أول ما أودّ ذكره أني وُلِدْتُ بالقدس عام 1941، أي أننا جيل واحد، لكني أصغر منك بسنة.
يوم 11/ 12/ 1917 دخل الجنرال الانكليزي ‘اللنبي’ القدس، وخطب في قاعة ب‘باب الخليل’. أول جملة قالها (وفق ما ذكر بمذكراته ‘واصف جوهرية’ مسيحي موسيقي من القدس حضر اللقاء): ‘اليوم انتهت الحروب الصليبية’. كان يجب أن يكمل: ‘واليوم تبدأ حملة صليبية صهيونية جديدة’. كانت بلاد الشام زمن الحملة الصليبية الأولى (قبل 900 سنة) متنوعة الثقافات والأديان والمذاهب؛ نصف أهاليها من طوائف مسيحية متنوعة. كانت الحروب الصليبية وبالاً على مسيحيي بلاد الشام. الحملة الصليبية-الصهيونية التي بدأت عام 1917 كانت أكثر وبالاً وبمباركة عصبة الأمم ثم هيئة الأمم. عند دخول جنرال اللنبي كانت نسبة المسيحيين بفلسطين تقارب خُمْس السكان. اليوم لا تزيد عن 2% (عدد المسيحيين العرب حاليا بالقدس يقارب 3 آلاف، وَهُم بتناقُص). لم يحدث هذا بسبب حركات إسلامية بل بتصميم وتخطيط من بريطانيا ‘المسيحية’ الذي أدى إلى جريمة 1948، وما زالت الجريمة مستمرة من حيث هدم بيوت وسرقة أراضٍ وقتل بشر.
وُلِدْتُ بالبيت الذي بَنَتْه أمي وأخواتها الثلاثة عبر الخياطة عشرين سنة. اضطرت أمي للعمل بعمر 12 سنة إذ توفيت أمها وكان أبوها ضريرا. هيّأَتْ بريطانيا للصهاينة طرد العرب، مسلمين ومسيحيين، كنت أحدهم. كان عمري 7 سنوات. زوجتي وأولادي ممنوعين من العيش معي بفلسطين. ما زال البيت الذي ولدتُ فيه قائما تحتله عائلة يهودية جاءت من أوروبا منذ 72 سنة دون أي شعور، كما يظهر، بأنها تقترف جريمة حيث سرقت بيتا بَنَتْه أربع نساء عبر خياطة ملابس على مدى عشرين عاما! أَخْرَج ‘أحمد الضامن’ عام 2012 فلمًا عن 5 أشخاص (أنا أحدهم) هُجِّرنا من القدس عام 1948. عُرِضَ بقناة الجزيرة. صمم ابن خال أبي (سابا شبر) مدينة الكويت عام 1952. وكان لعائلة أمي ‘سنجق’ بكنيسة القيامة؛ كانت عائلتها ترافق بطرك القدس بالأعياد والاحتفالات الدينية. حاليا، أنا الذكَرُ الوحيد من عائلة ‘فاشه’ بفلسطين. لي أخت وابنة عم تحملان اسم فاشه. بموتنا نحن الثلاثة ينتهي وجود العائلة بفلسطين. تعرَّفْتُ على المسيح ليس عبر بطاركة وحملة دكتوراه باللاهوت بل عبر أمي الخياطة التي لم تعرف الأبجدية لكن المسيح كان يسكن قلبها، كما كان يسكن قلب أبي – سائق تاكسي هرب من المدرسة بالصف الرابع حين مشى المدرس نحو درجه قاصدا ضربه. عندما رأى المسيح الفلسطيني ما يفعله التجار والمرابون بأهالي القدس لم يقف على الحياد بل حمل سوطا وطردهم من بيت الله (عملٌ يشبه طرد البنوك المهيمنة ببلاد الشام اليوم). أتمنى عليك غبطة البطريرك أن لا تضع يدك بأيدي الصليبيين الجدد وإلا سينتهي وجود المسيحيين كليا من بلاد الشام مهد المسيحية. ستبقى كنائسنا أبنية حزينة فاقدة لأهلها. وَضْعُنا السيء كمسيحيين ببلاد الشام من صنع الصليبيين الجدد الذين أفهم من كلامك أنك تحتضنهم. آمل أن تسير طريق المسيح قبل ألفي سنة. الفرق بين شخص وآخر لا يكمن في التصنيف السطحي: مسيحي، مسلم، يهودي، كنفوشي، بوذي، متدين، علماني، ماركسي، تقدمي، رجعي، خبير، دكتور، باحث بل فيما إذا كان الشخص مع ‘جورج فلويد’ المدعوس عليه أو مع الشرطي الداعس على رقبته. المسيح الفلسطيني مع ‘جورج فلويد’؛ المسيح الذي اختطفته أوروبا وجعلته خادما للإمبراطور مع الداعس على رقبته.
معلومة أخيرة تنطبق على أشخاص قليلين جدا: البيت الذي وُلِدْتُ فيه يقع في منتصف الطريق بين مهد المسيح وقبره. من ذلك البيت يمكنني أن أصل إلى المكانين مشيا على الأقدام. أرفق صورة لموقع البيت وموقع المغارة وموقع القبر.
