إذا لاحظت أولادك يتعاطون كتبا مقررة بكثرة أو مأكولات سريعة أو علاقات مريضة أو يسعون نحو مكاسب رمزية… خذهم إلى الطبيعة، إلعب معهم، اطبخ معهم، إزرع معهم… غنوا معا، أرقصوا معا، إحكوا حكايات… خذهم إلى مكتبة أو مكان يبيع كتبا عبارة عن بيان وتبيين… احميهم من سطوة كتب مقررة لغتها صنمية فاقدة للحياة والمعنى، ومن سطوة مأكولات ضارة، ومن مقاييس خبيثة مُحَقِّرة، ومن السعي وراء رموز ضحلة مزيفة (خاصة من سطوة كلمات ومصطلحات وتصنيفات تبدو براقة لكن السموم تعشش فيها كتميز وتفوق ونخبة وتمكين وتقدُّم وتطوير وخدمة ومساعدة تتوافق جميعا مع فكر أحادي عالمي ومن منطلق فيه فوقية – أي ليس تبادليا). إحمِ الأتربة التي تغذيهم وتتغذى منهم. نحتاج لمؤسسات بأمور محدودة، مثل ما يتعلق بتكنولوجيا ومهارات ومعارف تقنية ونواحٍ كتنظيم السير بالمدن أو عندما يختل شيء بحياتك. تعامل مع علوم القبيلة الأورو-أمريكية بحذر وحكمة. إحمِ مركز ثِقَلِكَ كإنسان (وكذلك مركز ثقل كلٍّ من أولادك). عدم معرفتك لقدْر نفسك، يصبح مركزُ ثِقَلِكَ وَهْمًا كإنسان، مما يخلق أمراضا عقلية ونفسية وجسدية وإدراكية ووجدانية. ادعاء أحادية وعالمية المعنى والوسيط هو فيروس على صعيد العقل أخطر من كورونا على صعيد الجسد. ربما ينجح المرء بعالم الاستهلاك، لكن يعيش كعبد دون أن يعي ذلك؛ تتقاذفه الرياح دون أن تكون له رِجْلٌ ثابتة بالحياة. قول الإمام علي هام جدا في هذا المضمار: ’ما هلك امرؤٌ عرف قدْرَ نفسه‘ (وأود أن أضيف: ’ما هلك مجتمعٌ أو ثقافة أو أمة عرَفَت قدر نفسها‘).
أود بخاطرة اليوم أن أكتب من فلسطين (بعد غياب أكثر من تسعة أشهر عنها)، أكتب عن ’واحة‘ صغيرة بوسط رام الله خَلَقَتْها شابات وشبان في ’خلطة‘ تضم الملتقى التربوي العربي ومجموعة تجوال ومجموعة حكايا؛ واحة أستطيع أن أصف جوّها (كما أصف دوما جو النساء في مركز الأميرة بسمة بحي النزهة بعمان) بأنه مليء بالعافية وروح الضيافة والأمل والانغماس بأتربة يتغذوا منها ويغذوها؛ جو متعافي من أمراض حديثة ترتبط بمأسسة الحياة ونمط الاستهلاك وهمجية المدنية المهيمنة. رغم أنهم ’مؤسسة‘ إلا أن ذلك على صعيد الأغصان، أما في الجذور فَهُم أقرب إلى كونهم مجاورات تنبض بالحياة والحيوية. شاركتُ في 4 لقاءات حتى الآن (28/ 12) شعرتُ فيها كأني أغطس في مياه بحر دافئة منعشة مغذية للقلب والعقل والروح والوجدان. إلى جانب روح المجاورة الحية بهذه الواحة، والعافية كقيمة أساسية فيها، هناك شعور بمسؤولية واحترام تعدد المعنى والوسيط، واعتبار ذلك من أهم ما يميز العافية الفكرية-الاجتماعية. روح الضيافة تتمثّل بشعور الزائر بأمان يدخل ويشارك ببيانٍ يبين ما بداخله دون خوف ودون قوانين تحكمه سوى الصدق. جوٌّ قريب من الجو الذي وصفه الرومي: ’ما بعد الصواب والخطأ يوجد حقل؛ لنلتقي هناك‘. شعرتُ بنشوة غامرة تملأ قلبي وروحي. فشكرا لجميع من ساهموا بتكوين هذه الواحة الجميلة بوسط رام الله التي يحكم الاستهلاكُ أغلبَها. لا يعيشون بالواحة على ’بربوزال‘ في تمويل ما يقومون به بل مشاركة جماعية ممن يستعملون المكان. لم أشعر خلال اللقاءات بشيء يعكس تراتبية، أو قولٍ فيه زيف. جو خلقوه بأنفسهم، أراه طريق المستقبل. هو ليس نسخة عن أحد وليس نموذجا، فالنموذج شيء ميت لا حياة فيه. كونوه كمتجاورين وفق انتباهٍ شديد للواقع، وساروا معه كوليد، عبر خبرات وتأمل واجتهاد… إلى جانب كل هذا، هناك نشاطات متنوعة يتم فيها اكتساب مهارات محددة يُتَّفَق عليها بين مريدين ومرادين.
