لا رديف لكلمة ’اجتهاد‘ بالانكليزية (ولا أعتقد بأي لغة أوروبية). ’اجتهاد‘ كلمة جوهرية في ديقراطية المعنى والتي تكوّن أعمق أنواع الديمقراطية، وترتكز على القناعة بأن كل إنسان مصدر معنى وفهم. فكما لكل شخص حق بإدلاء صوته، له حق ب’إدلاء‘ معناه. في هذا السياق، يشكل ما يحسنه المرء ديمقراطية قيمته، ومعرفة قدْره وحكم ذاته ديمقراطية كرامته. لتكن إذن لغتنا بيانا وتبيينا. وهذا يتم بالدرجة الأولى عبر قصص تحكي ما تكوَّن لدينا من معنى وفهم نتيجة تأمُّلٍ واجتهاد. تشكل الحكايات جوهر هذه الديمقراطيات. استغلال كل فرصة لسؤال الأطفال عن معان لكلمات يستعملوها أو يسمعوها هو فِعْلٌ من أهم ما يمكن أن نفعله، وممكن ضمن كل الظروف. ديمقراطية المعنى (عبر كل إنسان مصدر معنى)، وديمقراطية بنية المجتمع (عبر تكوين مجاورات)، وديمقراطية قيمة المرء (ما يحسنه)، وديمقراطية الكرامة وديمقراطية حكم الذات وديمقراطية الفعل.
حث الطلبة على كتابة سِيَر حياتهم دون استعمال كلمات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية. مثل هذه السير الذاتية تكوِّن الساق الثابتة التي بدونها يكون الشخص كورقة شجر في مهب الرياح. لنتذكّر قول الرومي أن حياة المرء ترتكز كالفرجار على قدمين: قدم ثابتة وقدم دوّارة. المدنية المهيمنة تنتزع الإنسان بحيث يفقد رجله الثابتة ويصبح معرضاً للضياع والتوهان.
قولٌ آخر للرومي: ’كنت بالأمس ذكيا أريد أن أغير العالم، اليوم أنا حكيم أسعى لتغيير نفسي‘. أعود هنا لجامعة هارفارد التي ترفع ’الحقيقة‘ شعارا لها وحيث ترفع كلية التربية فيها شعار ’تعلَّم لتغيّر العالم‘ وتهمل تماما تهذيب الذات سوى ما يتعلق بمهارات تجعل الشخص بمثابة سلعة أعلى سعرا في السوق.
أمثلة (ذكرتُ بعضها بخواطر سابقة) توضّح الفرق بين الأفكار والأفعال التي تنتمي للأغصان وبين ما تنتمي للجذور: بحث بمعنى research ينتمي للأغصان، بحث بمعنى search ينتمي للجذور؛ البصر للأغصان، البصيرة للجذور؛ منهجية للأغصان، تأمل واجتهاد للجذور؛ ديمقراطية التصويت للأغصان، ديمقراطية المعنى عبر تأمل واجتهاد للجذور؛ المؤسسة للأغصان، المجاورة للجذور؛ مواطنون للأغصان، أهالي للجذور؛ اللغة الأم (لغة المؤسسات) للأغصان، لغة الأم (اللغة الحيّة) للجذور؛ الآخر للأغصان، المثنى للجذور؛ صحة للأغصان، عافية للجذور؛ مجتمع مدني للأغصان، مجتمع أهالي للجذور؛ علم للأغصان، حكمة للجذور؛ مدنية للأغصان، حضارة للجذور؛ نقد وتحليل للأغصان، تأمل واجتهاد للجذور؛ جدَل للأغصان، جدْل للجذور؛ محاورة للأغصان، مجاورة للجذور؛ محاورة للأغصان، مجاورة للجذور؛ أهداف للأغصان، رؤية للجذور.
