ منهن آخر النهار تسمح لكل شرور اليوم بالخروج من الصندوق، وعندما يهمّ الأمل بالخروج تغلق الصندوق، إذ يشكّل الرفيق الأهم في حياتها باليوم التالي.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة #جريمة_بيروت #تعلم #التعلم_قدرة_عضوية

رقم 13: خاطرة مُسْتَلهَمة من الجريمة في بيروت (2)… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(13 آب/ أغسطس 2020)

مدير مؤسسة ‘المينونايت’ بالقدس (1989) استمع لي بأحد اللقاءات وبعد اللقاء دعاني لزيارته في مكتبه عندما تسنح الفرصة. عندما التقيت معه كان همُّه الرئيسي أن يعرف مصدر الأمل الذي شعر فيه بكلامي. قلت له (بالانكليزية إذ لا يعرف العربية):

“my hope stems from the fact that people are incredible and unpredictable; they come up with unbelievable acts, without planning, to do what needs to be done and which they can do in order to relieve a person or more from pain or injury…”

بالعربية: “مصدر الأمل لديّ يكمن في أن الناس لا يمكن أن نتنبأ، ولا أن نصدّق، ما يمكن أن يفعلوه عفويا وتلقائيا وبدافع ذاتي دون تخطيط بل بشعور إنساني يتعلق بخلاص شخص أو أكثر.” صَمَتَ المدير، ثم قال: “ما قلتَه لن أنساه في حياتي. هذه حقيقة مغيبة ضروري أن نتذكرها باستمرار.”

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 12: خاطرة مُسْتَلهَمة من الجريمة في بيروت (1)… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(12 آب/ أغسطس 2020)

أود ذكرَ ما يلي بالنسبة للجريمة التي وقعت ببيروت: لو غطى دخان الانفجار القمر، بعض الناس سيلومون القمر حيث يصبح المتهم الرئيسي بالقضية! رأينا الدمار بكل بشاعته لكن علينا أيضا أن نرى ما هو كامن فينا من إنسانية لا تموت.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة #جريمة_بيروت

رقم 11: قصة اختراع التعليم النظامي الجزء الثالث… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(11 آب/ أغسطس 2020)

عام 1892عُيِّن عشرة أشخاص لِوَضْع قائمة بالمواد المدرسية في الولايات المتحدة، عُرِفوا ب‘لجنة العشرة’[6 رؤساء جامعات و3 مدراء مدارس ومسئول عن التعليم بواشنطن – ليس بينهم أُمّ ولا مزارع ولا فنان ولا شخص يتصف بالحكمة، وليس لأي منهم علاقة بالحياة والجذور، كل ما عرفوه في حياتهم هو مؤسسات تعليمية]. قررت اللجنة المواد المدرسية الحالية المشرذَمة والمشرذِمة للمعرفة والحياة. ما اقترحوه لا يكوّن صورة بالذهن ولا علاقة له بالحياة وبنوه وفق قناعات كان أسوأها برأيي أن المعرفة لا علاقة لها بسياق ولا فعل ولا ثقافة ولا قيم ولا مجتمع. نعيد المواد بالمدارس كالببغاء وكأنها معرفة نافعة. تصوّروا لو كانت العافية هي البوصلة للرؤية التي حكمت أفكارهم وأفعالهم! لكن هذا غير ممكن ببلدٍ تحكمه قيم السيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال، لكنه ممكن عندنا لو لم نكن مخدّرين، ولا يزال ممكنا إذا خرجنا من حالة التخدير. ما هو شكل ومضمون المعرفة وفق العيش بعافية؟ استعادة الحكمة مثلا عن طريق تَمَحْوُر المعرفة حول حقيقة أن الإنسان يتغذى من ثلاثة أنواع من التربة: تربة أرضية-طبيعية، تربة ثقافية-معرفية-روحية، تربة مجتمعية-اقتصادية – والتي تتوافق جميعا بالضرورة مع العيش وفق الوفرة لا الندرة التي تحكم عالم الاستهلاك. تصوروا لو كانت أنواع التربة هذه مضمون منهاج السنوات الثمانية الأولى بالمدارس حيث تدخل المواد المألوفة في المنهاج بشكل متكامل متداخل بدلا من مواد منفصلة. مكوِّنٌ جوهري في التربة الثقافية هو الحضارة العربية التي تكونت بوجود ثقافات عديدة متنوعة غنية. تشكل اللغة العربية بجماليتها ومنطقها وغناها والحكمة في ثناياها بوتقة المعرفة بدلا من مادة دراسية منفصلة عن المواد الأخرى والحياة. يصبح الأدب بشتى أشكاله ومعانيه هو بيان المعرفة كأساس. المعرفة التقنية يمكن أن تضاف دون أن تسلبنا ما فيه عافية. تصورا لو خلال المائة سنة الفائتة كانت الطبيعة والثقافات المتعددة هي بوتقة المعرفة والبيان الذي يبيّن ما يختلج داخل العقول والقلوب والنفوس، لكان وضعُنا مليئا بالعافية والحيوية على صعيد الجذور. تحويل اللغة العربية إلى مادة دراسية شكّل المستنقع الفكري الذي وقعنا فيه كأمة. لذا، من بين ما علينا فِعْلَه هو العودة للُغَةِ الأم، لغة الحياة والشعر والأدب والتحادث والحكايات ولغة القرآن؛ إلى اللّغة الحية كأساس. وكما ذكرتُ بخواطر سابقة، لغة الأم هي نقيض اللغة الأم (رغم تشابه الحروف). لنتوقّف عن أن نكون ببغاوات ونسخا عن آخرين.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة #قصة_التعليم_النظامي

