أقول دوما، أشعر بأني محظوظ لأني عشت معظم حياتي خارج دولة وطنية وخارج التنمية وكان أهم معلم في حياتي أمي الأمية، مما سهّل عليّ العيش وفق إنسانية متعافية من إملاءات مؤسسية مهنية أكاديمية. عدم وجود دولة وطنية حمانا من دخول البنك الدولي ومنظمات دولية أخرى. جدير بالذكر أن ما لم تستطع إسرائيل عمله بعساكرها استطاع البنك الدولي عمله: تدمير إنسانيتنا الجميلة ذات الجذور.
في هذه الخاطرة سأتكلم عن ‘إمبراطورين’ آخرين حجمتهما أمي. ألقى ‘لورنس سمرز’ رئيس جامعة هارفارد عام 2005 محاضرة حيث قال من الواضح أن النساء أقل ذكاء بالرياضيات والعلوم، والبرهان عدد النساء بجامعات النخبة اللواتي يدرّسن هذه المجالات. بعثتُ له إيميل أرفقت به مقالي عن رياضيات أمي الأمية (والذي نُشِرَ بمجلة في جامعته)، وذكرت أنه كأكاديمي من الصعب عليه كما يظهر أن يرى خارج أسوار الأكاديميا، وتحديتُه أن يجد بين أساتذة الرياضيات والهندسة المرموقين مَنْ يستطيع عمل ما كانت تعمله أمي. ذكرتُ أن معرفة الأكاديميين ترتبط بأبجدية ورموز ونظريات بينما معرفة أمي مرتبطة بعالم عصيٌّ أن تُدْرِكَه عقولٌ أبجدية قاصرة أن تعبر عنها.
أما الشخص الآخر فهو ‘باولو فريري’ حبيب قلبي وفكري، لكنه أمام أمي هو الآخر أخذ حجمه الحقيقي إذ اعتبر أن عدم القدرة على القراءة والكتابة يجعل الشخص ناقصا، هذا إلى جانب وَضْعِه سُلَّمًا لدرجات الوعي. عرفتُ وتحدثتُ مع فريري شخصيا، وحضرت معه مساقا ب‘كلية بوسطن’ صيف 1982. ذكرتُ له كيف أمي الأمية كانت تمتلك معارف بما في ذلك الرياضيات وأنها لم تكن ناقصة ولا يمكن وضع وعيها على سلّمه. هزّ رأسه ولم يقل شيئا. هذا لا يقلل مما قدّمه عبر أكثر من ربع قرن بمجال التعليم وما زال ملهما لملايين. دعوتُه لزيارة ‘بيرزيت’ (1986) لمدة شهر ورتبت الأمر مع د. برامكي لكن تأجّلت الزيارة بسبب وفاة زوجة فريري. في نهاية المطاف، لم تتم الزيارة لأن صحة فريري لم تسعفه.
في هذه الخاطرة سأذكر ثلاثة ‘أباطرة’ فكر حجّمتهم أمي في ذهني. أول مفكر غربي عشقته منذ المدرسة، واستمر حتى وعيتُ رياضيات أمي، هو ‘برتراند راسل’. عشقته بعلاقته بالمنطق وبمواقفه السياسية والاجتماعية، بما فيها القضية الفلسطينية. بعد وعيي لرياضيات أمي، تعجّبْتُ لأمرين: كيف لم ير رياضيات أناس حقيقيين كأمي، وكيف لم ير الخراب الذي سببته الرياضيات المهيمنة ودورَها في السيطرة والتمزيق.
ثاني نوع من أباطرة الفكر الذين أخذوا حجمهم الحقيقي هم ناشرو فيروس قياس الذكاء IQ المُسْتَعْمَل كسلاح للسيطرة على البشر، والذي وصل درجة مخزية عندما انبرى ‘علماء ذكاء’ وجامعات نخبة (بعد حصول السود على حق التصويت عام 1965) مثل آرثر جنسن بجامعة بيركلي (1968) الذي ‘برهن’ أن السود جينيا أقل ذكاء من البيض، ونشرت جامعة هارفارد بحثه (1969)! أما ‘الإمبراطور’ الثالث فهو ‘هوارد جاردنر’ صاحب نظرية الذكاءات المتعددة الذي ذهبتُ عام 2002 إلى مكتبه (والذي يبعد مكتبه 5 دقائق مشي من مكتبي) وحكيت له عن ذكاء أمي كخلطة خاصة لا يمكن قياسها ولا تصنيفها ولا مقارنتها مع أحد، وكيف أن ذكاءها يكمن بأصابعها التي نسجت بين مكوناتٍ متعددة، كما ذكرتُ له عبارة الإمام علي كمصدر قيمة المرء، يتضمن احتراما وتعددية عكس المقاييس والتصنيفات السائدة. شكرني لحضوري واعتذر لأنه تأخر عن حصة!