نسمع كثيرا عن الدولة المدنية ودولة مؤسسات وقانون، لكن ضروري أن نتذكر قول الرومي: ‘لربما أنك تبحث بين الأغصان عما لا يظهر إلا في الجذور’. الدولة المدنية ووجود مؤسسات أمور هامة نحتاج لها في أحيان، لكنها أمور تنتمي للأغصان. إذا توقفنا عندها وأهملنا الجذور سيصيب مجتمعاتنا العفن والوهن والترهُّل حيث تفقد روحها وحيويتها ومعنى وجودها. من أهم ما ينتمي للجذور، ذكرتُه بخاطرة سابقة: التحادث والضيافة وجدل نسيج بين الناس ومع الطبيعة والحضارة الذي يشمل بالضرورة التغذية من التربة الأرضية والتربة الثقافية. أكثر كلمة تتضمن مجموع هذه النواحي، ومفعمة بالأمل والحيوية ووجود معنى، كلمة ‘ضيافة’ التي هي نقيض الاستهلاك. الحياة أخذٌ وعطاء، ضيافة وكرم، نطقٌ وإصغاء. عندما كان عمر أمي 22 سنة، توفي والدا قريب اسمه ابراهيم وهو بعمر 7 سنوات. قالت أمي لجدي ولأخواتها الثلاثة (أمها كانت متوفاة): إبراهيم ليس له أحد هل ممكن يعيش معنا؟ وافق جميعهم وانتقل وعاش معهم. عندما تقدم أبي للزواج من أمي قالت له: عندي 3 أخوات وإبراهيم؛ لا أستطيع أن أتركهم، سيبقوا معنا. وافق أبي وكنا ندعو إبراهيم ‘خالو’. أذكر هذه القصة كمثال رائع على معنى ودور الضيافة في معالجة كثير مما نواجهه من مشكلات. مرة أخرى، تجسدت روح الضيافة في قصة إبراهيم ما عَنَتْهُ عبر العصور: يوجد مكان آمن لك ببيتي أو عقلي أو قلبي أو عبر كلماتي وروحي ووجداني وإصغائي؛ فلتتفضل. لم تذهب أمي لمؤسسات بل ما فعلته نتج عن نداء إنساني باطني، وعن تقليدٍ رائع بمجتمعاتنا. مَأْسَسَة الضيافة عبر إنشاء أماكن رسمية للمساعدة والخدمة تشبه مأسسة التعلم عن طريق تدريس وتعليم نظامي. في الحالتين نخرّب ما هو مقدس فينا بالخليقة والثقافة. إذا كانت المؤسسات إضافة، أهلا وسهلا؛ لكن إذا طَمَسَتْ روح الضيافة، عندها يجب الحذر – ما نخسره صعبٌ جدا أن يُعَوَّض. جدير بالذكر أن الضيافة تتوافق مع العيش بوفرة، بينما مؤسسات خدمات ومساعدة تتوافق مع العيش بندرة.
نتقيأ كلمات كالببغاء، مثل ‘ما هي المخرجات؟’ كنت أرد على من يسألني هذا السؤال بالنسبة لمجاورة النساء بمركز النزهة: عَمَلُنا شمل مُخرَجات ومُدخَلات. المُخْرَجات كانت عبارة عن إخراج سموم تراكمت بأجسادنا عبر مأكولات مصنّعة مزوّرة، وبعقولنا عبر مصطلحات مهنية مؤسسية وتصنيفات أكاديمية لا تستمد معانيها من الحياة، وبإدراكنا عبر مقاييس عمودية ممزقة للإنسان والمجتمع. شملت المُدْخَلات استعادة المجاورة كاللبنة الأساسية ببنية المجتمع، والعافية كقيمة/ بوصلة نستهدي بها في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا وعلاقاتنا. شكّل التحادث وروح الضيافة بلقاءات النزهة أساس الكرامة والاحترام والمسؤولية وجَدْلِ أنسجة على أصعدة شتى. لعل أكثر ما يجسد هذه الروح بالوقت الحاضر، خاصة بالنسبة لطفل أو يافع، هو الإصغاء له دون تقطيع وحكم؛ يساعد ذلك الطفل/ اليافع بترتيب عالمه الداخلي الذي يختلف كليا عن ترتيبه من الخارج. الإصغاء يتطلب صبرا وإيمان. الضيافة روح المجاورة. كانت قصص النساء في مركز النزهة من حيث الكلمات والصور الذهنية والعلاقات والأفكار مفعمة بروح الضيافة. نلاحظ حاليا ضمن جائحة كورونا أن الوضع بالأردن وبلدانٍ مجاورة، رغم محدودية الإمكانات، أفضل من دول غنية إذ ما تزال بمجتمعاتنا روح الضيافة قائمة. المشكلات والأزمات حول العالم تزداد وتتعمق بسرعة هائلة. لا يمكن لمؤسسات هدفها المساعدة والخدمة أن تغطي ما يلزم من حاجات فهي أكبر بكثير من طاقتها؛ أي لا تتضمن الاستدامة، روح الضيافة تتضمن الاستدامة. نحتاج أحيانا لخدمات ومساعدات عبر مؤسسات، لكن إذا كانت بديلا للضيافة، ستصمد المساعدات لفترة. طريق المؤسسات محدود. لا غنى عن الضيافة والمسؤولية في معالجة الأزمات الهائلة التي نعيشها.
