رقم 7: لغتان لا واحدة 2… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(7 آب/ أغسطس 2020)

لغتان لا واحدة الجزء الثاني

كما ذكرتُ في الخاطرة السابقة، عشتُ لغتين: لغة لا تحتاج إلى تدريس، نتعلمها كأطفال كقدرة عضوية، لغة الحياة والتحادث والأهل والحي، كما نتعلمها عبر كتبٍ هي بيان يبيّن ما يختلج وينضج بالعقول والصدور وتشمل حكايات وأدب. أما اللغة الأخرى التي عشتها فتحتاج إلى تدريس وسيطرة وخداع وإلهاء وتقييم، لا تكوّن صورا بالذهن ولا فَهْمًا بالفكر، لغة الكتب المقررة أكبر مثال لها. بعبارة أخرى، عشت لغة مؤسسية ولغة حيّة؛ لغة مؤذية مشوّهة ملهية ترتبط بسلطة وسيطرة وفوز ومراكز قوة، ولغة مغذية للعقل والقلب والروح والعلاقات وترتبط بالعيش بحكمة وعافية. اللغة الأولى تنتمي للأغصان بينما الثانية للجذور. أمثلة أخرى: التعليم ينتمي للأغصان، التعلم ينتمي للجذور؛ مواطنون للأغصان، أهالي للجذور؛ العلوم للأغصان، الحكمة للجذور؛ المحاورة للأغصان، المجاورة للجذور؛ بحث كرديف research للأغصان، بحث كرديف search للجذور؛ منهجية ودراسات للأغصان، تأمل واجتهاد للجذور؛ اللغة الأم للأغصان، لغة الأم للجذور؛ الملاهي للأغصان، اللعب للجذور. لا يعني أن يقبل القارئ ما أقوله هنا بل عليه أن يتفكر ويتأمل بحياته ويكوّن إدراكه وفق ذلك.

عشت العقود الثلاثة الأولى من حياتي دون أن أنتبه أني أعيش لغتين. بدأ تحرري من ذلك الوهم نتيجة حرب 1967. عام 1971 بدأ تحرري من اللغة المصنعة وعودتي للغة النابعة من الحياة والتأمل والاجتهاد؛ عودة كان أول مظهر لانتزاعي من الاحتلال المعرفي عبر تكويني مع بعض الأصدقاء حركة العمل التطوعي بالضفة الغربية التي استمرت على مدى عشر سنوات، استعدتُ عبرها دور الأرجل والأيدي والأصابع في التعلم والتعرف على مجتمعات ذات جذور بالحياة، حيث كنا كل يوم جمعة وأحد نمشي إلى قرية أو مخيم أو حي في مدينة ونعمل مع الأهالي.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 6: لغتان لا واحدة ,1 ’لغة الأم‘ و’اللغة الأم‘… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

٦ لغتان لا لغة واحدة ١ خواطر الطبيعة الشافية

(6 آب/ أغسطس 2020)