نتيجة وعيي لرياضيات أمي، بدأ عمالقة رياضيات ومنطق وتربية يأخذوا حجمهم الحقيقي بذهني. كانت أمي ركيزة رئيسية بحياتي حمتني من أوهام وخرافات حديثة. كانت أكبر داعم لي في مواجهتي لأباطرة فكر تعاملتُ معهم وكيف حجَّمَتْهُم في إدراكي لهم. أول قصة أود أن أذكرها كانت مع اللجنة المشرفة على رسالة الدكتوراه حيث تساءلوا حول أمرين: وَضْعُ أمي كمرجع معرفي، والأمر الثاني عدم وضوح المنهجية. كان ذلك عام 1984. بالنسبة للأمر الأول سأل أحدهم عما فعلَتْه له علاقة بالمعرفة. قلت: لا يمكن وضع معرفتها ضمن مفاهيم ونظريات مؤسسية كما لا يمكن التعبير عنها عبر لغة ورموز أكاديمية. أما بالنسبة للأمر الثاني المرتبط بالمنهجية (والذي ذكرته بخاطرة سابقة) فقلت: بل لا توجد منهجية؛ هي كلمة اخترعتوها على مقاسكم خدمت أغراضكم،لا أحتاج لها ولم أستعملها بحياتي. عندما نُشِر أول مقال عنها (Harvard Educational Review عام 1990)، 11 منظمة صهيونية ألغوا اشتراكهم. الأمر ليس سهلا عندما نسير ضد التيار، خاصة عندما نصطدم بالأصولية الأكاديمية إذ يتطلب الوضع عندها إلى جرأة ووضوح عاليين، أمّنًتْهُما لي أمي. أول خطوة جريئة بعد وعيي لها كان تصميمي مساقا لطلبة سنة أولى بكلية العلوم بجامعة بيرزيت (1979): ‘الرياضيات في الاتجاه الآخر’ بنَيْتُه على خبرتي في السبعينيات. كانت ‘بيرزيت’ لا تزال منفتحة ترحّب بما لا يصدر عن القبيلة الأورو-أمريكية. نتيجة وعيي لعالم أمي بدأت ادعاءات مبهرة تتهاوى وتتضح أنها أوهام وملهيات، وأنها عبارات ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة المعاشة. بدأ عمالقة في الفكر يأخذوا حجمهم الحقيقي بذهني، وبدأت تظهر مكان كل ذلك ‘الطبيعة الشافية’ التي تمثلت بحياة أمي. إيماني الراسخ – فكريا وعمليا – كان وما زال منذ 1967 خاصة منذ 1971 هو أن خلاص البشر يكمن بأفكار يمكن أن يسهم فيها كل شخص دون ورش عمل وتدريب.