يكمن جوهر المجاورة على طريق العافية بالقناعة بأن داخل كل إنسان ‘منجم’ من قصص تحكي عن خبرات مرّ بها الشخص جاهزة لتخرج كبيانٍ يبيّن ما بداخل الشخص، عبر تأمّلٍ بما مرّ به واجتهادٍ بتكوين معنى وفَهْم له وفق حكمة وعافية وكرامة وتعددية ومسؤولية كَقِيَم. قناعة أخرى جوهرية: لا يوجد حل حقيقي بالجذور إذا لم يكن باستطاعة كل شخص أن يسهم فيه بما لديه. القناعة الجوهرية الثالثة: المناعة الذاتية على الصعيد الشخصي والجمعي هي أساس حماية الناس مما يمكن أن يضر بهم. بعبارة أخرى، تتمثل مسيرتنا بثلاث مهام: استخراج الكنوز الخفية المغيبة بكل إنسان؛ البناء على أفكار يمكن أن يشارك فيها كل شخص؛ العيش وفق الطبيعة الشافية… تتلخص الخطوة الأولى بالصوم عما يسمم الجسم والعقل والإدراك والمشاعر والعلاقات (عادة ببطء بحيث لا نشعر به) واستعادة ما فيه عافية متوفر معظمه لدينا ويشمل: الشراكة في تكوين معنى، واستعمال حكايات بدل نظريات ومصطلحات وتصنيفات في التحدث عن الحياة حيث يجسّد بيانا وتبيينا، والانغماس بالمكونات الثقافية بالمجتمع، والنباتات البرية، والعيش وفق مجاورات تحكمها العافية والتعددية والمسؤولية وروح الضيافة والتي يتخللها جميعا معرفة الذات التي تشمل معرفة ما يحسنه الشخص، وما يبحث عنه في حياته، وماذا يمثل ‘الرِجل الثابتة’ في حياته.
نحتاج إلى العودة من ‘بحث’ كرديف research إلى ‘بحث’ بمعنى search الكامن في الجذور وفق قول الرومي ‘أنت ما تبحث عنه’. شاركْتُ بعقد السبعينيات (قبل 45 سنة) في كتابة أسئلة رياضيات لامتحان التوجيهي على مدى 8 سنوات. بحثت خلالها عن معنى لقيمة المرء يُجَسِّد احتراما وتعددية ويختلف جذريا عن التقييم العمودي. بدأتُ أبحثُ في كتب عربية قديمة لَعَلّي أجد شيئا. وجدت ضالتي عام 1997 في كتاب الجاحظ ‘البيان والتبيين’ في قول الإمام علي: ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’. بعبارة أخرى، استعملتُ ‘بحث’ بمعنى researchلتوضيح ما كنتُ أبحث عنه بالنسبة لقيمة المرء. وهذا ما أراه كعلاقة بين المعنيين حيث researchتكون تابعة ل search.
عام 1892عُيِّن عشرة أشخاص لِوَضْع قائمة بالمواد المدرسية في الولايات المتحدة، عُرِفوا ب‘لجنة العشرة’[6 رؤساء جامعات و3 مدراء مدارس ومسئول عن التعليم بواشنطن – ليس بينهم أُمّ ولا مزارع ولا فنان ولا شخص يتصف بالحكمة، وليس لأي منهم علاقة بالحياة والجذور، كل ما عرفوه في حياتهم هو مؤسسات تعليمية]. قررت اللجنة المواد المدرسية الحالية المشرذَمة والمشرذِمة للمعرفة والحياة. ما اقترحوه لا يكوّن صورة بالذهن ولا علاقة له بالحياة وبنوه وفق قناعات كان أسوأها برأيي أن المعرفة لا علاقة لها بسياق ولا فعل ولا ثقافة ولا قيم ولا مجتمع. نعيد المواد بالمدارس كالببغاء وكأنها معرفة نافعة. تصوّروا لو كانت العافية هي البوصلة للرؤية التي حكمت أفكارهم وأفعالهم! لكن هذا غير ممكن ببلدٍ تحكمه قيم السيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال، لكنه ممكن عندنا لو لم نكن مخدّرين، ولا يزال ممكنا إذا خرجنا من حالة التخدير. ما هو شكل ومضمون المعرفة وفق العيش بعافية؟ استعادة الحكمة مثلا عن طريق تَمَحْوُر المعرفة حول حقيقة أن الإنسان يتغذى من ثلاثة أنواع من التربة: تربة أرضية-طبيعية، تربة ثقافية-معرفية-روحية، تربة مجتمعية-اقتصادية – والتي تتوافق جميعا بالضرورة مع العيش وفق الوفرة لا الندرة التي تحكم عالم الاستهلاك. تصوروا لو كانت أنواع التربة هذه مضمون منهاج السنوات الثمانية الأولى بالمدارس حيث تدخل المواد المألوفة في المنهاج بشكل متكامل متداخل بدلا من مواد منفصلة. مكوِّنٌ جوهري في التربة الثقافية هو الحضارة العربية التي تكونت بوجود ثقافات عديدة متنوعة غنية. تشكل اللغة العربية بجماليتها ومنطقها وغناها والحكمة في ثناياها بوتقة المعرفة بدلا من مادة دراسية منفصلة عن المواد الأخرى والحياة. يصبح الأدب بشتى أشكاله ومعانيه هو بيان المعرفة كأساس. المعرفة التقنية يمكن أن تضاف دون أن تسلبنا ما فيه عافية. تصورا لو خلال المائة سنة الفائتة كانت الطبيعة والثقافات المتعددة هي بوتقة المعرفة والبيان الذي يبيّن ما يختلج داخل العقول والقلوب والنفوس، لكان وضعُنا مليئا بالعافية والحيوية على صعيد الجذور. تحويل اللغة العربية إلى مادة دراسية شكّل المستنقع الفكري الذي وقعنا فيه كأمة. لذا، من بين ما علينا فِعْلَه هو العودة للُغَةِ الأم، لغة الحياة والشعر والأدب والتحادث والحكايات ولغة القرآن؛ إلى اللّغة الحية كأساس. وكما ذكرتُ بخواطر سابقة، لغة الأم هي نقيض اللغة الأم (رغم تشابه الحروف). لنتوقّف عن أن نكون ببغاوات ونسخا عن آخرين.