قولٌ للإمام عليّ (ذكرتُه بخاطرة سابقة): ’ما هَلَكَ امرؤٌ عَرَفَ قَدْرَ نفسه‘. معرفة الذات أساس كل المعارف. لذا، أول وأهم ما يمكن أن يعمله المرء كأساس، في الجذور، معرفة الذات ليس عبر CV بل عكسها تماما، إذ CV تغيِّب الشخص كليا وتتعامل معه كسلعة بعالم الاستهلاك. السيرة الذاتية في الحياة بمعناها الحرفي بالعربية تحكي عن الشخص عبر كلمات تستمد معانيها من الحياة. يقول النفري: ’إعرف من أنت فمعرفتُك من أنت هي قاعدتك التي لا تنهدم وهي سكينتك التيلا تزلّ‘. معرفة الذات أساس وجوهر المناعة، وبالتالي ترتبط بالضرورة بأنواع التربة التي يتغذى منها الإنسان ويغذيها (التي ذكرتُها بخواطر سابقة). تشكل التغذية المتبادلة بين الإنسان والأتربة جوهر الرؤية التي يمكن السير وفقها منذ هذه اللحظة، عكس الأهداف التي تمثّل ما نسعى لتحقيقه في المستقبل. في هذه التغذية المتبادلة تكمن الحكمة والعافية والمسؤولية والتعددية. أفضل إطار لمعرفة الذات والعيش وفق الأتربة الأربعة هي المجاورة… هذه الحقائق الساطعة مغيبة عبر لغة رسمية (لغة كتب مقررة وأكاديمية ومؤسسية عامة) تلهينا عن رؤية الواقع. تخريب وتلويث هذه الأتربة هو سبب التخريب والأمراض والأزمات التي نعيشها ونشهدها حول العالم. بدأ التخريب – بالتصميم – بالعقول عبر كلمات ميتافيزيقية ومقاييس عمودية لا علاقة لها بالحياة، أخطرها وأكثرها خفاء وخداعًا اللغة الأم (لغة مصنعة احتاجت لها دول قومية بدأت تتكون بأوروبا). اللغة الأم نقيض لغة الأم، لغة البيان والبيين، أول لغة حية يتعلمها الطفل تليها لغة التحادث والأدب. اللغة الحية تشمل لغة القلب والعيون وحركات الأيدي كما تشمل قصصا ومعاني تتكون عبر تأمل واجتهاد. معرفة الذات تشمل معرفة ماذا يحسنه الشخص وماذا يبحث عنه بحياته (التي جميعا تتناقض مع التقييم العمودي).
النطق كرم والإصغاء ضيافة… في عالم ينتشر فيه التواصل عبر أجهزة إلكترونية بشكل كثيف ومتسارع، يشكل النطق والإصغاء (عبر التحدث مثلا) أهم ما يمكن أن يشجعه ويوفره الأهل لأطفالهم – هو أمرٌ متوفر ضمن كل الظروف.
الاهتمام بثلاثة أمور في التعلم (منذ الصغر): التأكيد على أن كل شخص مصدر معنى؛ تجنُّب إعطاء أي شيء للأطفال بدون معنى؛ إبراز تعدُّد المعنى باستمرار عبر التأكيد على أن كل إنسان مصدر معنى. ممارسة هذه الأمور تحمينا من أخطر فيروسات القبيلة الأورو-أمريكية: الادعاء بأن معرفتها ومعانيها أحادية عالمية والتي يحكمها أكاديميون مرخصون وخبراء مرموقون هدفهم إقناع الناس بأن الماضي متخلف وولى زمانه… ويطمسون حقيقة أن الغنى باللغة العربية –كمًّا ومعنىً – مذهل.
لخّص السكاكيني قبل 125 سنة العلة بالتعليم في كتاب بعنوان ’الاحتذاء بحذاء الغير‘. ما زلنا نحتذي بحذاء الغير، لكن الحذاء صار أكبر وفوق رؤوسنا، ويتحكم بشتى نواحي حياتنا. آن الأوان أن نخلع أحذية فُرِضَت علينا، لبسناها قسرا أو خبثاً، وأن نمشي حفاة لتلمس أخمص أقدامنا روح الأرض حيث يسري سحر الطبيعة في أجسادنا وينعش كل شيء فينا. ما حدث فعلا:
شلحنا ثوب ’ابن سينا‘ الذي تَمثَّل مفهومُه للعلم بالطبيعة الشافية، ولبسنا حذاء ’فرانسيس بيكن‘ الذي تمثَّلَ مفهومُه للعلم بقهر الطبيعة وإخضاعها وخلخلة أسسها.