من بين الكلمات المستوردة حديثا ‘تنمية مستدامة’؛ تعبيرٌ يتناقض مع الطبيعة والحياة. لا توجد ناحية في الحياة تنمو باستدامة. الاستدامة في الحياة ترتبط بدورة الحياة، لا في التنمية. الأمثلة الوحيدة على تنمية مستدامة ترتبط بتخريب الحياة. ما نما باستدامة خلال ال 200 سنة الفائتة: الأسلحة؛ تخريب الحياة في الجوهر (كالهواء والماء والتربة)؛ التراكم الأسي لرأس المال (جدير بالذكر أن تنمية رأس المال تطلبت نمو أسلحة وتخريب الحياة، فهما مصدرين أساسيين لتراكم رأس المال بشكل أسي).
لا رديف لكلمة ’اجتهاد‘ بالانكليزية (ولا أعتقد بأي لغة أوروبية). ’اجتهاد‘ كلمة جوهرية في ديقراطية المعنى والتي تكوّن أعمق أنواع الديمقراطية، وترتكز على القناعة بأن كل إنسان مصدر معنى وفهم. فكما لكل شخص حق بإدلاء صوته، له حق ب’إدلاء‘ معناه. في هذا السياق، يشكل ما يحسنه المرء ديمقراطية قيمته، ومعرفة قدْره وحكم ذاته ديمقراطية كرامته. لتكن إذن لغتنا بيانا وتبيينا. وهذا يتم بالدرجة الأولى عبر قصص تحكي ما تكوَّن لدينا من معنى وفهم نتيجة تأمُّلٍ واجتهاد. تشكل الحكايات جوهر هذه الديمقراطيات. استغلال كل فرصة لسؤال الأطفال عن معان لكلمات يستعملوها أو يسمعوها هو فِعْلٌ من أهم ما يمكن أن نفعله، وممكن ضمن كل الظروف. ديمقراطية المعنى (عبر كل إنسان مصدر معنى)، وديمقراطية بنية المجتمع (عبر تكوين مجاورات)، وديمقراطية قيمة المرء (ما يحسنه)، وديمقراطية الكرامة وديمقراطية حكم الذات وديمقراطية الفعل.
ننظر إلى عقارب الساعة، نراها تسير بشكل دائري. ننظر إلى السنة، نراها تدور. ننظر إلى ساعة ديجيتال، نراها واقفة لكن الأرقام فيها تدور على نظام 24… إذن، ما معنى الوقت يسير إلى الأمام؟ ومن يستطيع أن يعطي مثال على ذلك؟ السؤال الأهم: لماذا انتشرت هذه الخرافة؟ تفسيري لها أن الهمّ الأكبر لأوروبا منذ 500 سنة إيهام العالم أن أوروبا متقدمة عن الجميع؛ هي في الأمام. نعم، متقدمة في اختراع أدوات وأجهزة. لكن بالنسبة للعيش بعافية وحكمة ووجود معنى في حياتهم، هم يعانون. نسبة الانتحار بالبلدان ‘المتقدمة’ أعلى بكثير؛ ومعدل استهلاك حبوب طبية في أمريكا يعادل الحبوب التي تستهلكها بقية الدول. وفق استبيان أجرته جريدة الكرستشن سينس مونيتر في بوسطن عام 1997 حول أكثر شاعر بيعت كتبه في أمريكا كان جلال الدين الرومي إذ يجدوا فيها حكمة مغيبة عندهم. لذا، أعتقد أن الهدف من نشر الخرافة هو لتماشيها مع فكرة أن أوروبا تسير أمام بقية العالم. دخلت هذه القناعة بعقول الكثيرين ومن بينهم عاصي الحلاني الذي يغنّي: ’الناس بتمشي لقدام واحنا نرجع لورا‘… والناس من حوله يصفقوا ويشوبشوا ويهللوا ويغنوا ويرقصوا!! الوقت ليس جزءا من الطبيعة؛ اخْتُرِع لتسهيل أمور البشر.