عندما وُوجِهَ العرب أول مرة بتعبير textbooks ، لا شك أنهم وقعوا بحيرة: كتب نصوص؟! تعبيرٌ ضحل، فالكتب تشمل نصوصا بطبيعتها؛ تعبيرٌ لا وجود له رديف بالعربية. تفكروا بالموضوع واختاروا ما رأوه أقرب ما يمكن لحقيقة هذه الكتب فأسموها: كتب مقررة. كتابة أسماء مؤلفين على الغلاف يغطي ويغيّب مَن قررها. ملاحظتان في هذا المقام. الأولى: هل سمع أحدكم عن شخص ذهب إلى وزارة تربية وتعليم ليشتري كتبا مقررة لأنه يجد فيها متعة أو فائدة؟ لا أعتقد. الملاحظة الثانية: لدينا منذ 1200 سنة كلمتان – البيان والتبيين – عنوان كتاب الجاحظ. لا يوجد تفسير واحد (سوى حالة تخدير عميقة) لجعل العرب يتبنّوا textbooks ويهملوا كتبا هي في جوهرها بيان وتبيين. لا يوجد كتاب مقرر ولا حتى جملة واحدة فيه تجسد بيانا وتبيينا! وضّح الجاحظ عنوان كتابه بهذه الكلمات: “بيانٌ لدى الشخص يبيّن المعاني القائمة في صدره والمتكونة في فكره. ما يُحْيي تلك المعاني، ذكرُهُ واستعمالُه لها مما يقرِّبُها من الفهم ويجلّيها للعقل ويجعل الخفي منها ظاهرا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان؛ اسمٌ جامعٌ لكل شيء كشف قناع المعنى. فبأي شيء بلغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان. من هنا، المعاني ليس لها حدود، بينما الألفاظ معدودة محدودة”…
تصوروا لو كانت الكتب بالمدارس بيانا وتبيينا بدلا من اللغة البلاستيكية السائدة. صعبٌ علينا، كما يظهر، أن نستعيد هذه الرؤية للكتب لأن عقولنا تجفّ عبر 12 سنة نمر بها دون إرواء. الكتب المقررة المصنعة بالنسبة للعقل تشبه المأكولات والمشروبات السريعة المصنعة بالنسبة للمعدة؛ كلاهما يوحي بفائدة لكن فعليا يضر أكثر مما ينفع. جدير بالذكر أن العرب لاحظوا العلاقة بين ما يغذي الجسم وما يغذي العقل إذ قالوا: نروي حكايات ونروي نباتات. نادر إيجاد حكايات مروية بالكتب المقررة، أو نباتات مروية بحديقة. التكنولوجيا أداة يمكن أن تضيف نواحي بحياتنا لكنها إذا سَلَبَتْ ما هو موجود فينا بالخليقة، ضروري عندها أن نسأل عما نخسره، وأيضا فيما إذا كنا نحوم بين الأغصان أم نغوص في الجذور.
ما أودّ قوله باختصار: ويلٌ لأمة تعتمد على كتب مقررة كمصدر معرفتها.