رقم 10: قصة اختراع التعليم النظامي الجزء الثاني… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(10 آب/ أغسطس 2020)

تكلمت في الخاطرة السابقة عن جذور فكرة التعليم النظامي والشخصين اللذين صمماها. في هذه الخاطرة سأحكي عن انتقال هذا الفيروس إلى بلادنا… أرسلت الحكومة البريطانية ‘ثوماس ماكولي’ ليضع إستراتيجية حول كيف يمكن للانكليز حكم ملايين الهنود. قدَّمّ ‘ماكولي’ اقتراحه يوم 2 شباط/ فبراير 1835 والذي جاء فيه (أضعه بكلماته الأصلية):

“I have conversed both here and at home with men distinguished by their proficiency in the Eastern tongues. I am quite ready to take the Oriental learning at the valuation of the Orientalists themselves. I have never found one among them who could deny that a single shelf of a good European library was worth the whole native literature of India and Arabia. The intrinsic superiority of the Western literature is, indeed, fully admitted by those members of the Committee who support the Oriental plan of education [in India]… We must at present do our best to form a class who may be interpreters between us and the millions whom we govern; a class of persons, Indian in blood and colour, but English in taste, in opinions, in morals, and in intellect… We have to educate [them]…”. From Thomas Macaulay, “Minute of 2 February 1835 on Indian Education, by G. M. Young (Cambridge MA: Harvard University Press, 1957), pp-721-24.

باختصار، تشمل إستراتيجية ماكولي عدة مكونات: (1) إقناع الهنود بأنهم متخلفون (احتقار الذات) [في قوله مثلا ‘رفّ واحد بمكتبة أوروبية جيدة تفوق قيمتُه كل ما كُتِبَ من آداب باللغة الهندية والعربية’!]؛ (2) إقناعهم بأن المدنية الانكليزية طريق الخلاص (احتكار الحلّ)؛ (3) الانكليز على استعداد لمساعدة الهنود للسير على طريق أوروبا (شكّلت ‘المساعدة’ على مرّ السنين أداة أساسية للسيطرة الأوروبية على العالم)؛ (4) على الانكليز إنشاء طبقة وسطاء بينهم وبين الذين سيحكموهم؛ طبقة من أشخاص، هنود بدمهم ولونهم، لكن انكليز بأذواقهم وآرائهم وأخلاقهم وعقولهم – وذلك عبر التعليم! أي الأداة الرئيسية في إستراتيجيته لحُكْم الهند هي التعليم النظامي! استعمل الانكليز هذه الإستراتيجية في شتى البلدان التي احتلوها بما في ذلك بلادنا عبر أشخاص، عرب بدمهم ولونهم، لكن انكليز بأذواقهم وأفكارهم وأخلاقهم وعقولهم’، كنتُ أحدهم حتى حرب 1967، إذ ساهمتُ بقولبة عقول الطلبة الذين درّستهم بمدارس وجامعات، وقمت بذلك خاصة بمادة الرياضيات، بإخلاص ونيّةٍ حسنة، عبر خداعي وتخديري من خلال إستراتيجية احتقار-احتكار-مساعدة-خلق طبقة.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة #قصة_التعليم_النظامي