لو أحضرنا خمسة أصوليين مسلمين وخمسة أصوليين مسيحيين وخمسة أصوليين يهود وسألنا المجموعة الأولى: ماذا يعني الإسلام لك؟ والثانية، ماذا تعني المسيحية لك؟ والثالثة: ماذا تعني اليهودية لك؟ سنحصل بالأغلب، بكل حالة، على خمسة أجوبة مختلفة. بالمقابل لو أحضرنا خمسة أشخاص يحملون دكتوراه برياضيات القبيلة الأورو-أمريكية وسألناهم ماذا تعني الرياضيات لهم، سنحصل غالبا على إجابات متطابقة أو متقاربة جدا. ربما يعزو البعضُ أن التقاربَ بين الرياضيين يعكس أن الرياضيات عالمية حقًّا. الاعتقاد بأن هناك معنى أحاديا عالميا، أو مسارا أحاديا عالميا للتعلم والتقدم يمثّل برأيي أخطر فيروس على صعيد الفكر والمعرفة والإدراك. ربما يكفّر البعضُ البعضَ الآخر في الأديان لكن يقبلوا بالتعددية. بالرياضيات، التعددية غير واردة. لذا أرى أهمية قصوى للتمييز بين الأصولية بمعنى الاعتقاد بمسار أحادي عالمي، وبين الأصولية بمعناها الحرفي: العودة للأصول والجذور (شرط أخذ المعطيات الحالية بعين الاعتبار). عشتُ المعنيين للأصولية بمجال الرياضيات: عشت المعنى الفيروسي عبر الرياضيات والعلوم التي درستُها ودرَّسْتُها ونقلتُ الفيروس لطلبتي بنيّةٍ حسنة؛ وعشت المعنى الحرفي (العودة للأصول والجذور) عبر وعيي لرياضيات أمي الأمية عام 1976 [أكثر قصة حكيتها عبر 4 عقود، وسأحكيها بإحدى خواطر هذه السلسلة.] وعيي لرياضيات أمي وضّح لي المعنيين لكلمة أصولية، كما مَنَحَني معنى قويا لكلمة تعددية. بدأَتْ رحلتي من أصولية الفكر الأحادي العالمي نتيجة حرب 1967 نحو أصولية بمعنى نحو الجذور والأصول. باختصار، الأصولية المخربة التي نعيشها حاليا مصدرها الأيديولوجية المهيمنة وليس الدين؛ الأصولية الدينية التي نشهدها حاليا مصدرها هذه الأيديولوجية.
ادعاء شخص بأن ما يؤمن به هو الحقيقة المطلقة وأن الآخرين على خطأ لكن يرضى (رغم عدم موافقته) أن يؤمن آخرون بحقائق مختلفة وأن نصيبهم النار، يختلف جذريا عن الاعتقاد بوجود معرفة أحادية عالمية يملك أدوات لفرضها على كل الناس (كما هو الحال بالنسبة لرياضيات القبيلة المذكورة). تعريف ’فرانسيس بيكن‘ للعلم بأنه ’إخضاعُ الطبيعة وقهرُها وخلخلةُ أُسُسِها‘ والتزام العلماء بذلك بعده يمثل فيروسا خطيرا جدا مغلّفا بأغلفة براقة تدّعي الحيادية والعلمية والعالمية. كان العلم قبل ’بيكن‘ يعني السعي لفهم الطبيعة والحياة ليعيش وفقهما ويعالج ما يخربه البشر فيهما؛ أي يرتبط بالحكمة. ربط الأصولية بالدين حاليا هو لإلهائنا عن الأصولية المعرفية الأخطر والأكثر خفاء التي لا تسمح لغيرها بالوجود ضمن المنظومة المعرفية، وأيضا لتغييب المعنى الحرفي للأصولية: ارتباط بأصول وثقافة وقيم وسياق وفِعْل وتأمل واجتهاد. تشمل هذه الأصول، كما سبق وذكرت، حكمة وعافية وكرامة وأمل ومحبة وصبر وإيمان وتقوى وروح الضيافة.