قررتُ أن أكتب خواطر يومية على مدار سنة. الفكرة انطلقت من أحاديث عبر أشهر. ما يجري حول العالم وبمنطقتنا خاصة، حثّني أن أبدأ. سأبدأ في 1/ 8/ 2020 الذي يصادف اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك. التضحية والفداء ينتميان إلى منطقتنا منذ القدم. المسيح الفلسطيني يوصف ب “الفادي” ببلاد الشام، عكس وَصْف الغرب له ب”المخلّص” – كلمة تتوافق مع رغبتهم إيهام الناس أن هدفهم أن يخلّصونا من “تخلُّفٍ” أوهمونا به. لا يقتصر هذا على السياسيين بل أيضا على شعرائهم (مثل رُدْياردْ كِبْلِنْغْ الانكليزي) وأدبائهم (مثل ألبير كامو الفرنسي). آن الأوان لانتزاع أنفسنا من الميوعة الذهنية واستعادة مقوماتنا في شتى المجالات. نحتاج إلى جرأة ذهنية وأمل وصبر وإيمان وتكافل وروح الضيافة والعطاء، نستعيد عبرها جميعا الحكمة كمرجعية بدل العلوم التقنية التي يجب أن تبقى ضمن حدودها. الخواطر مبنية على ثلاث قناعات: المجاورة طريق العافية؛ كل شخص مصدر معنى ومعرفة وفَهْم؛ والبناء على ما هو متوفر، وهو كثير. لا تحتاج هذه القناعات لورش عمل وتدريب وميزانية فهي مِلْكُ الناس جميعا، يستطيعوا العيش وفقها منذ الآن، حيث يقرروا كل شيء، بما في ذلك معاني الكلمات التي يستعملوها. ترتبط القناعات بالكرامة والتعددية والمسؤولية. لا أكتب لإقناع القارئ بأي شيء سوى أنه يملك مقومات تغيّبها المدنية الحديثة وحثّه أن يعيش وفقها، خاصة كشريك بتكوين معنى فهي قدرة عضوية ومسؤولية وحق (مغيب بالطبع من الإعلانات العالمية للحقوق!) آمل أن تسهم هذه الخواطر بقيام الشباب خاصة ببلورة رؤية تكون بمثابة بوصلة لهم؛ أمرٌ هام لكن مُغَيّب.
بالنسبة لي، ما يحكم الخواطر رؤية واسعة أعبّر عنها بتعبير ضيق: “مجاورات على طريق العافية”. يتوافق الاتساع والضيق مع قول النفري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة” والتي تعني أن العقل قاصر أن يستوعب الحياة بكليتها، واللغة قاصرة أن تعبّر عن الحياة بكليتها. المجاورة لا تحكمها ديمقراطية التصويت بل ديمقراطية المعنى (كل إنسان شريك بتكوين المعنى)، وديمقراطية التفاعل بين البشر كالتحادث والحكي، وديمقراطية بُنْيَة المجتمع المتمثّلة بمجاورات، وديمقراطية قيمة المرء كما بقول الإمام علي “قيمة كل امرئ ما يُحسنه”. تنتمي هذه الديمقراطيات للجذور، لا للأغصان كما هي ديمقراطية التصويت.
ما أكتبه في هذه الخواطر ليس حقائق تدّعي الأحادية والعالمية بل قناعات تكوّنت عبر عقود من الزمن نبعت من خبرات وتجارب وتحادث وقراءات وتأمُّلٍ واجتهاد. شراكة الشخص في تكوين معنى تشكل أساس معرفته لذاته ولعلاقته مع من وما حوله، كما تشكّل مناعة على صعيد الفكر والتعبير والإدراك، وأساس جدْل نسيج بالمجتمع ومع الطبيعة والحضارة.يقول النفري: “اعرف من أنت، فمعرفتُك من أنت هي قاعدتك التي لا تنهدم وهي سكينتك التي لا تزلّ”.
باختصار، هذه دعوة لتكوين مجاورات من كل الأنواع وبدء كل شخص بمعرفة ذاته – أساس كل المعارف وأساس الطبيعة الشافية. الرؤية أقرب إلى البصيرة التي هي عين القلب. باختصار، تبقى الرؤية الوسيلة التي ندرك بها الحياة والوجود بشتى أبعاده ومكوناته فنحصّل ما يتعذر تبليغه باللغة والعقل. اتساع الرؤية وضيق العبارة هو تصوير بليغ للمعاناة في وضعنا الحالي الذي لم يعد يتحمل إهمال الرؤية وتشويهها عن طريق معادلتها بأهداف (مكونة من أبجدية دعائية استهلاكية). لذا عندما أستعمل “العيش بعافية” كتعبير عن الرؤية التي نعيش وفقها، هي – فكرًا ولغةً – قاصرة عن التعبير عن الرؤية كاملا. “العيش بعافية” تشير وتلمّح وتبلّغ الرؤية لكن لا تشملها كليا؛ الرؤية أوسع بكثير. جدير بالذكر أن قصور الفكر واللغة لا ينبع من ضعف فيهما بل يكمن في اتساع الرؤية؛ وهذا ما يجعل قول النفري هاما جدا في وقتنا الحالي. لذا من السذاجة الاعتقاد أن بالإمكان التعبير عن رؤية بمفاهيم وكلمات فهي غير قادرة أن تغوص إلى غور وأعماق وكُنْهِ ما يشار له برؤية. ليس المقصود من الرؤية أن تُسْمَع أو تُقْرأ أو تُدْرَس بل تُعاش عبر أفعال وقصص. ألخّص حياتي عادة بكلمتين: احتلال وعودة؛ تظهران في خواطر كثيرة.