رقم 9: قصة اختراع التعليم النظامي الجزء الأول… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(9 آب/ أغسطس 2020)

ثلاثة أسابيع بعد موافقة ‘إيزابيلا’ ملكة اسبانيا (عام 1492) على دعم ‘كلمبس’ في رحلته للسيطرة على أراضٍ بعيدة، ذهب إليها ‘نبريها’ Antonia de Nebrija منبِّهاً أن من الصعب سيطرتها على أراضٍ بعيدة قبل السيطرة على عقول رعيتها. سألته: وكيف تقترح ذلك؟ أخبَرَها أن أخطر ما يحدث (في زمانه) هو أن الناس يقرؤون ما يحلو لهم من كتب ومن الضروري إيقافهم من المضيّ في هذا الطريق، وأضاف أنه عمل 25 سنة لتكوين لغة (خلطة من لغات حيّة متداولة باسبانيا) على الملكة أن تُدرّسها للأطفال بمملكتها، يتعلموها وفق كتابين ألّفهما (قاموس وقواعد) ويتمّ ذلك عبر أشخاصٍ يُوَظَّفون لذلك. رغم أن الفكرة لا تبدو غريبة لنا الآن إلا أنها لم تكن مقبولة لدى ‘إيزابيلا’ رغم شغفها بالسيطرة إذ رأت فيها احتقارا للناس وتخريبا للكلام فرفضت طلبه.

بعد 150 سنة (حوالي 1650)، صمّم ‘كومينيوس’ John Amos Comenius (من مورافيا، ‘التشيك’ حاليا) أداة لفرض فكرة شبيهة بفكرة نبريها والتي نطلق عليها الآن التعليم النظامي. لهذا يشار لكومينيوس ب‘أبو التعليم الحديث’. كانت الظروف مهيأة أكثر لتلقُّف ما طرحه كومينيوس وتمّ تطبيقه في فرنسا ثم إنكلترة والسويد. شملت هذه الظروف نشوء ‘دول قومية nation states’ وفكرة مواطنين ضروري أن يطيعوا تعليمات السلطة بباريس. وجدت هذه الدول في فكرة كومينيوس مبتغاها. تجمّعت ثورة صناعية وإنشاء دولة قومية وبدء تراكم رأس المال مما تطلّب إيجاد أداة للسيطرة على عقول الناس وإدراكهم وسلوكهم وعلاقاتهم. بعد السيطرة على عقول شعوب أوروبا انتقلت إلى مناطق أخرى كمنطقتنا بعد حوالي 200 سنة. لعل احتلال لغة رسمية مصنعة محل لغات حيّة أنجح فكرة عبر التاريخ وأكثرها تخريبا للحياة على صعيد الجذور؛ هي بمثابة ‘حصان طروادة’ على صعيد الفكر إذ نجحت في هزيمة الشعوب من الداخل، بدءا بالشعوب الأوروبية، ثم انتقلت عبر جاليات واستعمار إلى شتى أنحاء العالم. غزو لغة مصنعة محل لغات حية يمثّل جذور التخريب الذي نشهده في مجالات شتى في الحياة؛ احتلالٌ حوّل المعرفة والإنسان إلى سلعٍ يحدِّد السوق قيمتهما. احتلال شعب لآخر ليس جديدا، واحتلال لغة أجنبية محل لغة محلية ليس جديدا. ما هو جديد بفكرة ‘نبريها’ وفكرة ‘كومينيوس’ واللتين تَمَثَّلَتا عندنا باحتلال لغة تستعمل حروفا عربية لكن معانيها ومرجعيتها مستمدة من القبيلة الأورو-أمريكية محل لغة تنبع معانيها من الحياة والحضارة والتحادث والتأمل والاجتهاد. يُمكن تلخيص هذا باحتلال ‘اللغة الأم’ محل ‘لغة الأم’. عندما زرت اسبانيا قبل 15 سنة، سألت عما إذا ‘نبريها’ معروف حاليا. دُهِشْتُ عندما قالوا أن له اعتبار كبير جدا باسبانيا. اللغات الحيّة التي استقى منها اللغة المصنّعة. من هذا المنطلق، وضعُنا أفضل، إذ لغاتُهُم الحية اندثرت، بينما بالنسبة لنا رغم تخريبهم للغة الحيّة عبر لغة المؤسسات والكتب المقررة، إلا أن بإمكاننا العودة إلى كتب ومصادر (كالقرآن وكتب حية أخرى كأدب وحكمة) نرى عبرها العالم خارج الفكر المؤسسي، مثل ما فعلتُ بالنسبة لقيمة المرء: فقيمة المرء ما يحسنه وليس رقما لا معنى له.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 8: لغتان لا واحدة 3… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(8 آب/ أغسطس 2020)