إلى جانب معرفتها بالرياضيات، كانت أمي التي لم تعرف أبجدية ولا أرقام مدبرة لأمور البيت ومربية لنا أنا وأختَيَّ بطريقة لم أستطع أن أفعل مثلها مع أولادي رغم حصولي على دكتوراه بالتربية من جامعة تُعْتَبَر الأولى بالعالم! رغم كل الغنى بعالمها، يصفها ‘الخبراء’ بأمِّية جاهلة مهمشة تحتاج إلى تمكين. لا يرون ما تحسنه ولا الغنى الذي تجسّده بحياتها. معرفتها مرتبطة بالطبيعة الشافية التي تمثلت بحياتها. هي في الجوهر مصممة وفنانة. لم يكن مفهومها للتطابق كمفهومي حول تطابق مثلثات، بل كان تطابُقَ ملبس على جسم امرأة: دقة مرنة. دقة رياضياتي قاسية كالصخر. معرفتُها متداخلة متكاملة مرتبطة بسياق وفعل؛ انسجامٌ حيٌّ مستمر تعامَلَتْ معه كوحدة مترابطة، تماما كعلاقتها باللغة إذ لم تعِ أن الكلمات تتكوّن من حروف وأبجدية بل كانت كل كلمة بالنسبة لها بمثابة كائن حيٍّ كامل. لا يمكن قياس ذكائها عبر ‘فيروسات’ مثل IQ ولا عبر ‘ذكاءات متعددة’ كما صاغها ‘جاردنر’، ولا يمكن مقارنة ذكائها مع ذكاء إنسان آخر على خط عمودي.ذكاؤها خلطة خاصة بها. مثلٌ هنديٌّ يقول: ‘كل إنسان كامل بشكل فريد’. لهذا أجد عبارة الإمام علي ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ من أكثر الأقوال الملهمة الشافية لنا من فيروسات تدخل العقل والقلب والإدراك والعلاقات وتخرّبها؛ هي عبارة تجسّد كرامة ومساواة وتعددية ومسؤولية، كما تشفينا من مرض الشعور بفوقية ودونية. كانت تهضم معرفتها كما تهضم أكلها؛ فالاثنان لا يحدثا إلا داخل الشخص؛ تهضمهما فيصبحا جزءا عضويا منها. عدم وعيي لسنوات طويلة أن ما كانت تفعله رياضيات ما زال لغزا يحيرني. كيف كان ممكنا بسهولة السيطرة على عقلي حيث لم يستطع أن يرى ما تراه عينيّ؟ هذا يوضح دور الكلمات بإظهار شيء أو تغييبه. لم أره لأن أحدا لم يُشِرْ له برياضيات، إذ كان التركيز دوما على محو أميتها! عنوان ورقة قدّمْتُها باليونسكو عام 2002: كيف نمحو الأمية دون محو الأميين؟ برامج محو الأمية عادة تمحو معارف الناس وثقافاتهم وأنماط حياة مرتبطة بالطبيعة والحياة – خسارة كبيرة لا تُعَوَّض.
أول ما أودّ ذكره أني وُلِدْتُ بالقدس عام 1941، أي أننا جيل واحد، لكني أصغر منك بسنة.
يوم 11/ 12/ 1917 دخل الجنرال الانكليزي ‘اللنبي’ القدس، وخطب في قاعة ب‘باب الخليل’. أول جملة قالها (وفق ما ذكر بمذكراته ‘واصف جوهرية’ مسيحي موسيقي من القدس حضر اللقاء): ‘اليوم انتهت الحروب الصليبية’. كان يجب أن يكمل: ‘واليوم تبدأ حملة صليبية صهيونية جديدة’. كانت بلاد الشام زمن الحملة الصليبية الأولى (قبل 900 سنة) متنوعة الثقافات والأديان والمذاهب؛ نصف أهاليها من طوائف مسيحية متنوعة. كانت الحروب الصليبية وبالاً على مسيحيي بلاد الشام. الحملة الصليبية-الصهيونية التي بدأت عام 1917 كانت أكثر وبالاً وبمباركة عصبة الأمم ثم هيئة الأمم. عند دخول جنرال اللنبي كانت نسبة المسيحيين بفلسطين تقارب خُمْس السكان. اليوم لا تزيد عن 2% (عدد المسيحيين العرب حاليا بالقدس يقارب 3 آلاف، وَهُم بتناقُص). لم يحدث هذا بسبب حركات إسلامية بل بتصميم وتخطيط من بريطانيا ‘المسيحية’ الذي أدى إلى جريمة 1948، وما زالت الجريمة مستمرة من حيث هدم بيوت وسرقة أراضٍ وقتل بشر.