قصة رواها لي “أسعد عكة” مدرّس الأحياء بكلية بيرزيت عام 1962 (حيث كنت أدرّس الفيزياء) كيف أن الصَدَفَة التي تبقى في مياه راكدة لا يتكون فيها لؤلؤ، بينما الصَدفة التي تصطدم بهذه الصخرة وتلك وتدفعها المياه في شتى الاتجاهات يتكون فيها لؤلؤ. قلت: كم ينطبق هذا على البشر، فالشخص الذي يبقى محميا من الحياة لا يمر بمعاناة وظروف حقيقية بل نشاطات مصنّعة ومبرمجة تُشْرِف عليها مؤسسات ومهنيون، لا يتكوّن ‘لؤلؤ’ بداخله. يستطيع أن يحصل على لآلئ يضعها حول عنقه أو إلى جانب اسمه (مثل دكتوراه) لكن لا تتكون داخله لؤلؤة تتمثل بتكوين معنى وبحكمة وفَهْم ونضج وصقل وتهذيب لنواحي .حياته
لم تعش النساء في حي النزهة حياةً راكدة بل عاشت كلٌّ منهن حياةً صاخبة في خضمّ الحياة
مما يعني أن في داخل كلٍّ منهن لؤلؤة جاهزة للصقل والبيان. عَمِلْنا (‘ميس عوده’ وأنا) مع نساء مركز النزهة قرابة السنة ضمن ‘مشروع المجاورة على طريق الحكمة’. كانت المجاورة عبارة عن لقاءات أسبوعية لمدة ساعتين. عَمَلُنا معهنّ مبنيٌّ على قيام كلٍّ منهن بصقل اللؤلؤة الكامنة فيها. أي، المشروع ليس مبنيا على تلبية وتأمين احتياجات (كما في المنطق السائد) بل البناء على ما هو متوفر لديهن وحولهن من مواطن قوة ومقومات كأساس، ننطلق منها لنعالج احتياجات؛ هذا هو طريق الحكمة. ما فعلناه يختلف جذريا عما يشار له بِوِرَش عمل وبرامج تدريب وتوعية وتمكين ومواد جاهزة وتقييم عمودي؛ كما يختلف عما هو سائد بالنسبة لكتابة تقارير إذ نركّز بالمشروع على الانطلاق من خبرات والتأمل فيها والاجتهاد بتكوين معنى وفَهْم لها ومشاركة ذلك مع من لهم علاقة بالمركز ومع مراكز جُهُد (وآخرين) عبر ‘قواميس’ وفيديوهات، بهدف جَدْل أنسجة على الصعيد المعرفي الاجتماعي الروحي. يتمّ تكوين معانٍ عبر قصص وحكايات. الشراكة في تكوين معنى (دون استعمال مصطلحات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية) تشكّل قدرة بيولوجية وواجب وحق لدى كل إنسان. هذه الشراكة أحد رُكْنَي المشروع وتشكّل مناعة ضرورية لحماية العقل والفكر مما يمكن أن يؤذيهما. أما الرُكْن الثاني بالمشروع فهو المجاورة كوسيط أساسي للتعلم وكاللبنة الأساسية بِبُنْيَة المجتمع، وتشكّل مناعة أساسية للشخص والمجتمع ضد ما يمكن أن يضر بهما. لا نحتاج في المشروع لنظريات وكلمات مثل تميُّز وتفوق وإبداع وإنجاز وابتكار وجودة (والمرتبطة جميعا بنمط الاستهلاك)، بل نعمل وِفْقَ عبارة الإمام علي: ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ بشتى معاني يحسن بالعربية: الإتقان والعطاء والجمال والنفع والاحترام.