شلحنا ثوب الحكمة (والذي تمثّل في بيت الحكمة ببغداد قبل 1200 سنة)، ولبسنا حذاء الحقيقة (يتمثل بشعار جامعة ’هارفارد‘). ادعاء أي طرف بأنه يملك الحقيقة الأحادية العالمية، ويملك أدوات لفرضها، هو الفيروس الأخطر على البشرية. الطرف الوحيد الذي استطاع أن يفرض حقيقته على العالم كانت القبيلة الأوروبية (أستعمل ’قبيلة‘ للتأكيد أنها ليست عالمية) عبر مستوطنات معرفية، أدواتُها التعليم الرسمي والأكاديمي، وبوجهٍ خاص عبر رياضيات وعلوم تلك القبيلة.
شلحنا ثوب السيرة الذاتية، ولبسنا ال CV.
شلحنا ثوب ’لغة الأم‘ (اللغة الحية) ولبسنا حذاء ’اللغة الأم‘ (لغة مصنّعة على مقاس الدولة القومية) التي تمثّل أيضا أحد أخطر الفيروسات وأكثرهم خفاء، حيث تخدعنا وتجعلنا نتغنى بها ونحتضنها وندعو لها بطول العمر!
شلحنا ثوب المشي بالجبال والوديان والينابيع والقرى (كما خبرته بمدرسة ’أبو ريا‘ تلميذ السكاكيني)، ولبسنا حذاء الجلوس على قفانا ساعات طويلة كل يوم… تصوروا لو ما زال المشي بمدارس بلاد الشام جزءًا أساسيًا من المنهاج!
شلحنا ثوب التعلم كقدرة عضوية موجودة فينا منذ الولادة، ولبسنا حذاء التعليم الذي دعس على التعلم وجعله عبدًا له.
شلحنا ثوب لغاتنا الحية الغنية المليئة بالحكمة والجمال وتعدد المعنى، ولبسنا فكرا أحاديا عالميا لا يسمح بالتعدد ويغيِّب كل مختلف.
بعثتُ عام 2010 (كما ذكرتُ بخاطرة سابقة) باقتراح للجامعات الفلسطينية لإنشاء كلية حكمة لعشرة طلبة فقط في جامعاتهم. لكن ظاهرة ’الاحتذاء بحذاء الغير‘ ما زالت الحاكم الأعلى فلم أسمع منهم! الشخص الوحيد الذي رأى أهمية الموضوع كانت ’نبال ثوابته‘ محررة جريدة ’الحال‘ بجامعة بيرزيت ونشرته يوم 1/ 2/ 2011. تصوروا لو بدأنا قبل 10 سنوات، لكان لدينا الآن مئات يشكلون قاعدة تنتزعنا من الموت السريري للعقول، ونبدأ بجدل ثوب الحكمة مرة أخرى!
اقترح ’جون دانيال‘ عام 2002 (كنائب المدير العام للتعليم باليونسكو) McDonaldization of education حيث يتم وضع المعرفة ضمن ‘ساندويشات’ معرفية وإعطائها جاهزة للطلبة، تماما كما يتم فعله في مطاعم ماكدونالد بالنسبة للمأكولات. واستعدّت جامعة MIT قرب بوسطن انتاج مثل هذه المواد. أكثر ما يخيف الذين يسعون للسيطرة على عقول الناس هو قيام الناس بقراءة كتب من اختيارهم، عادة كتب بمثابة بيان وتبيين. لا نستطيع حماية الأطفال كليا من مواد معرفية مصنعة جاهزة سريعة (تماما كما يحدث بالنسبة للمأكولات) لكن من الضروري حثّهم على تجنب أن تكون مرجعا فكريا معرفيا لهم. تجمّع عدد منا على صعيد عالمي ونشرنا في آب/ أغسطس 2003 ردودا لما اقترحه جون دايال يمكن إيجادها على الرابط التالي:
جدير بالذكر أن ’جون دانيال‘ أُعْطِيَ لقب Sir في بريطانيا، كما حصل على ميداليات و32 شهادة/ درجة فخرية من جامعات في 17 دولة! كل ما أستطيع قوله في هذا المضمار: أعوذ بالله من وصول أمثال ’جون دانيال‘ إلى بلادنا… إنه السميع المجيب.
سُؤِلَ مكسيكي: أنتم قريبين جدا من الولايات المتحدة لماذا لا تتعلموا منهم كيف تكونوا ناجحين مثلهم؟ ردّ المكسيكي: فكّرنا في الموضوع وبدأنا نفتش عن قارات نقضي على شعوبها ونسرق خيراتها، وجدناها كلها مسروقة. الطريق في هذا الاتجاه مسدود.