وُلِدْتُ بالبيت الذي بَنَتْه أمي وأخواتها الثلاثة عبر الخياطة عشرين سنة. اضطرت أمي للعمل بعمر 12 سنة إذ توفيت أمها وكان أبوها ضريرا. هيّأَتْ بريطانيا للصهاينة طرد العرب، مسلمين ومسيحيين، كنت أحدهم. كان عمري 7 سنوات. زوجتي وأولادي ممنوعين من العيش معي بفلسطين. ما زال البيت الذي ولدتُ فيه قائما تحتله عائلة يهودية جاءت من أوروبا منذ 72 سنة دون أي شعور، كما يظهر، بأنها تقترف جريمة حيث سرقت بيتا بَنَتْه أربع نساء عبر خياطة ملابس على مدى عشرين عاما! أَخْرَج ‘أحمد الضامن’ عام 2012 فلمًا عن 5 أشخاص (أنا أحدهم) هُجِّرنا من القدس عام 1948. عُرِضَ بقناة الجزيرة. صمم ابن خال أبي (سابا شبر) مدينة الكويت عام 1952. وكان لعائلة أمي ‘سنجق’ بكنيسة القيامة؛ كانت عائلتها ترافق بطرك القدس بالأعياد والاحتفالات الدينية. حاليا، أنا الذكَرُ الوحيد من عائلة ‘فاشه’ بفلسطين. لي أخت وابنة عم تحملان اسم فاشه. بموتنا نحن الثلاثة ينتهي وجود العائلة بفلسطين. تعرَّفْتُ على المسيح ليس عبر بطاركة وحملة دكتوراه باللاهوت بل عبر أمي الخياطة التي لم تعرف الأبجدية لكن المسيح كان يسكن قلبها، كما كان يسكن قلب أبي – سائق تاكسي هرب من المدرسة بالصف الرابع حين مشى المدرس نحو درجه قاصدا ضربه. عندما رأى المسيح الفلسطيني ما يفعله التجار والمرابون بأهالي القدس لم يقف على الحياد بل حمل سوطا وطردهم من بيت الله (عملٌ يشبه طرد البنوك المهيمنة ببلاد الشام اليوم). أتمنى عليك غبطة البطريرك أن لا تضع يدك بأيدي الصليبيين الجدد وإلا سينتهي وجود المسيحيين كليا من بلاد الشام مهد المسيحية. ستبقى كنائسنا أبنية حزينة فاقدة لأهلها. وَضْعُنا السيء كمسيحيين ببلاد الشام من صنع الصليبيين الجدد الذين أفهم من كلامك أنك تحتضنهم. آمل أن تسير طريق المسيح قبل ألفي سنة. الفرق بين شخص وآخر لا يكمن في التصنيف السطحي: مسيحي، مسلم، يهودي، كنفوشي، بوذي، متدين، علماني، ماركسي، تقدمي، رجعي، خبير، دكتور، باحث بل فيما إذا كان الشخص مع ‘جورج فلويد’ المدعوس عليه أو مع الشرطي الداعس على رقبته. المسيح الفلسطيني مع ‘جورج فلويد’؛ المسيح الذي اختطفته أوروبا وجعلته خادما للإمبراطور مع الداعس على رقبته.
معلومة أخيرة تنطبق على أشخاص قليلين جدا: البيت الذي وُلِدْتُ فيه يقع في منتصف الطريق بين مهد المسيح وقبره. من ذلك البيت يمكنني أن أصل إلى المكانين مشيا على الأقدام. أرفق صورة لموقع البيت وموقع المغارة وموقع القبر.
روبة اللبن الطبيعية تعيش أبد الدهر؛ قدرة طبيعية لتوليد الذات؛ تولّد ذاتها دون كلل، وتجسّد معنى الاستدامة الحقيقية. تعبير “التنمية المستدامة” الشائع ينطبق على ما هو مخرِّب. ما نمى باستدامة عبر القرون الثلاثة الماضية: الأسلحة؛ تخريب الحياة في الجوهر (كتخريب الجينات)؛ والنمو الأسي لرأس المال (ما يشار له بالربح المركب في كتب الرياضيات المدرسية، وفي رأيي هو المخرِّب الخفي الأكبر للحياة). وجه الشبه بين روبة اللبن وخميرة العجين والنباتات البرية والتعلم وروح الضيافة والمجاورة وتكوين معنى يكمن بأن جميعها بطبيعتها تولّد ذاتها دون الحاجة لمؤسسات ومهنيين وميزانيات. أي تخريب لأيٍّ منها هو جريمة ضد الحياة. التنمية المستدامة المدمِّرة هي نقيض روبة اللبن الخالدة. عمل لبن فنٌّ في طريقه للاندثار أمام ما هو مصنّع، تماما مثل التعلم كقدرة عضوية في طريقها للاندثار عبر التدريس.