لغتان لا واحدة  الجزء الأول

 ’لغة الأم‘ و’اللغة الأم‘… أخطر احتلال والأكثر خُبْثًا وخفاءً، وهو الأقدم زمانًا، هو احتلال ’اللغة الأم‘ محل ’لغة الأم‘. تتمثّل ’اللغة الأم‘ بلغة الكتب المقررة والكلمات المؤسسية والمصطلحات المهنية والتصنيفات الأكاديمية؛ لغة المؤتمرات والمنظمات الدولية، ولغة الدولة القومية. بالمقابل ’لغة الأم‘ هي اللغة الحية الأولى التي يتعلمها الطفل، ولغة التحادث والشعر والحكايات والأدب والقرآن الكريم. اللغتان، رغم تشابُه الحروف، تمثلان عالمين مختلفين جذريا. حصل هذا الاحتلال قبل حوالي 400 سنة نتيجة تصميم وتخطيط وتنفيذ [سأحكي بخاطرة قادمة تارخ نشوئه]، وكوّن أهم ركن بالدول القومية الناشئة بأوروبا (فرنسا وانكلتره والسويد ثم دول أوروبية أخرى، ثم انتقل إلى بلداننا عبر جاليات واستعمار). مزّق هذا الاحتلال النسيج الثقافي الفكري الاجتماعي الغني المتعدد وأصبحنا نَتَعاطَ مع ’لغة بلاستيكية‘ مخدِّرة: اللغة الأم، التي توحي بإيجابية لكنها بالجذور كانت وما زالت فيروسا رئيسيا في غزو العقول والسيطرة عليها واستلاب مناعتها؛ فيروس بمثابة حصان طروادة يهزمنا من الداخل. لو بقيت ضمن حدودها (بمعنى أنها بقيت ترتبط بنواح مثل أجهزة ولم تقتحم الحياة الحية) لا ضيم في ذلك، لكنها اقتحمت الحياة وغيَّبت اللغات الحيّة. لم يستعمل العرب عبر تاريخهم تعبير ’اللغة الأم‘ قبل غزو الغرب لنا. أقرب تعبير استعملوه هو أمهات الكتب. ‘اللغة الأم’ لغة حروفها عربية لكن معانيها ومرجعيتها مؤسسات وأكاديميو وخبراء القبيلة الأورو-أمريكية. [أستعمل ’قبيلة‘ لحماية الأجيال الصغيرة والمستقبلية من خرافة أن معارف وعلوم القبيلة المهيمنة أحادية عالمية.] اللغة العربية الحيّة – البيان والتبيين – مغيّبة كليا من الكتب المقررة والأكاديمية. أمثلة لكلمات شائعة تستعملها ’اللغة الأم‘: نجاح رسوب تقدُّم تخلُّف ذكاء تنمية منافسة تميُّز تفوُّق إبداع ‘مجتمعات معرفة’ ’هجرة عقول‘ ’عصف ذهني‘ ’تغذية راجعة‘ ’تنمية مستدامة‘ ’تعليم نظامي‘ ’تعليم عالي‘ ’تمكين المرأة‘ ’تعليم الكبار‘ – جميعها نما ضمن عالم الاستهلاك الذي تحكمه لغة الدعاية وقيم السيطرة والفوز. تشمل الكلمات الحيّة: محبة كرامة ضيافة تقوى أمل حكمة إيمان احترام مثنى عافية مجاورة. حتى تعرف شخصيا الفرق بين اللغتين، حاول أن تكتب صفحة عن حياتك دون استعمال أي كلمة مؤسسية/ مصطلح  مهني/ تصنيف أكاديمي. صعب جدا. ستجد كم نحن بعيدين عن أنفسنا ومعرفة ذاتنا وعن لغات حية تستمد معانيها من الحياة.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 5: التعلم في الجذور، مشاهدة وملاحظة حركة القمر مدة شهر كمثال… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(5 آب/ أغسطس 2020)

من أهم الأقوال التي قرأتها، قولٌ للرومي: “لربما أنك تبحث بين الأغصان عما لا يظهر إلا في الجذور”. ضروري أن نسأل دوما فيما إذا ما نقوله ونفكر فيه ونفعله ينتمي للأغصان أم للجذور. فيما يلي سأذكر مثالا يعكس التعلم في الجذور، جامعا أبعاد عدة تنظر إلى الحياة ليس كمواد دراسية مشرذمة ولا معلومات ومهارات ونظريات جاهزة بل تنطلق من مفهوم العلم في عز روحه. مثال يمكن استعماله أينما كنا، ومناسب لشتى الأعمار، وكان بالإمكان استعماله وقت الحجر، على الأقل كإضافة للتدريس عبر شاشات، كما يمكن استعماله خلال العطلة الحالية، ألا وهو مشاهدة كل شخص حركة القمر مدة شهر ويكتب ملاحظاته عنها؛ ومن ثم يتحادثوا عبر مجاورات فيما بينهم حول ملاحظاتهم. سيعيشون بهذه الطريقة عدة أبعاد جوهرية في الحياة والمعرفة: معنى علم وتعلُّم في الجذور؛ وأن خطوة أساسية في التعلم هي المشاهدة والملاحظة كنقطة بداية وليس نظريات ومفاهيم؛ وأن العلوم والمعارف تنطلق من العلاقة مع الطبيعة كأساس ومرجع ومعيار؛ وأن التدريس والتقييم والمنافسة والبيداغوجيا معيقة في هذه المرحلة، وتأتي لاحقا عند الحاجة لها؛ وأن وجودهم وتفاعلهم وتحادثهم وتبادلهم ما لاحظوه هو وعي أن التعلم على الصعيد الشخصي لا يكتمل إلا إذا كان في نفس الوقت تعلما على الصعيد الجمعي؛ وأن تكوين معنى ومعرفة وفَهْم يتطلب صبرا وتأملا واجتهادا وجهدا؛ وأن التعلم هو كالتنفس والهضم يحدث داخل الشخص؛ وأن العلم بالأساس هو التعرف على الطبيعة للعيش وفقها لا لقهرها وإخضاعها وخلخلة أسسها (كتعريف ’فرانسيس بيكن‘ له). في نفس الوقت، يشكل القمر بُعْدًا مركزيا في العالم الإسلامي، فهو أساس التقويم وعلاقته بالأعياد جوهرية. فملاحظة حركة القمر وتسجيل تفاصيل الحركة (مثل وقت ومكان البروز…) وشكله وحجمه… كذلك، يعيش الطلبة أهمية المجاورة في التعلم وتكوين معرفة، والتحرر من تراتبية، ومن الشعور بفوقية ودونية، ومن منافسة دنيئة. الخلل في التعليم لا يكمن في التلقين بل أعمق من ذلك بكثير: استعمال اللغة الأم المصنعة كوسيط، وتغييب التعلم كقدرة عضوية  والتعامل معه كأنه ينتج عن التعليم النظامي.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 4: حول الكتب المقررة … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

