الاهتمام بثلاثة أمور في التعلم (منذ الصغر): التأكيد على أن كل شخص مصدر معنى؛ تجنُّب إعطاء أي شيء للأطفال بدون معنى؛ إبراز تعدُّد المعنى باستمرار عبر التأكيد على أن كل إنسان مصدر معنى. ممارسة هذه الأمور تحمينا من أخطر فيروسات القبيلة الأورو-أمريكية: الادعاء بأن معرفتها ومعانيها أحادية عالمية والتي يحكمها أكاديميون مرخصون وخبراء مرموقون هدفهم إقناع الناس بأن الماضي متخلف وولى زمانه… ويطمسون حقيقة أن الغنى باللغة العربية –كمًّا ومعنىً – مذهل.
لخّص السكاكيني قبل 125 سنة العلة بالتعليم في كتاب بعنوان ’الاحتذاء بحذاء الغير‘. ما زلنا نحتذي بحذاء الغير، لكن الحذاء صار أكبر وفوق رؤوسنا، ويتحكم بشتى نواحي حياتنا. آن الأوان أن نخلع أحذية فُرِضَت علينا، لبسناها قسرا أو خبثاً، وأن نمشي حفاة لتلمس أخمص أقدامنا روح الأرض حيث يسري سحر الطبيعة في أجسادنا وينعش كل شيء فينا. ما حدث فعلا:
شلحنا ثوب ’ابن سينا‘ الذي تَمثَّل مفهومُه للعلم بالطبيعة الشافية، ولبسنا حذاء ’فرانسيس بيكن‘ الذي تمثَّلَ مفهومُه للعلم بقهر الطبيعة وإخضاعها وخلخلة أسسها.
شلحنا ثوب الحكمة (والذي تمثّل في بيت الحكمة ببغداد قبل 1200 سنة)، ولبسنا حذاء الحقيقة (يتمثل بشعار جامعة ’هارفارد‘). ادعاء أي طرف بأنه يملك الحقيقة الأحادية العالمية، ويملك أدوات لفرضها، هو الفيروس الأخطر على البشرية. الطرف الوحيد الذي استطاع أن يفرض حقيقته على العالم كانت القبيلة الأوروبية (أستعمل ’قبيلة‘ للتأكيد أنها ليست عالمية) عبر مستوطنات معرفية، أدواتُها التعليم الرسمي والأكاديمي، وبوجهٍ خاص عبر رياضيات وعلوم تلك القبيلة.
شلحنا ثوب السيرة الذاتية، ولبسنا ال CV.
شلحنا ثوب ’لغة الأم‘ (اللغة الحية) ولبسنا حذاء ’اللغة الأم‘ (لغة مصنّعة على مقاس الدولة القومية) التي تمثّل أيضا أحد أخطر الفيروسات وأكثرهم خفاء، حيث تخدعنا وتجعلنا نتغنى بها ونحتضنها وندعو لها بطول العمر!
شلحنا ثوب المشي بالجبال والوديان والينابيع والقرى (كما خبرته بمدرسة ’أبو ريا‘ تلميذ السكاكيني)، ولبسنا حذاء الجلوس على قفانا ساعات طويلة كل يوم… تصوروا لو ما زال المشي بمدارس بلاد الشام جزءًا أساسيًا من المنهاج!
شلحنا ثوب التعلم كقدرة عضوية موجودة فينا منذ الولادة، ولبسنا حذاء التعليم الذي دعس على التعلم وجعله عبدًا له.
شلحنا ثوب لغاتنا الحية الغنية المليئة بالحكمة والجمال وتعدد المعنى، ولبسنا فكرا أحاديا عالميا لا يسمح بالتعدد ويغيِّب كل مختلف.
بعثتُ عام 2010 (كما ذكرتُ بخاطرة سابقة) باقتراح للجامعات الفلسطينية لإنشاء كلية حكمة لعشرة طلبة فقط في جامعاتهم. لكن ظاهرة ’الاحتذاء بحذاء الغير‘ ما زالت الحاكم الأعلى فلم أسمع منهم! الشخص الوحيد الذي رأى أهمية الموضوع كانت ’نبال ثوابته‘ محررة جريدة ’الحال‘ بجامعة بيرزيت ونشرته يوم 1/ 2/ 2011. تصوروا لو بدأنا قبل 10 سنوات، لكان لدينا الآن مئات يشكلون قاعدة تنتزعنا من الموت السريري للعقول، ونبدأ بجدل ثوب الحكمة مرة أخرى!