في عملي مع المدارس خلال عقد السبعينيات (أي قبل أكثر من 40 سنة) كنت أحمل قلم رصاص وأسأل الأطفال: كم قلمًا بيدي؟ يقولون بكل ثقة: قلم واحد؟ أسأل: متأكدين؟ يقولوا نعم. أكسر القلم وأشحذ طرف مكسور ثم أسأل: كم قلم ترون؟ اثنان. أقول قبل دقيقة كنتم متأكدين أني أحمل قلم واحد، ماذا حصل؟ يقولون: ممكن تكوين 5 أقلام أو حتى عشرة أقلام صغيرة. أقول: بالكتب المقررة يوجد دائما جواب واحد صحيح بغض النظر عن سياق وفعل وتدخلنا فيه. الإنسان فاعل وليس فقط مُستَقْبِل. المعرفة والإجابات والمعاني مرتبطة دوما بسياق وأفعال وبشر يتعاملون معها وليست حقائق منفصلة عن كل هؤلاء.
نبهتني ‘ريف فاخوري’ إلى ما جاء في أحد هوامش كتاب ‘المسيحية بين العرب’ ل‘منذر حدادين’ يحكي ملاقاته مع ‘دانيال بلسْ’ حفيد ‘دانيال بْلِسْ’ الذي أنشأ الجامعة الأمريكية في بيروت قبل ذلك بمائة سنة. كتب ‘منذر’: “كان لي لقاء مع دانيال بلس الحفيد في جامعة واشنطن بمدينة سياتل الأمريكية عام 1968، ومما ذكره لي أن جده ‘دانيال بلس’ بدأ العمل بالتبشير في لبنان في الأربعينيات. ثم عاد إلى الولايات المتحدة عام 1857 وأبلغ المشرفين في كنيسته أن مهمة التبشير في تلك البلاد التي يعرف أهلها الله والديانات، مهمة صعبة وأنه يخشى أن يتحول العاملون معه إلى الإسلام واقترح عليهم تأسيس كلية لأن ليس هناك أية كلية. وافق المجلس وجُمِعَتْ تبرعات؛ تمكنت بعثة ‘بلس’ من شراء قطعة أرض؛ والبدء بالبناء”. ما كتبه ‘منذر’ جعلني ألاحظ وجه الشبه المذهل في المنطق الخفي بين التبشير بالدين والتبشير بالأكاديميا. كنتُ ضحية الاثنين: دين ورياضيات. انطلق بْلِسْ بالمجالين من أنه يمتلك الحقيقة الأحادية العالمية وأن واجبه فرضها علينا دون أن يعرف اسمنا وثقافاتنا؛ أطلق علينا natives! ادعاء امتلاك الحقيقة وفرضها علينا ببلطجة ناعمة عبر ‘مستوطنات معرفية’ (مدارس وجامعات) هو ادعاءٌ يشكّل الفيروس الأخطر على صعيد الفكر والإدراك وقيمة الإنسان والتعلُّم كقدرة عضوية، إذ يغيّب حقيقة أن كل إنسان مصدر معنى ومعرفة وفهم – فيروس عميق جدا ما زال ينهش فينا ويهزمنا من الداخل. جدير ذكر ما قاله ‘بْلِسْ’ الجدّ في حفلٍ افتتاح “College Hall “ يوم 7 /12 / 1871:
“…it will be impossible for anyone to continue with us long, without knowing what we believe to be the truth and our reasons for that belief”.
بالعربية:
” سيكون من المستحيل على أي شخص أن يستمر معنا لفترة طويلة، دون معرفة ما نعتقد أنه الحقيقة وأسباب هذا الاعتقاد.”