حول الكتب المقررة … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية لمنير فاشه

(4 آب/ أغسطس 2020)

عندما وُوجِهَ العرب أول مرة بتعبير textbooks ، لا شك أنهم وقعوا بحيرة: كتب نصوص؟! تعبيرٌ ضحل، فالكتب تشمل نصوصا بطبيعتها؛ تعبيرٌ لا وجود له رديف بالعربية. تفكروا بالموضوع واختاروا ما رأوه أقرب ما يمكن لحقيقة هذه الكتب فأسموها: كتب مقررة. كتابة أسماء مؤلفين على الغلاف يغطي ويغيّب مَن قررها. ملاحظتان في هذا المقام. الأولى: هل سمع أحدكم عن شخص ذهب إلى وزارة تربية وتعليم ليشتري كتبا مقررة لأنه يجد فيها متعة أو فائدة؟ لا أعتقد. الملاحظة الثانية: لدينا منذ 1200 سنة كلمتان – البيان والتبيين – عنوان كتاب الجاحظ. لا يوجد تفسير واحد (سوى حالة تخدير عميقة) لجعل العرب يتبنّوا textbooks ويهملوا كتبا هي في جوهرها بيان وتبيين. لا يوجد كتاب مقرر ولا حتى جملة واحدة فيه تجسد بيانا وتبيينا! وضّح الجاحظ عنوان كتابه بهذه الكلمات: “بيانٌ لدى الشخص يبيّن المعاني القائمة في صدره والمتكونة في فكره. ما يُحْيي تلك المعاني، ذكرُهُ واستعمالُه لها مما يقرِّبُها من الفهم ويجلّيها للعقل ويجعل الخفي منها ظاهرا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان؛ اسمٌ جامعٌ لكل شيء كشف قناع المعنى. فبأي شيء بلغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان. من هنا، المعاني ليس لها حدود، بينما الألفاظ معدودة محدودة”…

تصوروا لو كانت الكتب بالمدارس بيانا وتبيينا بدلا من اللغة البلاستيكية السائدة. صعبٌ علينا، كما يظهر، أن نستعيد هذه الرؤية للكتب لأن عقولنا تجفّ عبر 12 سنة نمر بها دون إرواء. الكتب المقررة المصنعة بالنسبة للعقل تشبه المأكولات والمشروبات السريعة المصنعة بالنسبة للمعدة؛ كلاهما يوحي بفائدة لكن فعليا يضر أكثر مما ينفع. جدير بالذكر أن العرب لاحظوا العلاقة بين ما يغذي الجسم وما يغذي العقل إذ قالوا: نروي حكايات ونروي نباتات. نادر إيجاد حكايات مروية بالكتب المقررة، أو نباتات مروية بحديقة. التكنولوجيا أداة يمكن أن تضيف نواحي بحياتنا لكنها إذا سَلَبَتْ ما هو موجود فينا بالخليقة، ضروري عندها أن نسأل عما نخسره، وأيضا فيما إذا كنا نحوم بين الأغصان أم نغوص في الجذور.