من أبرز وأخطر ما تفعله المدنية الحديثة المهيمنة هو تدمير قدرتنا على عيش إنسانيتنا خارج إملاءات السوق وعالم الاستهلاك ورأس المال والتفكير المهني الأكاديمي؛ إذ يتم تدمير الإنسانية التي لا يمكن التعبير عنها وفق هذه الإملاءات. ركّزنا في عملنا على انتباه كلٍّ من النساء للعالم الداخلي فيهن والعالم من حولهن، وللعلاقة الحية بين العالمين. فعلنا ما يفعله الفلاح مع حبوب القمح: نَذُرُّ حكاياتنا كما يذرّ الزارعُ القمحَ: ينقّيه في الريح، يأَخْذُها بأطراف أصابعه وينثرهافيالأَرْضِلِتَنْبُتَ. هذا ما فعلته النساء في اللقاءات حيث ذَرّوا حكاياتهن النابعة من أعماق قلوبهن عبر أطراف ألسنتهن، وبَذَروها في الحياة لتنبت؛ نثروها فأنبتت خيرا عليهم وعلينا. نبّهني العمل مع النساء ووضّح وعمّق لدي معاني وأبعاد ونواحي للمجاورة كنت أعيها لكن لم تدخل في أعماقي كما دخلت نتيجة العمل معهن. مثلا، لم نحتاج طوال العمل معهنّ لكلمات مترجمة أو كلمات لا تنبع معانيها من حياتهن. أمرٌ آخر توضّح لي أن المجاورات حتى “تغوص” في أعماق الحياة، وتتبلور عملية نضج، فإنها تحتاج إلى فترة طويلة. كانت السنة التي قضيناها معا عاملا هاما في صقل كل امرأة للؤلؤة بداخلها، والذي احتاج إلى وقت وتأمل واجتهاد لتصبح جزءا حيا من تعبيرها ونمط حياتها. أمرٌ ثالث تعمّقَ لدي هو أهمية أن تكون العلاقة تبادلية حيث الكل يعطي ويأخذ، يغذي ويتغذى. لم تكن هناك مواد جاهزة، بل كانت المادة التي تعاملنا معها تتمثل بحياتهن وحكاياتهن عنها عبر كلمات تستمد معانيها من الحياة. كان التركيز كاملا على استخراج ما بدواخلهن. أمرٌ رابع تعمّق هو أن التعلم خلطة ضمن سياق حقيقي ويرتبط عادة بفِعْل. إذ إنْ لم يكن هكذا، يكون عبارة عن معلومات ومهارات آلية ومعارف تقنية متفرقة لا تتطلب بالضرورة فهما وربطا بين ظواهر ومكونات بل التعامل معها كسلع. يتمثل الأمر الخامس بجدل نسيج مع الذات ومع آخرين عبر المجاورة والذي يشكل جزءا هاما من المناعة لدى الشخص والمجموعة. ويكمن الأمر السادس بأهمية تحلّي القائمات على المركز (سواء رسميا أو تطوُّعا) بعطاء وحبّ وروحٍ رحبة (والتي كانت متوفرة بقوة لدى السيدة نجوى مديرة المركز ولدى السيدة سميرة وغيرهما عبر سنين طويلة، مما مهّد الجو الملائم للمجاورة). أما الأمر السابع فكان وعيي لأول مرة عبر إصغائي لقصصهن بأن ما قُلْنَهُ هو أدب؛ هو أدب وفق ما كتبه شيخ الأدباء ‘الجاحظ’ قبل 1200 سنة ولخّصه ب‘البيان والتبيين’، عبر ثلاثة أقوال:
(1) اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العُجب بما نحسن ونعوذ بك من السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر. (2) بيانٌ لدى الشخص يبيّن المعاني القائمة في صدره والمتكونة في فكره. ما يُحْيي تلك المعاني، ذكرُهُ واستعمالُه لها مما يقرّبها من الفهم ويجلّيها للعقل ويجعل الخفي منها ظاهرا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان؛ اسمٌ جامعٌ لكل شيء كشف قناع المعنى. فبأي شيء بلغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان. من هنا، المعاني ليس لها حدود، بينما الألفاظ معدودة محدودة. (3) قولٌ نقله الجاحظ عن أعرابي: ما يخرج من القلب يصل إلى القلب، وما يخرج من اللسان يصل الآذان. [جديرٌ بالذكر أن من الصعب إيجاد كلمة في الكتب المقررة خارجة من القلب مما يُبْقي القلب معطلا مدى 12 سنة والذي يفسّر وجود أمراض نفسية عاطفية اجتماعية في الحياة المعاصرة.]
ذُهِلْتُ عندما لاحظتُ مدى توافق حكايات النساء بمركز النزهة مع أقوال الجاحظ، مما جعلني أُطْلِق عليهن صفة أديبات. فبيانُهُنّ بيّنَ معاني قائمة في صدورهنّ ومتكونة في أفكارهن؛ خرجت من القلب ووصلت قلوب السامعين. لم تحتوِ أقوالهن وأعمالهن على فتنة ولم يكن فيها زيفٌ ولا تكلّف ولا إعجاب ولا سلاطة وهذر ولا عيّ وحصر. ما أحيى تلك المعاني ذكرُهُن لها مما قرّبها من الفهم وجلّاها للعقل وجعل الخفي منها ظاهرا. ظهرت معانيهن بوضوح الدلالة وحسن الاختصار ودقة المدخل. كانت دلالاتهن الظاهرة على المعنى الخفي هو بيانهن الذي كشف قناع المعنى. فرغم أن ألفاظهن كانت معدودة محدودة، إلا أن معانيهن ليست لها حدود. لذا أقول: وِفْقَ أقوال الجاحظ، هُنَّ أديبات. فالأدب مرتبط بصقلٍ وتهذيب مستمرَّيْن للتعبير والمعنى وجَدْل أنسجة على صعيد الفكر والوجدان والروح والمجتمع. حكاياتهن في القاموس يجسّد معنى وروح ما كتبه الجاحظ: بيان وتبيين يتوافق مع الرؤيا التي نسير وفقها في مشروع المجاورة. جذر كلمة قاموس هو ‘قَمَسَ’ التي أحد معانيها: قَمَسَ الشخصُ في الماء إذا غاص فيه ثم ظهر،انغطَّ ثم ارتفع. القاموس هوأبعدموضعبأعماق البحر يغوص نحوها المرء ثم يظهر. نستطيع وصف ما نفعله في القواميس التي نسعى لتوليفها بالمشروع: غوصٌ في محيط الحياة، في أبعدأعماقها، عبر تأمُّلٍ فيما نمر به من خبرات حيث نخترق السطح ونغوص نحو الجذور، ونجتهد، ومن ثم نَظْهَر بمعانٍ وفهم. هذه القواميس مبنية على القناعة بأن كل إنسان مصدر معنى وفهم، قدرة بيولوجية لا تحتاج لَوِرَش وتدريب؛ وهي حق (مغيب من الإعلانات العالمية للحقوق)، وهي واجبٌ على كل إنسان، ففيها تتجسّد المساواة والكرامة والتعددية وديمقراطية المعنى (أعمق أنواع الديمقراطية). تُمَثِّل الشراكة في تكوين معنى مناعة تحمينا على صعيد التعلم والفكر، وتمثل المجاورة مناعة تحمينا على صعيد المجتمع. الشراكة تمثل ديمقراطية المعنى، والمجاورة تمثل ديمقراطية جدل نسيج مجتمعي. ضمن هذين النوعين، نضمن العيش بحكمة وعافية.