مقابل ادعاء الحقيقة سَلَكَ العرب وأممٌ أخرى طريق الحكمة. اسم أول جامعة عربية ‘بيت الحكمة’ ببغداد. ضروري التوقُّف هنا والتأمُّل بالفرق بين ادعاء الحقيقة والعيش بحكمة. الحكمة تتضمن سعة صدر ورحابة فكر وتعدُّد معنى وجدْل نسيج بين البشر والثقافات ومع الطبيعة والحضارة. ادعاء امتلاك الحقيقة الأحادية العالمية يتوافق مع قيمتي السيطرة والفوز اللتين تؤديان بالضرورة إلى تمزيق العالم داخل الإنسان وتمزيق النسيج المجتمعي وسحق الروح والوجدان وتبرير استعباد الآخرين. كتَبَ ‘غرامشي’ قبل مائة سنة أن جوهر الهيمنة يكمن في إيمان المُهَيْمَن عليه بالتفوق الذهني والأخلاقي للمُهَيْمِن، وهذا ما لم ينجح فيه ‘بلس’ عبر الدين لكنه نجح نجاحا باهرا بمجال المعرفة. أُصِبْتُ بهذا الفيروس في مجال الرياضيات ونقلتُه إلى طلبتي دون وعيٍ مني، إذ كنت أعتقد أني أفعل خيرا. لا شيء أعمق من غزو العقل والقضاء على مناعته وفتح الباب على مصراعيه أمام غزوات على أصعدة أخرى. غزو العقل الذي لا ترافقه حكمة يحوّلنا إلى عبيد ‘مضبوعين’ نردد ‘حاضر يابا’ كما بالحكاية الشعبية أن الضبع حيوان مفترس لئيم قذر، يضبع فريسته حينما يصادف شخصاً جباناً فيبوّل على ذيله ويرشقه ببوله، فيُذْهَل ذلك الشخص ويفقد عقله ويسير خلف الضبع ظناً منه أنه أبوه ويلحق به إلى وكره حيث يجهز الضبع عليه ويفتك به فريسة سهلة. سرنا وراء ‘بلس’ فريسة سهلة منذ 150 سنة، لم نفق منها بعد. كانت هناك محاولتان في فلسطين لإيقاذنا من هذا السبات والخداع، كان الأول خليل السكاكيني الذي حذّر عام 1896 وهو بعمر 18 سنة أن التعليم الذي أحضرته الجاليات الغربية هو احتذاء بحذاء الغير وهو إذلال. أما المصدر الثاني الذي حذّرنا من السير وراء ضبع العقول فكان فلاحو فلسطين الذين دعوا للقاء بيافا عام 1929 انتقدوا فيه التعليم الذي ينشره الاحتلال الانكليزي بقرى فلسطين: تمزيقٌ للعلاقات داخل العائلة ومع الأرض. (كالعادة، ضروري التمييز بين معارف تتعلق بالحياة ومعارف تقنية؛ أتكلم هنا عن الأولى). ما فَعَلَه ‘بلس’ بكل هدوء احتقار وتغييب ما لدينا من معارف وثقافات تتوافق مع الطبيعة الشافية والعيش بحكمة واستبدالها بعلوم تُخْضِع الطبيعة وتخلخل أسسها. لهذا أشير للمؤسسات التي نشرها الغرب عندنا ‘مستوطنات معرفية’ فمنطقها الخفي هو منطق المستوطنات الإسرائيلية التي تحيطني من كل جانب برام الله. جدير بالذكر أن ادعاء بلس امتلاك الحقيقة يتوافق مع شعار هارفارد VERITAS (تعني الحقيقة). ادعاء الحقيقة وتغييب الحكمة هو الفيروس. أخيرا أود ذكر قولين كتوضيح لبعض ما جاء بأعلاه:
AUB President Fadlo Khuri in his inauguration speech (Jan. 2016) stressed that the legacy of Daniel Bliss lives on: “One thing has not changed since Daniel Bliss founded AUB in 1866: we are determined to make an impact – on knowledge, and on society”.
بالعربية:
“أكد رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، فضلو خوري، في خطابه الافتتاحي (كانون الثاني / يناير 2016) أن إرث دانيال بلس لا يزال قائماً: “لم يتغير شيء واحد منذ أن أسس دانيال بلس الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866: نحن مصممون على إحداث تأثير – على المعرفة وعلى المجتمع.”
أما القول الثاني فجاء على لسان أهم مؤرخ فلسطيني، وليد الخالدي، في خطاب التخرج في الجامعة عام 2010: “منذ نحو 145 سنة، رست في ميناء بيروتسفينة… كان على متنها مجموعة غير عادية من الرجال جاؤوا حاملين معهم جوهر ما في القيم الفضلى من بلادهم البعيدة: نزاهة القصد والتزام الخدمةواستقامة في التعامل مع الغير وطاقة لا تنضب وتفاؤل لا يكل”!