ما أودّ قوله باختصار: ويلٌ لأمة تعتمد على كتب مقررة كمصدر معرفتها.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 3: حشو الأدمغة والعقول … خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

(3 آب/ أغسطس 2020)

رفع حكيمٌ نايًا أمام جمْعٍ من الناس ببغداد قبل ألف سنة وحشاه بقِطَع قماش وحاول العزف. لم يخرج صوت أو خرج مشوشا. أخرَجَ قطع القماش وعزف، خرجت أنغام جميلة. قال: هذا ما يحدث للعقل عندما نحشوه بمعلومات ومعارف كثيرة، يفقد قدرته على تكوين معنى وفهم. إلى جانب هذا، يتناقض الحشو مع حقيقة أن الحياة أخذ وعطاء. العطاء المسموح به في المؤسسات التعليمية هو الأجوبة في الامتحانات وهو عطاء ليس من الذات بل عطاء مثل عطاء الببغاء، يعيد ما يسمعه. في التعليم نعيد ما نسمعه أو نقرأه. المناهج حول العالم حشوٌ يمنع الفهم، كما يمنع العطاء بمعنى بيان يبيّن ما بداخل الشخص. علينا تشجيع الطلبة أن يبدؤوا بقصصهم وخبراتهم والمعاني التي كونوها من خلال تأملاتهم والفهم الذي تبلور لديهم. حشو الأدمغة بحجة أن هناك كمًّا هائلا من المعارف على الطلبة معرفتها، تشبه الحجة أن هناك كمّا هائلا من الأطعمة الجاهزة علينا حشو أمعدة الأطفال بها! حشو العقل يؤدي إلى تخمة يفقد معها الطفل القدرة على الفهم وتكوين معنى، هذا إلى جانب أن معظم المأكولات الجاهزة والمعارف الجاهزة ليست مغذية.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

رقم 𝟭: ’التعليم عن بعد ‘ و’التعلم عن بعد ‘… خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

الخاطرة رقم 1 (1 آب/ أغسطس) 2020 – ’التعليم عن بعد‘ و’التعلم عن بعد‘

ما أود الحديث عنه بهذه الخاطرة (و خواطر أولى أخرى) أمور ذات علاقة بكورونا – بما أننا نعيش في وسط الجائحة. سأبدأ بظاهرة التعلم عن بعد/ التعليم عن بعد (واللذين سأكتب عنهما بتفصيل أكثر بخواطر قادمة). لكن قبل التكلم عن التعليم، أود أن أحكي قصتي مع الدجاج “المعاصر”. عام 1978 كنتُ أعمل بجامعة بيرزيت. بدأ البعض يتحدث بانبهار عن مزرعة دجاج حديثة على الطريق بين بيرزيت ورام الله. ذهبت مع أصدقاء لنتفرج ونشتري بيض. ما شاهدته كان مثيرا: صفوف من المواعين، حول كل منها حوالي 10 دجاجات جنبا لجنب لا يستطعن الحركة، رؤوسهم داخل الماعون يأكلون ما فيه من علفٍ جاهز ‘مقرّر’ ومصنّع – نفس العلف للجميع. كان هناك مراقب يملأ المواعين حين تفرغ، كما أشار إلى أضواء بالسقف حتى تستمر الدجاجات بالأكل في الليل، ثم أكمل: إذا توقفت دجاجة يومين أو ثلاثة عن إنتاج بيض، تُأْخَذ خارجا وتلقى مصيرها. كنت وقتها منشغل جدا بإعادة النظر بالتعليم وأرى فيه مصائب كثيرة، والتي بدأتُ أعيها بعد حرب 1967. لذا كان إدراكي جاهزا لملاحظة وجه الشبه بين المزرعة والتعليم النظامي. أول ما خطر ببالي أن هذه المزارع الحديثة سرقت فكرتها من التعليم النظامي! ما رأيته بالنسبة للدجاج هو بالضبط ما نفعله للطلبة: الماعون هو الدرج؛ العلف هو الكتب المقررة؛ عدم إنتاج بيض هو رسوب بامتحان؛ المراقب هو المدرّس؛ وَضْع الدجاجات رؤوسها بالماعون كوضع الطلبة رؤوسهم بالكتب المقررة (أو شاشات كما ’التعليم عن بعد‘)؛ الإضاءة لمساعدة الدجاج يأكل علف كالإضاءة للطلبة لعمل فروض مدرسية! ’صفوف‘ المزرعة تشبه صفوف المدرسة إذ لا يتحرك الطلبة سوى ساعات يوميا على مدى 12 سنة حيث يبلعوا نفس الكلمات “ويبيضون” نفس الإجابات. إذا تخلف طالب عن إنتاج جواب يعاقَب.