مثالٌ يوضح أصولية رياضيات القبيلة يتعلق بتدريس منطق أرسطو الثنائي المتمثل بأن كل شيء إما هو ’أ‘ أو ’ليس أ‘ ولا يوجد بديل ثالث، والذي نستعمله بمعظم نواحي الحياة. نستعمله مثلا بامتحان التوجيهي إذ يخرج الطالب إما ناجح أو فاشل لا بديل ثالث. عشرات الألوف يجلسون كل سنة لامتحان التوجيهي بالرياضيات ويجيبون نفس الأجوبة بالتمام والكمال والتفاصيل، لا يحيد جوابٌ عن آخر قيد أنملة؛ أصولية لا مثيل لها بالتاريخ! المناهج حول العالم تركع سجودا لهذا المنطق. كذلك استعمله الرئيس ’بوش‘ في حربه ضد أفغانستان حين قال: ’إن لم تكونوا معنا فأنتم ضدنا‘ – لم يستطع تخيُّل بديل ثالث لأن الرياضيات التي درسها لا تسمح لبديل ثالث! بعد سنوات وعيتُ (كما سبق وذكرتُ) أن أصولية الرياضيات كانت بمثابة فيروس فكري دخل عقلي وعشش فيه سنوات ونقلتُه لمعظم الطلبة الذين درّستُهم، خاصة الأوائل منهم. أود أن أؤكد: الأصولية لا تكمن باعتقاد شخص أن ما يؤمن به هو حقيقة مطلقة ويكفِّر الآخرين، بل الاعتقاد بأن ما يؤمن به هو أحادي عالمي ولديه أدوات تغدق على الشخص حسنات أو تعاقبه – الآن وليس في الآخرة. بهذا المعنى كنت أصوليا، أداتي رياضيات القبيلة الأورو-أمريكية. يتمثل الفيروس في هذه الحالة بأفكارٍ ومقاييس لا معنى لها بالحياة. مثلا 1=1 صحيحة عندما لا ترتبط بمعنى وسياق وفِعْل (تُدْعى ‘رياضيات بحتة’). بالحياة، لا احد يؤمن بهذا. إذا ذهب شخص مثلا لشراء خضرة، يكون مختلا إذا استعمل 1=1 في اختيار ما يشتريه. لا توجد تفاحة في الواقع تساوي تفاحة أخرى. يتحسس بيديه كل تفاحة ويختار الأقرب لذوقه. الأماكن الوحيدة التي فيها 1=1 كتب مقررة ونواحٍ تقنية كأجهزة. نستعملها أيضا في التصويت بانتخابات مما يجعل من السهل التلاعب فيها نتيجة دعاية والمال المتوفر للمرشَّح. لذا أدعو إلى تجنُّب – قدر الإمكان – تدريس أي موضوع دون سياق ومعنى وفِعْل ودون تكوين صورة بالذهن. جدير بالذكر قبل أن أنهي أنني نتيجة وعيي لتعدد معنى رياضيات (على أصعدة شتى بدءا برياضيات أمي) صمّمتُ مساقا بالرياضيات لطلبة سنة أولى بكلية العلوم بجامعة بيرزيت عام 1979 أسميته‘ الرياضيات في الاتجاه الآخر’.
الفرق بين شخص وآخر لا يكمن في التصنيف (مسيحي، مسلم، يهودي، كنفوشي، بوذي، متدين، علماني، تقدمي، رجعي، خبير، دكتور، أكاديمي، باحث…) بل فيما إذا كان الشخص مع ’جورج فلويد‘ المدعوس عليه أو مع الداعس على رقبته. المسيح الفلسطيني مع’جورج فلويد‘؛ المسيح الذي اختطفته روما من بين الناس وجعلته خادما للامبراطور (’المسيح‘ الأوروبي-الأمريكي) مع الداعس على رقبة ’جورج فلويد‘. كذلك الحال بالنسبة للمسلم أو الماركسي أو أي شخص آخر: هل هو مع المدعوس عليه أو مع الداعس. صرخة ’الله أكبر‘ دعاء المدعوس عليهم وملاذهم (أمثال ’جورج فلويد‘).