اقترح ’جون دانيال‘ عام 2002 (كنائب المدير العام للتعليم باليونسكو) McDonaldization of education حيث يتم وضع المعرفة ضمن ‘ساندويشات’ معرفية وإعطائها جاهزة للطلبة، تماما كما يتم فعله في مطاعم ماكدونالد بالنسبة للمأكولات. واستعدّت جامعة MIT قرب بوسطن انتاج مثل هذه المواد. أكثر ما يخيف الذين يسعون للسيطرة على عقول الناس هو قيام الناس بقراءة كتب من اختيارهم، عادة كتب بمثابة بيان وتبيين. لا نستطيع حماية الأطفال كليا من مواد معرفية مصنعة جاهزة سريعة (تماما كما يحدث بالنسبة للمأكولات) لكن من الضروري حثّهم على تجنب أن تكون مرجعا فكريا معرفيا لهم. تجمّع عدد منا على صعيد عالمي ونشرنا في آب/ أغسطس 2003 ردودا لما اقترحه جون دايال يمكن إيجادها على الرابط التالي:
جدير بالذكر أن ’جون دانيال‘ أُعْطِيَ لقب Sir في بريطانيا، كما حصل على ميداليات و32 شهادة/ درجة فخرية من جامعات في 17 دولة! كل ما أستطيع قوله في هذا المضمار: أعوذ بالله من وصول أمثال ’جون دانيال‘ إلى بلادنا… إنه السميع المجيب.
سُؤِلَ مكسيكي: أنتم قريبين جدا من الولايات المتحدة لماذا لا تتعلموا منهم كيف تكونوا ناجحين مثلهم؟ ردّ المكسيكي: فكّرنا في الموضوع وبدأنا نفتش عن قارات نقضي على شعوبها ونسرق خيراتها، وجدناها كلها مسروقة. الطريق في هذا الاتجاه مسدود.
ننظر إلى عقارب الساعة، نراها تسير بشكل دائري. ننظر إلى السنة، نراها تدور. ننظر إلى ساعة ديجيتال، نراها واقفة لكن الأرقام فيها تدور على نظام 24… إذن، ما معنى الوقت يسير إلى الأمام؟ ومن يستطيع أن يعطي مثال على ذلك؟ السؤال الأهم: لماذا انتشرت هذه الخرافة؟ تفسيري لها أن الهمّ الأكبر لأوروبا منذ 500 سنة إيهام العالم أن أوروبا متقدمة عن الجميع؛ هي في الأمام. نعم، متقدمة في اختراع أدوات وأجهزة. لكن بالنسبة للعيش بعافية وحكمة ووجود معنى في حياتهم، هم يعانون. نسبة الانتحار بالبلدان ‘المتقدمة’ أعلى بكثير؛ ومعدل استهلاك حبوب طبية في أمريكا يعادل الحبوب التي تستهلكها بقية الدول. وفق استبيان أجرته جريدة الكرستشن سينس مونيتر في بوسطن عام 1997 حول أكثر شاعر بيعت كتبه في أمريكا كان جلال الدين الرومي إذ يجدوا فيها حكمة مغيبة عندهم. لذا، أعتقد أن الهدف من نشر الخرافة هو لتماشيها مع فكرة أن أوروبا تسير أمام بقية العالم. دخلت هذه القناعة بعقول الكثيرين ومن بينهم عاصي الحلاني الذي يغنّي: ’الناس بتمشي لقدام واحنا نرجع لورا‘… والناس من حوله يصفقوا ويشوبشوا ويهللوا ويغنوا ويرقصوا!! الوقت ليس جزءا من الطبيعة؛ اخْتُرِع لتسهيل أمور البشر.