تذكَّرْتُ هذه القصة لأني أشعر بقلق كبير نتيجة ’الهيصة والزنبليطا‘ التي قامت في العالم حول ’التعليم والتعلم عن بعد‘. تَغَيَّر العالم جذريا بشكل متسارع في الجذور خلال الخمسة أشهر الفائتة، ما عدا في المدارس والجامعات الصامدة كالصخر لا علاقة لها بما يحدث حول العالم ساجدةً أمام معبد المنهاج تلبي طلباته! نسمع باستمرار ضرورة إحداث تغيير بالتعليم النظامي وعندما لاحت فرصة (وهي فرصة حقيقة ونادرة لإعادة النظر بالتعليم) اختار المسئولون أن يبقي الطلبة أنوفهم في مواعين الكتب المقررة وسوط العلامات فوق رؤوسهم. يشبه هذا عائلة موجودة في بيت يحترق ويتكلمون عما يطبخوه تلك الليلة! إن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على جفاف بالعقول وضحالة بالفكر وتخدير بالإدراك. [سأذكر في خواطر قادمة ما كان وما زال يمكن أن نفعله التي هيأتها هذه الفرصة النادرة.] ما يحدث فرصة نادرة لانتزاع أنفسنا من الميوعة الذهنية وعنجهية مدارس وجامعات النخبة ونستعيد مقوماتنا الذاتية، والعافية والحكمة في حياتنا والعيش وفق الطبيعة الشافية كبوصلة، كما نستعيد التعلم كقدرة عضوية والفهم كأهم مكوِّن للتعلم. نحتاج إلى جرأة في الذهن ووضوح في الرؤية، وإلى أمل  وصبر وإيمان وتكافل وروح ضيافة وعطاء للخروج من حالة التخدير السائدة.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة

خواطر مستلهمة من الطبيعة الشافية

إعلان ومقدمة لخواطر يومية على مدار سنة بعنوان

الطبيعة الشافية… مجاورات على طريق العافية

قررتُ أن أكتب خواطر يومية على مدار سنة. الفكرة انطلقت من أحاديث عبر أشهر. ما يجري حول العالم وبمنطقتنا خاصة، حثّني أن أبدأ. سأبدأ في 1/ 8/ 2020 الذي يصادف اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك. التضحية والفداء ينتميان إلى منطقتنا منذ القدم. المسيح الفلسطيني يوصف ب “الفادي” ببلاد الشام، عكس وَصْف الغرب له ب”المخلّص” – كلمة تتوافق مع رغبتهم إيهام الناس أن هدفهم أن يخلّصونا من “تخلُّفٍ” أوهمونا به. لا يقتصر هذا على السياسيين بل أيضا على شعرائهم (مثل رُدْياردْ كِبْلِنْغْ الانكليزي) وأدبائهم (مثل ألبير كامو الفرنسي). آن الأوان لانتزاع أنفسنا من الميوعة الذهنية واستعادة مقوماتنا في شتى المجالات. نحتاج إلى جرأة ذهنية وأمل وصبر وإيمان وتكافل وروح الضيافة والعطاء، نستعيد عبرها جميعا الحكمة كمرجعية بدل العلوم التقنية التي يجب أن تبقى ضمن حدودها. الخواطر مبنية على ثلاث قناعات: المجاورة طريق العافية؛ كل شخص مصدر معنى ومعرفة وفَهْم؛ والبناء على ما هو متوفر، وهو كثير. لا تحتاج هذه القناعات لورش عمل وتدريب وميزانية فهي مِلْكُ الناس جميعا، يستطيعوا العيش وفقها منذ الآن، حيث يقرروا كل شيء، بما في ذلك معاني الكلمات التي يستعملوها. ترتبط القناعات بالكرامة والتعددية والمسؤولية. لا أكتب لإقناع القارئ بأي شيء سوى أنه يملك مقومات تغيّبها المدنية الحديثة وحثّه أن يعيش وفقها، خاصة كشريك بتكوين معنى فهي قدرة عضوية ومسؤولية وحق (مغيب بالطبع من الإعلانات العالمية للحقوق!) آمل أن تسهم هذه الخواطر بقيام الشباب خاصة ببلورة رؤية تكون بمثابة بوصلة لهم؛ أمرٌ هام لكن مُغَيّب.