تعلُّم خارج تربة ثقافية وتربة أرضية هو كطَيْر بلا جناحين. التعلم الوحيد الذي لا يرتبط بالضرورة بهاتين التربتين هو اكتساب معلومات ومهارات آلية ومعارف تقنية؛ اكتسابٌ يبقى بين الأغصان بأفضل الأحوال. لا أعني بالتربة الثقافية كسلع لها سعر بسوق الاستهلاك، بل ما يُدْخِل البهجة بالفكر والقلب والروح والوجدان والعلاقات. هذا ما فعله السود بأمريكا على مدى مائتي سنة من العبودية؛ كان ملاذهم وسر بقائهم وحيويتهم، حيث كانوا عندما يجتمعوا (بالبيوت والشوارع والكنائس) يحتفلوا بعضُهم مع بعض، ويغنوا ويأكلوا ويضحكوا ويلعبوا مع أطفالهم. وجودهم مع بعض كان مصدر عافيتهم وقدرتهم على الاستمرار رغم الاضطهاد الشنيع الذي يعيشوه يوميا. وأعني بالتربة الأرضية ما يغذي عافية الجسم. تصوروا لو بدلا من زجّ أنوف الطلبة في مواعين الكتب المقررة (المسمّى بالتعليم عن بعد) تحولت الأشهر الخمسة الفائتة إلى مجاورات فنية أدبية ثقافية معرفية روحية وجدانية زراعية؛ لو حدث هذا على الصعيد العربي بثقافاته المتنوعة الحيّة لأضافَ أبعادا غيّبَتْها المستوطنات المعرفية (مدارس وجامعات تحكمها قيم الفوز والسيطرة)، ولكانت المنطقة اليوم تعجّ بحيوية وأمل ولانتعشت العقول والقلوب والعلاقات والروح والوجدان. ما يشار له ببعض المدارس بفن وثقافة هي عادة بمثابة مهارات ومواضيع وليس تربة. التربة الثقافية تنشأ في تفاعل الناس بعضهم مع بعض ومع الطبيعة والحضارة بكل تنوعها. ما يعيق هذا الأمر أننا عبر مئة سنة على الأقل كنا ببغاوات نعيد ما يأتينا ’معلّبا ‘بكتب مقررة وأكاديمية تَرَكَّز سعيُنا فيها أن نكون نسخا واهية عن أصلٍ مخرِّب. لماذا نسمح لآخرين أن يعرّفونا؟ أسوأ ما يمكن أن يحدث لشخص أن يقبل بأن يُعَرَّف من مهنيين ومؤسسات ومقاييس. بقاؤنا يتطلّب انتزاع أنفسنا من الميوعة المعرفية واستعادة مقوماتنا وما فيه وفرة. كل مجتمع بدون استثناء له مقوماته وما يحتاجه. أي إضافات بعد ذلك، فليكن. تصوروا لو ملايين احتضنوا التربتين كغذاء ضمن مجاورات مكونة من مريدين ومرادين! هذا ما بدأنا به ب52 مركز بمؤسسة جُهُد بالأردن قبل الجائحة على مدى سنة ونصف. الثقافة والطبيعة الشافية هما مقوماتنا الأساسية – والباقي إضافة ضروري أن نستعملها بحكمة.
هذه الخاطرة هي عن النساء الذين عملتُ معهنّ بمخيم ‘شعفاط’. أود هنا أن أذكر دور الأمل في حياتهن. سأحكي قصة ‘صندوق بندورا’ – بطريقتي الخاصة وعلاقتها بنساء شعفاط – وليس كما جاءت في الأسطورة. ظروف مخيم شعفاط لعله الأسوأ بين المخيمات الفلسطينية التي زرتها بلبنان وسورية والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. ما يجعلها الأسوأ تراكُمُ عدة أمور: كونُها داخل حدود القدس مما يجعل اقتحام الجيش لها بكثافة كبيرة؛ كما أن قربها من القدس يجعل دخول المخدرات لها سهلا؛ بعد تسليم منطقة ‘بيرنبالا’ والقرى حولها للسلطة الفلسطينية انتقل عدد كبير من هذه القرى إلى مخيم شعفاط للحفاظ على هوية القدس مما جعل عدد سكان المخيم إلى ضعفين أو أكثر بينما بقيت المساحة والخدمات كما هي؛ هذا إلى جانب نواحٍ أخرى كثيرة مثل “زوجٍ بالفراش” بسبب التعذيب أو ابن مستشهد وآخر معتقل… قدرة الأمهات على بقاء الأمل حيًّا والمحبة حية والعلاقات بينهن حية ضمن الظروف السائدة هي قدرة بمثابة أعجوبة بشرية. كنتُ أقول لهنّ دوما: أنتن أعجوبة الحياة، والعمود الفقري للشعب الفلسطيني؛ بدونكن سينكسر ظهر هذا الشعب. تَقُمْنَ بما هم ضروري كل يوم دون يوم راحة بالسنة بما لا يمكن لخمسة من حملة شهادات عالية (في التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والإدارة والمالية) القيام به. ذكرتُ لهن قصة صندوق بندورا على طريقتي الخاصة النابعة من حياتهنّ [يمكن أن نشير لها بأسطورة بندورا الفلسطينية] حيث كلٌّ منهن آخر النهار تسمح لكل شرور اليوم بالخروج من الصندوق، وعندما يهمّ الأمل بالخروج تغلق الصندوق، إذ يشكّل الرفيق الأهم في حياتها باليوم التالي.