لغتان لا واحدة الجزء الثالث

لفهم احتلال اللغة الأم محل لغة الأم (قبل 4 قرون) [سأحكي بخاطرة قادمة تارخ نشوئه] يمكننا النظر لما حدث للمأكولات منذ 100 عام حين بدأ احتلال مأكولات مصنعة تحتاج لشركات ومهنيين وخبراء محل مأكولات لا تحتاج لأيٍّ من هذه الأمور، وتولّد ذاتها وتستمد قيمتها الغذائية من تربة حية سليمة. أسهل أن نفهم ما حدث على صعيد الأكل، غذاء الجسم، مما حدث على صعيد اللغة، غذاء العقل. يعي أغلب الناس حاليا التخريب على صعيد مأكولات مزيفة مليئة بما هو ضار تحتل محل مأكولات تنمو ضمن تربة سليمة مليئة بما هو مغذي للجسم. لكن تخريب العقول (الذي هو أقدم بكثير) قلائل هم الذين يعونه ويحسون به. احتلال لغة مصنّعة محل لغات حية تنمو ضمن تربة مجتمعية ثقافية غنية متنوعة يمثّل الفيروس الأعمق والأكثر تخريبا للحياة. بعبارة أخرى، وعي التخريب نتيجة مأكولات مصنعة لا يوازيه وعيُ التخريب نتيجة لغات مصنعة. دور قلب الأم في تغذية التربة المجتمعية-العاطفية-الثقافية لنمو الطفل دورٌ هائل. دور دودة الأرض (ذات الخمسة قلوب) في تغذية التربة الأرضية دورٌ هائل. حماية التربتين مسؤولية لعلها الأهم. المدنية المهيمنة تسعى بكل قوتها لتخريب التربتين.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 7: لغتان لا واحدة 2… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(7 آب/ أغسطس 2020)

لغتان لا واحدة الجزء الثاني

كما ذكرتُ في الخاطرة السابقة، عشتُ لغتين: لغة لا تحتاج إلى تدريس، نتعلمها كأطفال كقدرة عضوية، لغة الحياة والتحادث والأهل والحي، كما نتعلمها عبر كتبٍ هي بيان يبيّن ما يختلج وينضج بالعقول والصدور وتشمل حكايات وأدب. أما اللغة الأخرى التي عشتها فتحتاج إلى تدريس وسيطرة وخداع وإلهاء وتقييم، لا تكوّن صورا بالذهن ولا فَهْمًا بالفكر، لغة الكتب المقررة أكبر مثال لها. بعبارة أخرى، عشت لغة مؤسسية ولغة حيّة؛ لغة مؤذية مشوّهة ملهية ترتبط بسلطة وسيطرة وفوز ومراكز قوة، ولغة مغذية للعقل والقلب والروح والعلاقات وترتبط بالعيش بحكمة وعافية. اللغة الأولى تنتمي للأغصان بينما الثانية للجذور. أمثلة أخرى: التعليم ينتمي للأغصان، التعلم ينتمي للجذور؛ مواطنون للأغصان، أهالي للجذور؛ العلوم للأغصان، الحكمة للجذور؛ المحاورة للأغصان، المجاورة للجذور؛ بحث كرديف research للأغصان، بحث كرديف search للجذور؛ منهجية ودراسات للأغصان، تأمل واجتهاد للجذور؛ اللغة الأم للأغصان، لغة الأم للجذور؛ الملاهي للأغصان، اللعب للجذور. لا يعني أن يقبل القارئ ما أقوله هنا بل عليه أن يتفكر ويتأمل بحياته ويكوّن إدراكه وفق ذلك.