بالنسبة لي، ما يحكم الخواطر رؤية واسعة أعبّر عنها بتعبير ضيق: “مجاورات على طريق العافية”. يتوافق الاتساع والضيق مع قول النفري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” والتي تعني أن العقل قاصر أن يستوعب الحياة بكليتها، واللغة قاصرة أن تعبّر عن الحياة بكليتها. المجاورة لا تحكمها ديمقراطية التصويت بل ديمقراطية المعنى (كل إنسان شريك بتكوين المعنى)، وديمقراطية التفاعل بين البشر كالتحادث والحكي، وديمقراطية بُنْيَة المجتمع المتمثّلة بمجاورات، وديمقراطية قيمة المرء كما بقول الإمام علي “قيمة كل امرئ ما يُحسنه”. تنتمي هذه الديمقراطيات للجذور، لا للأغصان كما هي ديمقراطية التصويت.

ما أكتبه في هذه الخواطر ليس حقائق تدّعي الأحادية والعالمية بل قناعات تكوّنت عبر عقود من الزمن نبعت من خبرات وتجارب وتحادث وقراءات وتأمُّلٍ واجتهاد. شراكة الشخص في تكوين معنى تشكل أساس معرفته لذاته ولعلاقته مع من وما حوله، كما تشكّل مناعة على صعيد الفكر والتعبير والإدراك، وأساس جدْل نسيج بالمجتمع ومع الطبيعة والحضارة.يقول النفري: “اعرف من أنت، فمعرفتُك من أنت هي قاعدتك التي لا تنهدم وهي سكينتك التي لا تزلّ”.

باختصار، هذه دعوة لتكوين مجاورات من كل الأنواع وبدء كل شخص بمعرفة ذاته – أساس كل المعارف وأساس الطبيعة الشافية. الرؤية أقرب إلى البصيرة التي هي عين القلب. باختصار، تبقى الرؤية الوسيلة التي ندرك بها الحياة والوجود بشتى أبعاده ومكوناته فنحصّل ما يتعذر تبليغه باللغة والعقل. اتساع الرؤية وضيق العبارة هو تصوير بليغ للمعاناة في وضعنا الحالي الذي لم يعد يتحمل إهمال الرؤية وتشويهها عن طريق معادلتها بأهداف (مكونة من أبجدية دعائية استهلاكية). لذا عندما أستعمل “العيش بعافية” كتعبير عن الرؤية التي نعيش وفقها، هي – فكرًا ولغةً – قاصرة عن التعبير عن الرؤية كاملا. “العيش بعافية” تشير وتلمّح وتبلّغ الرؤية لكن لا تشملها كليا؛ الرؤية أوسع بكثير. جدير بالذكر أن قصور الفكر واللغة لا ينبع من ضعف فيهما بل يكمن في اتساع الرؤية؛ وهذا ما يجعل قول النفري هاما جدا في وقتنا الحالي. لذا من السذاجة الاعتقاد أن بالإمكان التعبير عن رؤية بمفاهيم وكلمات فهي غير قادرة أن تغوص إلى غور وأعماق وكُنْهِ ما يشار له برؤية. ليس المقصود من الرؤية أن تُسْمَع أو تُقْرأ أو تُدْرَس بل تُعاش عبر أفعال وقصص. ألخّص حياتي عادة بكلمتين: احتلال وعودة؛ تظهران في خواطر كثيرة.

#منير_فاشه #مجاورة #خواطر #الطبيعة_الشافية #احتلال_و_عودة