هناك قصة طريفة تقول بأن شخصا أضاع خاتمه في ليلة ما فأخذ يفتش عنه تحت مصباح الشارع. مرّ صديق وسأله عما يفتش، قال عن خاتم أضعته، فسأله هل أنت متأكد أنك أضعته هنا. قال: لقد أضعته هناك في العتمة، ولكن لا يوجد مصباح هناك، لذا أفتش عنه هنا.
تصف القصة حال شعوب كثيرة في العصر الحاضر ومنها الشعوب العربية، إذ تكمن كنوزنا الحقيقية في عتمة العصر الحاضر، سواء عن قصد أو إهمال، فنجد أنفسنا (مثل ذلك الشخص) نفتش عن حلول ومعان وأفكار ومعارف موجودة فقط تحت الأضواء. والأضواء التي أشير إليها هي الموجودة على شارع (أو بتعبير أدق super highway) الفكر الأحادي العالمي السائد، والذي يعكس الإيمان بوجود طريق واحد ووحيد للتقدم. وبما أن هذا الفكر يبدأ ويرتكز على مفاهيم ونماذج جاهزة ومحددة ومسموح بها (بدلا من البدء بالحياة والإصغاء لها)، لذا فإنه يتناقض مع التنوع والحكمة ويحد من تخيل بدائل ويمنع إجراء تجارب تنطلق من أسس وقناعات مختلفة.
الانتقال الذي تمّ بالتدريج من ’بيت الحكمة‘ ببغداد (قبل أكثر من 1100 سنة) إلى جامعة ’هارفارد‘ التي ترفع ’الحقيقة‘ شعارا لها يمثل فيروسا خطرا تدفع البشرية حاليا ثمنا باهظا له ربما يصل إلى تدمير الحياة على الأرض. وصْفُ هذا ’بتقدم‘ هو مثال على رؤية الدنيا بالمقلوب. كما ذكرتُ بخاطرة سابقة، بعثت باقتراح للجامعات الفلسطينية عام 2010 بإنشاء بيوت حكمة لعشرة طلبة فقط في كلٍّ منها، ممن يرغبون السير في طريق يختلف عن مساقات، لم تتجرأ أي جامعة على فك رباطها مع الأيديولوجية المهيمنة والسماح لعشرة طلبة فقط بالسير وفق الحكمة. (نشرت اقتراحي بمجلة ’الحال‘ بجامعة بيرزيت بتاريخ 1/ 2 / 2010). تصوروا لو فعلت جامعة واحدة لكان لدينا مئة شخص الآن قد مروا بهذه الخبرة، ولبدأوا بشق طريق، العالم بحاجة ملحة له. بيت الحكمة ما زال بإمكانه أن يلهمنا، فذاكرته لا تزال موجودة بجيناتنا. هنا لا بد من الإشارة أن ادعاء الحقيقة جوهر الهيمنة الغربية وجوهر الأصولية الحديثة التي استطاعت بكل نعومة فرص أصوليتها على العالم. شعار هارفارد مثلا VERITAS أي، الحقيقة. [جدير بالذكر هنا الانحطاط الذي يتمثل من الانحدار/الانهيار من الحكمة إلى الحقيقة]. ادعاء الحقيقة واختراع أدوات وقناعات لفرضها على البشر هو بالضبط مصدر العنصرية والشعور بفوقية ودونية – اي مصدر الشر الذي نشهده في شتى نواحي الحياة الحديثة ومصدر هلاك البشر. هنا بالضبط يشكل قول الإمام علي ’ما هَلَكَ امرؤٌ عَرَفَ قَدْرَ نفسه‘ طريق الشفاء من الأمراض التي ذكرتُها بأعلاه وأُصِبْتُ بها شخصيا (أعيدها هنا: اللغة الميتافيزيقية، الببغاوية، الافتخار بالعبودية، الكولونيالية المعرفية، الإلهاء). أما الأداة فكانت التعليم النظامي والأكاديمي (مرة أخرى، أستثني ما يتعلق منه بنواحٍ تقنية تتوافق مع العافية). بدأ شفائي بقوة وعمق خلال عقد السبعينيات حين بدأتُ أشفى من الأمراض المذكورة، والذي (أي شفائي) بدأ عبر العمل التطوعي (على مدى عشر سنوات 71-1981) بالعودة إلى تربة المجتمع وتربة الأرض وتربة الثقافة. وتربة الوجدان. لكن الزلزال البركاني على صعيد العقل والمعرفة والإدراك حدث عام 1976 عندما وعيتُ لأول مرة أن أمي التي لم تعرف الأبجدية كانت تمارس رياضيات لم أستطع فهمها ولا عمل مثلها!