عشت العقود الثلاثة الأولى من حياتي دون أن أنتبه أني أعيش لغتين. بدأ تحرري من ذلك الوهم نتيجة حرب 1967. عام 1971 بدأ تحرري من اللغة المصنعة وعودتي للغة النابعة من الحياة والتأمل والاجتهاد؛ عودة كان أول مظهر لانتزاعي من الاحتلال المعرفي عبر تكويني مع بعض الأصدقاء حركة العمل التطوعي بالضفة الغربية التي استمرت على مدى عشر سنوات، استعدتُ عبرها دور الأرجل والأيدي والأصابع في التعلم والتعرف على مجتمعات ذات جذور بالحياة، حيث كنا كل يوم جمعة وأحد نمشي إلى قرية أو مخيم أو حي في مدينة ونعمل مع الأهالي.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 6: لغتان لا واحدة ,1 ’لغة الأم‘ و’اللغة الأم‘… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

٦ لغتان لا لغة واحدة ١ خواطر الطبيعة الشافية

(6 آب/ أغسطس 2020)

لغتان لا واحدة  الجزء الأول

 ’لغة الأم‘ و’اللغة الأم‘… أخطر احتلال والأكثر خُبْثًا وخفاءً، وهو الأقدم زمانًا، هو احتلال ’اللغة الأم‘ محل ’لغة الأم‘. تتمثّل ’اللغة الأم‘ بلغة الكتب المقررة والكلمات المؤسسية والمصطلحات المهنية والتصنيفات الأكاديمية؛ لغة المؤتمرات والمنظمات الدولية، ولغة الدولة القومية. بالمقابل ’لغة الأم‘ هي اللغة الحية الأولى التي يتعلمها الطفل، ولغة التحادث والشعر والحكايات والأدب والقرآن الكريم. اللغتان، رغم تشابُه الحروف، تمثلان عالمين مختلفين جذريا. حصل هذا الاحتلال قبل حوالي 400 سنة نتيجة تصميم وتخطيط وتنفيذ [سأحكي بخاطرة قادمة تارخ نشوئه]، وكوّن أهم ركن بالدول القومية الناشئة بأوروبا (فرنسا وانكلتره والسويد ثم دول أوروبية أخرى، ثم انتقل إلى بلداننا عبر جاليات واستعمار). مزّق هذا الاحتلال النسيج الثقافي الفكري الاجتماعي الغني المتعدد وأصبحنا نَتَعاطَ مع ’لغة بلاستيكية‘ مخدِّرة: اللغة الأم، التي توحي بإيجابية لكنها بالجذور كانت وما زالت فيروسا رئيسيا في غزو العقول والسيطرة عليها واستلاب مناعتها؛ فيروس بمثابة حصان طروادة يهزمنا من الداخل. لو بقيت ضمن حدودها (بمعنى أنها بقيت ترتبط بنواح مثل أجهزة ولم تقتحم الحياة الحية) لا ضيم في ذلك، لكنها اقتحمت الحياة وغيَّبت اللغات الحيّة. لم يستعمل العرب عبر تاريخهم تعبير ’اللغة الأم‘ قبل غزو الغرب لنا. أقرب تعبير استعملوه هو أمهات الكتب. ‘اللغة الأم’ لغة حروفها عربية لكن معانيها ومرجعيتها مؤسسات وأكاديميو وخبراء القبيلة الأورو-أمريكية. [أستعمل ’قبيلة‘ لحماية الأجيال الصغيرة والمستقبلية من خرافة أن معارف وعلوم القبيلة المهيمنة أحادية عالمية.] اللغة العربية الحيّة – البيان والتبيين – مغيّبة كليا من الكتب المقررة والأكاديمية. أمثلة لكلمات شائعة تستعملها ’اللغة الأم‘: نجاح رسوب تقدُّم تخلُّف ذكاء تنمية منافسة تميُّز تفوُّق إبداع ‘مجتمعات معرفة’ ’هجرة عقول‘ ’عصف ذهني‘ ’تغذية راجعة‘ ’تنمية مستدامة‘ ’تعليم نظامي‘ ’تعليم عالي‘ ’تمكين المرأة‘ ’تعليم الكبار‘ – جميعها نما ضمن عالم الاستهلاك الذي تحكمه لغة الدعاية وقيم السيطرة والفوز. تشمل الكلمات الحيّة: محبة كرامة ضيافة تقوى أمل حكمة إيمان احترام مثنى عافية مجاورة. حتى تعرف شخصيا الفرق بين اللغتين، حاول أن تكتب صفحة عن حياتك دون استعمال أي كلمة مؤسسية/ مصطلح  مهني/ تصنيف أكاديمي. صعب جدا. ستجد كم نحن بعيدين عن أنفسنا ومعرفة ذاتنا وعن لغات حية تستمد معانيها من الحياة.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة