أود أن أعيد ما كتبتُه بخاطرة سابقة والذي أعتبره أخطر فكرة دعائية منذ 400 سنة: إدّعاء من يُشار له ب’أبو التعليم الحديث‘ كومينيوس Comenius بأن الذين يتعلمون دون تدريس هم أقرب لكونهم حيوانات مما هم لبشر:
People who learn without being taught are more like animals than men.
مما يعني أن أي تعلُّم لا يتم من خلال تدريس ليس فقط لا قيمة له بل يجب احتقاره! ما زالت هذه الفكرة الدعائية سائدة إلى يومنا هذا. إذا جمعناها مع فكرة دعائية أخرى – تفوّق مدنية القبيلة الأورو-أمريكية على الصعيد الذهني والأخلاقي بانين ذلك على تقدم معارف تقنية واختراع أجهزة وأدوات تكنولوجية – نكون قد فقدنا قدرتنا على تأكيد ثقلنا كبشر عبر ما لا يمكن للمعارف التقنية والتكنولجية أن تدركه وللعقل أن يستوعبه وللغة أن تعبر عنه، مثل التعلم الذي يحدث عضويا عبر الأتربة التي تغذينا ونغذيها: كالتربة الأرضية والثقافية والمجتمعية والوجدانية، وكذلك أيضا بالنسبة للعيش وفق حكمة وعافية ووجود معنى بحياتنا وعلاقات جميلة بيننا، ووفق إيمان وصبر وروح ضيافة ونواحٍ روحية بوجه عام. لم يكن للكولونيالية (بشتى أشكالها) أن تنجح لولا قبولنا للوَهْمين المذكورين بأعلاه. نعيش حاليا فرصة مواتية جدا مهداة لنا من رب العالمين للشفاء من هذين الوهمين واستعادة التعلم كقدرة عضوية لا تحتاج لمؤسسات ومهنيين، واقتصار مفهومنا للتعلم عبر تدريس على اكتساب معارف تقنية ومهارات آلية. لجوئنا إلى zoom و microsoft teams للتعليم عن بعد يجب أن يتقلص بأفضل الأحوال إلى اكتساب مثل هذه المعارف والمهارات، وأن يُصْرَف معظم الوقت على تعلم مرتبط بفِعْلٍ وتأمل واجتهاد وتحادث وقراءة كتب هي بيان وتبيين، وذلك عبر مجاورات ترتبط بالأتربة المذكورة بأعلاه التي نتغذى منها إذ هي مصادر العافية. باختصار، اعتبار المجاورة وسيطا للتعلم، واعتبار العافية بوصلة نستهدي بها. هذه فرصة لاستعادة أهم ما يميز الإنسان بالخليقة: التعلم (الذي لا يحتاج إلى تدريس). الحيوانات تتعلّم عبر تدريب لا يجسد فَهْمًا، تماما كما يحدث للإنسان في تعلم مهارات ومعارف تقنية عبر تدريب دون الحاجة لفهم، وهو أغلب ما نكتسبه في المدارس والجامعات حيث نتخرّج نسخا وببغاوات لما يُمْلَى علينا، وحيث نكون (كطلبة ومدرّسين ومعارف) عبارة عن سلع في السوق.
يعيش الملايين منا جائحتين: جائحة كورونا وجائحة زووم؛ أي، كنا بجائحة أصبحنا بجائحتين. ’جائحة‘ باللغة العربية تعني ’اجتياح‘. علينا (كالعادة في عالم الحكمة) أن نسأل عن العواقب. نعيش جائحة كورونا ونعي أخطارها، لكن كما يظهر لا نعي ولا نسأل ولا نتساءل حول الثمن الذي ندفعه كبشر نتيجة جائحة زووم. حتى لا أُفْهَم خطأ: تشكّل زووم أداة ناجعة ومفيدة جدا ضمن الظروف السائدة، وأستعملها شخصيا كلما برزت الحاجة لاستعمالها. ما أطرحه هنا هو ليس عدم استعمال زووم بل ماذا يمكن أن نفعله بالنسبة لحماية إنسانية خارجة عن إملاءات التكنولوجيا ومؤسسات ومهنيين وخبراء وأكاديميين وحكومات ومنظمات دولية، تسعى جميعا – سواء بنيّة حسنة أم سيئة – في السيطرة على العقول والإدراك والسلوك. طرحْتُ في خواطر سابقة الرؤية التي أراها ليس فقط تحمينا من مساوئ جائحة زووم خلال انتشارها بل أيضا بعد المرور منها إلى ما بعدها. ما اقترحتُه بالنسبة للرؤية (مثلا بالنسبة لمرحلة الصفوف الثمانية الأولى) يتلخّص بثلاثة مكوّنات: استعادة المجاورة كوسيط للتعلُّم وكاللبنة الأساسية ببنية المجتمعات؛ والعافية كالبوصلة التي نستهدي بها ونعيش وفقها قدر الإمكان؛ والأتربة التي تغذينا ونغذيها. ما يميز هذه الرؤية أمران: توفُّر هذه المكونات في كل مكان، وأن العيش وفقها لا يحتاج لورش عمل ولا تدريب؛ جميعها يعتمد على المتجاورين وتأملاتهم واجتهاداتهم وعلى استعادة المسؤولية في حياتهم اليومية. الصعوبة في هذا المسار يكمن في أننا عشنا ببلاد الشام (كما في معظم أنحاء العالم) خلال ما يقارب من قرن تحت سيطرة وإملاءات مؤسسات ومهنيين وأيديولوجيات سلبتنا ما نستطيع عمله بأنفسنا، إذ أنستنا قدراتنا العضوية ومسؤوليتنا في تدبير شؤوننا بأنفسنا. هذه فرصة من رب العالمين لتذكيرنا بمسؤوليتنا كبشر فيما أُعطينا بالخليقة (كالتعلُّم والشفاء) وما توفره لنا الطبيعة (التي وصفها ابن سينا بالشافية) والتي جميعا غيبتها المدنية المهيمنة. أخيرا أود أن أُذكر بعض مساوئ زووم وضروري أخذها بعين الاعتبار: شعور معظم من يستعملونها (خاصة الطلبة والمدرسين) من تعب وإرهاق وإعياء يؤثر على نواحٍ شتى في الحياة بالعمق. الجميع يتحدث عن جائحة كورونا وتوجد محاولات عديدة للتقليل من أخطارها، لكن قلائل جدا هم الذين يتحدثون ويسعون لتجنب أخطار جائحة زووم على الصعيد العقلي والجسمي والنفسي والاجتماعي. الجامعات تتحدث دوما عن دراسات، هل هناك من دراسات وأفعال ورؤى حول كيف نتجنب أخطار جائحة زووم؟ ما أقوله لا يعني عدم استعمال زووم، فمن الواضح أنها تؤدي مهام هامة. ما أنبّه له هو توفُّر رؤية مكونة من ثلاث ركائز بإمكاننا عبرها التخفيف من الأضرار: مجاورة، عافية، أتربة.
نعيش على أبواب عهد جديد يمكن أن يؤدي بنا إلى مسارات مختلفة جدا. لعل المسار الأهم الذي يفتحه لنا كبشر، هو استعادة إنسانية فقدناها نتيجة الدعاية التي نشرتها الكولونيالية الأورو-أمريكية منذ قرون بأنها متفوقة حضاريا. بكلمات غرامشي قبل مائة سنة: تتمثل الهيمنة ليس بقوتها بل بتصديقنا بتفوقها على الصعيد الذهني والأخلاقي. كلمات براقة كتحسين وتطوير وتقدم وتمدن وتميز دخلتنا كفيروسات جعلتنا نتنافس حول من يحتقر أنفسنا أكثر!
نتكلم عن الحداثة وما بعد الحداثة، وعن الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، ونهمل ما هو موجود بالخليقة فينا وحولنا ولا يمكن تحسينه وتطويره، كالتعلم والشفاء والماء والنباتات البرية والبيان الذي يبيّن ما بدواخلنا. سُلِبنا مسؤوليتنا في القيام بما هو ضروري وما يمكننا القيام به بأنفسنا وأصبحنا ننتظر خبراء فقدوا الاستقامة بالفكر والقول والعيش. أول من تمّ اختطافُه من بيننا ووُضِعَ على قاعدة تمثال في روما (بخدمة الامبراطور) كان المسيح الفلسطيني حيث أصبحنا في فلسطين نستقبل ’خبراء‘ في الدين من أوروبا وأمريكا ليعرّفونا على المسيح! لم يكن للمسيح بيت بل كان يقطن قلوب الناس وبيوتهم. تلخّص ادعاء روما بأن التعرف على المسيح يحتاج إلى مؤسسات ومهنيين. ثم مرّت السنون وانتقل هذا الفروس إلى التعلم. فكما لا يحتاج الإيمان إلى مؤسسات، كذلك الحال بالنسبة للتعلم. تخريب الإيمان حدث عبر أباطرة روما؛ وتخريب التعلم حدث على يد شخصين: نبريها الإسباني وكومينيوس التشيكي الذي أكد على أن من يتعلم بدون تدريس هو أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان… التعلم والإيمان لا يحتاجان إلى مؤسسات. بعد الحرب العالمية الثانية والدمار الذي أحدثته طلّ علينا الفيروس نفسه بثياب جديدة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10/ 12/ 1948)، وإعلان عصر التنمية (20/ 1/ 1949)؛ شهر واحد بين الإعلانين؛ انتشرا بسرعة لم يشهدها التاريخ!