نَشَرَتْ ‘ورشة فلسطين للكتابة’ عام 2015 كتابي الأول من سلسلة ‘حكايتي مع الكلمات’؛ اخترت فيه 18 كلمة حكيت ما تعنيه لي تلك الكلمات عبر قصص وخبرات وتأملات واجتهاد في تكوين معنى وفق الحكمة، القيمة الجوهرية بالحياة. شجّعْتُ القراء أن يحكوا حكاياتهم مع كلمات آذتهم أو غذّتهم. أجمل ما حدث نتيجة نشر الكتاب لقاء (عبر سكايب) مع أكثر من 30 طفلا وطفلة أغلبهم من مخيم جباليا بقطاع غزة تراوحت أعمارهم بين 11 و14 سنة، بطلبٍ منهم. بعد أن عرّفتُ بنفسي وأكدت أن أهم ما يحمي مناعة الإنسان على الصعيد الفكري هو الشراكة في تكوين معنى للكلمات التي يستعملها، قلت أود أن أسمع منهم عن كلمات شاركوا في تكوين معنى لها. ‘أفنان’ (ابنة 11 سنة) كانت أول من حكت قصتها: ‘عندما كنتُ صغيرة، كنت أراقب الفتيات الجميلات وأقول لنفسي: لم لا أكون مثلهن جميلة؟ كنت كلما آتي إلى المدرسة يهزأن منّي لأنهن أجمل مني.
وفي يوم سألَتْ المعلمة سؤالاً فلم يرفع أحد يده إلا أنا. كان سؤالها: ماذا يعني الجمال؟ قلت: ’لاحظتُ أني عندما أتكلم، ينتبه الذين حولي لما أقوله مما أشعرني أن جمالي يكمن بتعبيري وفكري، وليس في الحُلِيّ.‘ صفّق الجميع، رغم أني لم أكن واثقة من كلامي. وقتها أدركت أن الجمال ليس حلاوة الوجه وإنما في العقل والفهم’. قولُها جعل عينيّ تدمعان. أُرْسِلَ الكتاب إلى مؤسسات ومجموعات تعمل مع أطفال ويافعين بفلسطين لديهم اهتمام بهذه الفئة العمرية. لم تهتم أي مؤسسة بالكتاب (سوى مركز الطفل بغزة). أعتبر الكتاب من أهم ما كتبت من حيث تركيزه على مصدر شفائنا من أخطر ‘فيروس’ فكري: احتلال كلمات ومعانٍ رسمية محل كلمات ومعانٍ حيّة. كان حديث الأطفال عبر سكايب أقرب ما سمعته لروح الكتاب. سألتُ في نهاية اللقاء عن الفرق بين التعلم والتعليم. قام طفل وقال: ‘التعلم شيء أفعله لنفسي؛ التعليم شيء يفعله آخرون لي’؛ يا إلهي! لخص ذلك الطفل ببضع كلمات ما لا نجده بمجلدات كتبها تربويون عالميون يعتقدون أن التعلم ينتج عن تعليم رسمي! ما سمعته من أطفال غزة أثلج صدري وشحنني بمشاعر مليئة بالأمل مغيّبة من ‘المستوطنات المعرفية’ كالمدارس والجامعات التي تدرّبنا أن نكون ببغاوات. ما نقرأه ونسمعه من ‘خبراء’ همّهم الرئيسي إقناع الناس أن الماضي متخلف وولى زمانه. ذكرتُ نهاية اللقاء كيف كنا نذهب خلال السبعينيات من رام الله لغزة لنستقي منها وأهلها روحا نفتقدها برام الله. أكّد لي ذلك اللقاء أن تلك الروح لا تزال حية بغزة. جدير بالذكر هنا، أن الدكتورة ’رنا الدجاني‘ (والتي تُعْتّبَر من أهم علماء الأردن حاليا) عندما قرأت الكتاب أخذته إلى وزارة الثقافة الأردنية وحثّتهم على طباعة 3000 نسخة من الكتاب وبيع بسعر مخفّض جدا ليكون ممكنا لدى أي طفل من شرائه. وتمّ ذلك فعلا.