قلت لهنّ محمود درويش أديب، وهنّ أديبات. نوعان من الأدب لا يمكن مقارنتهما إذ ينتميان لعالمين مختلفين. تماما كما وعيتُ عام 1976 أن ما كانت تفعله والدتي الأمية عبر خياطة ملابس للنساء هو رياضيات لا يمكن التعبير عنها بمفاهيم ونظريات الرياضيات المؤسسية. ملاحظة وجه الشبه بين الأدب والرياضيات قدرة رياضية مغيبة. مصدر قيمة أدب النساء يختلف عن مصدر قيمة أدب درويش، تماما كما مصدر قيمة رياضيات والدتي يختلف عن مصدر قيمة رياضياتي.
إلى جانب أنهن يجسّدن أدبًا، فهُنَّ أيضا يجسّدن إنسانية تختلف جذريا عن الإنسانية التي تتماشى مع متطلبات وإملاءات نمط الاستهلاك في العيش والتي تتعامل مع البشر والمعارف والفنون والأدب كسلع. أدبهن أدبٌ إنساني لا علاقة له بمتطلبات السوق. أعود لأؤكد أن أخطر ما يحدث بالعالم المعاصر هو تدمير قدرتنا لعَيْشِ إنسانيتنا خارج إملاءات ومتطلبات الاقتصاد ورأس المال. الإنسانية التي تتماشى مع إملاءات السوق تخريبٌ للطبيعة والبشر. إنسانية النساء تجسدت بأمور كالكرامة والاحترام وروح الضيافة والأمل والتعاطف والعناية والرعاية وليس بحقائق مجردة تقنية مبهرة بالمظهر ومؤذية بالجوهر.
أنجع أداة في تدمير الإنسانية مقاييس تقيس ما لا يمكن قياسه، بهدف السيطرة؛ مما جعلني أفكر بأهمية أن تشمل المجاورات في المستقبل تحادث المتجاورين حول خبرات عاشوها جسّدت إنسانية حيّة حيوية متوافقة مع الحكمة والعافية، وخبرات شعروا أنها دمّرت قدرتهم على عيش إنسانية خارج إملاءات ومتطلبات إنسانية سلبية سائدة تسلبنا إنسانيتنا الحية. تحدٍّ جوهري نواجهه في منطقتنا هو قلب هذه الظاهرة بحيث ننتزع أنفسنا من الإنسانية السلبية التي اكتسبناها منذ مائة سنة على الأقل، ونستعيد الإنسانية المغذية المرتبطة بالعافية. هناك عاملان لاستعادة إنسانيةٍ حيّة: التأمل وتكوين معنى؛ والعيش ضمن مجاورات.
في القواميس التي تصدر عن مشروع المجاورة، نركّز على خبرات وحكايات كبيانٍ للمعاني. في عالمٍ يركّز على أهمية القراءة والكتابة وتواصل تكنولوجي، ويهمل التحادث، نخسر أعمق فن بحياة البشر: التحادث وجها لوجه. كلمة “حديث” بالعربية تجمع في معناها بين التفاعل الشفهي وما هو جديد، وبالتالي تمثل إبداعا تلقائيا مستمرا. التحادث جوهر وروح المجاورات، وأحلى وسيط للحكاية وأعمق بيان لتبادل المعرفة؛ فيه جمالية وحيوية وتلقائية وجدل أنسجة؛ علاقة وجدانية لا تهدف إلى إقناع الآخرين ولا التأثير والحكم عليهم ولا تصنيفهم ولا توجد تراتبية. التحادث بأحلى تجلياته تعانقُ روحين يغذّي أحدهما الآخر. لا يسير التحادث وفق متتالية خطية منطقية بل وفق تدفُّق عفوي فطري وجداني. لا يمكن في التحادث التنبؤ كيف سينتهي. كل متجاور ينطق ويصغي دون تعصُّب. جوهر مشروع المجاورة هو التغذية. بذرة السبانخ حتى تنمو وتعطي، ضروري نرويها؛ حكاية شخص حتى تنمو وتعطي، ضروري نرويها. هذا ما نسعى له عبر دمج ما يجري بالنزهة وما يجري بالمبرة.