عندما نتعامل مع السيرة الذاتية كرديف CV نكون نرى الدنيا بالمقلوب؛ وعندما نتعامل مع الهوية كرديف identity نكون نرى الدنيا بالمقلوب؛ وعندما نعيش وفق تعصب وعنجهية قومية أو انتماء لدولة بدلا من’لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى‘ نكون نرى الدنيا بالمقلوب؛ وعندما نستعمل تقييما عموديا كقيمة المرء بدلا مما يحسنه كمصدر قيمته نكون نرى الدنيا بالمقلوب؛ وعندما نستعمل مواطنين بدل أهالي نكون نرى الدنيا بالمقلوب؛ وعندما نتعامل مع بحث بمعنى research وليس كتابع وموضح لما نبحث عنه بمعنى search نكون نرى الدنيا بالمقلوب…
الروعة في حياة الذين يُنْظَر لهم كمهمشين في الوقت الحاضر (عصر كورونا وترامب) أنه أسهل عليهم الهروب من الهمجية والفيروسات التي تجتاح العالم؛ فيروسات صممت من قبل علماء القبيلة الأورو-أمريكية وسياسييهم، عاثوا خلالها فسادا في الأرض، مما يتطلب إعادة النظر بشتى نواحي حياتنا، وبوجهٍ خاص بنمط عيشنا وإدراكنا للعلوم والرياضيات والمعارف السائدة. مقارنةً بالذين يعيشون في الهوامش، نحن الذين نعيش مكلبشين ومجنزرين وسط عالم الاستهلاك نسير وفق مسارات وأنماط مُلْزِمة لا مجال لغيرها مطلقا بالدخول، ولا فسحة فيها لأي مسار آخر. هذا المسار الأحادي يعيشه الطلبة والأكاديميون وسكان المدن حاليا. ما يدعو له الإسلام من اجتهاد وعدم إكراه، يسلك التعليم (بشتى مراحله) عكس ذلك: هو في جوهره إكراه وخالٍ كليا من الاجتهاد. أكثر عورة أظهرتهما كورونا وترامب هي ضحالة الأيديولوجيات السائدة والمؤسسات المسيطرة الفاقدة للجذور ولأتربة تتغذى منها. انتحال هذه الأيديولوجيات والمؤسسات صفة التقدم وامتلاك حقائق أحادية عالمية والدعوة لتنمية مستدامة تشكّل جميعا ضحالة بالفكر والإدراك وبالتالي تؤدي لسلب قدرة الناس بالتعامل مع الواقع والحياة بالجذور. عدم رؤية ضحالة من يعيشون وفق الاستهلاك، وأن حظ الذين يعيشون في الهوامش أكبر ضمن الظروف السائدة (والمستقبلية على الأغلب) هو مثال صارخ على رؤية الدنيا بالمقلوب. وضّح المسيح الفلسطيني قبل ألفي سنة في موعظته على الجبل هذه الحقيقة بقوله: ’طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض‘. من هذا المنطلق، حظ غزة أكبر من رام الله لتكون وريثة فلسطين؛ رام الله تعيش ضمن وَهْم. المجتمعات التي تعرض نفسها كمتقدمة نرى أن همّها الرئيسي حشر الطلبة أمام شاشات – حياة ضحلة. المدنية المهيمنة تلتفُّ حول رقابنا وعقولنا ولا تترك مجالا للهرب. نتمسك بما هو ضحل كالكتب المقررة ونترك ما هو عميق ككتب بيان وتبيين وكالتحادث والقصص التي تربط بعضنا ببعض مثل خيوط العنكبوت. اسرائيل ضحلة إذ تعيش ضمن أيديولوجية ولا ترتبط بأية تربة على صعيد الجذور.