الصلاة كتفكُّرٍ وتأمُّلٍ بالحياة والطبيعة والخليقة، وكتهذيبٍ للذات والسلوك والعلاقات، وكصقلٍ للمعنى والإدراك والفهم، وكجدلٍ لنسيجٍ روحي وجداني بين البشر ومع الطبيعة، هي المحرّر والحامي الرئيسي للإنسان. حوّلت المدنية الحديثة الصلاة، كبقية نواحي الحياة، إلى سلعة لها قيمة مرئية مما أفقدها جوهرها وروحها وروحانيتها. فهناك صلاة ببغاوية حيث تخرج الكلمات دون أن يعنيها المصلّي ودون أن تحرّك فيه اية مشاعر، يفعلها ليزيد قيمته بين الناس؛ وهناك صلاة روحانية تربط الإنسان بالخالق والخليقة والطبيعة والبشر وروح الضيافة والمسؤولية والتعددية والمحبة والتقوى. عبر الصلاة يستطيع الشخص أن يفكر ويتأمّل ويجتهد دون خوف، إذ يكون بعلاقة مع وحدانية الكون بكل مكوّناته، دون رقيب أو حسيب سوى نفسه التي تمنعه من عمل أي سوء. أي، المانع ليس خوفه بل إيمانه واحترامه للبشرية وللحياة والخليقة. منذ 1971، كل صباح أصلّي عبر تفكُّري وتأملي بالحياة كما خبرتها في اليوم السابق، وعبر صقلي لفهمي وتهذيبي لسلوكي وعلاقاتي. خَطَرُ التعليم لا يكمن بالتلقين بل بتحويل المعرفة والمدرس والطالب إلى سلع فاقدة للحكمة. التعلم في الجذور هو صلاة مليئة بعافية وحيوية وطاقة هائلة وعلاقات حيّة… لنصلّي يوميا.
في الكتابة يوجد في الغالب محرِّر، بينما في التحادث لا يوجد شخص فوق راسك يصححك باستمرار. يؤدي هذا إلى كون الكلمة التي تخرج شفاهةً أقرب لأن تكون صادرة من القلب وأصدق وأكثر إبداعا وحيوية. لماذا، إذن، نضع الكتابة والقراءة ’فوق‘ بينما نضع النطق والإصغاء في خانة الغيب؟!
إذا وضعت اسم أمي في غوغل، أحصل على صفر نتائج. إذا وضعت اسمي بالعربية أحصل على 30 ألف نتيجة، وبالانكليزية على 36 ألف! هل هذا يعني أني أهم منها وأن حياتها ليس لها قيمة؟ أم أنه يعني أن غوغل يبقى على السطح، بين الأغصان، ولا يرى ما هو موجود بالجذور؟ غوغل، مهما انبهرنا به، محدودٌ ومشوِّه للحقيقة والحياة؛ ومنحاز لما هو ضحل وسطحي وينتمي لعالم الاستهلاك. كتبتُ الكثير عن عالم أمي وكيف أن فيه تناسقا وتناغما خفيّين بينما عالمي مشرذَم وضحل ويدعو للشفقة!
أول أمس كنت في زووم شارك فيه أشخاص من السويد وألمانيا ودبي وفيتنام والبرتغال والولايات المتحدة. بمعرض حديثنا تكلمتُ عن المجاورة مع النساء بمركز الأميرة بسمة في حي النزهة بعمان. ما ذكرتُه في هذا اللقاء يختلف عما كتبتُه بخواطر سابقة. شمل الحديث التعلُّمَ خارج مفردات وإملاءات ونظريات الأيديولوجية المهيمنة. قلتُ: عملتُ مع النساء أكثر من سنة ونصف. لم أذهب إلى هناك لأدْرُسَهُنّ (كما هو الحال في الدراسات التربوية والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع)؛ ولا لأدَرِّسهنّ (كما في ورش عمل وتدريب وتعليم الكبار يمكن أن يكون لها معنى بمعارف تقنية). في نواحٍ تتعلق بالحياة، أجد سعي شخص لدراسة بشر (بصفة مهني أو أكاديمي أو خبير) يجسّد عنجهية واحتقارا للناس. أن يقوم شخص بدراسة مجتمع أو ثقافة أو حضارة ويدّعي أن ما يقوله هو الحقيقة، يعكس في أفضل الأحوال عيبا كبيرا. مَنْ أنا، فقط لأن معي شهادة، لأعطي نفسي الحق بأن أَدْرُسَ شخصا آخر أومجتمعا أو ثقافة وكأنه شيء؟ أليس من الأَوْلَى أن أدرس نفسي وأحاول تهذيب فكري وقولي وسلوكي وعلاقاتي مع الناس بدلا من دراستهم وإعطاء تقارير عنهم عبر مفاهيم ونظريات وتصنيفات صُنِعَت ضمن مدنية تحكمها قيم السيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال؟ معظم ما يشار له بدراسات لها علاقة بالبشر تحمل في طياتها منظومة متكاملة من كلمات ومفاهيم وإدراكات ترتبط بأيديولوجية القبيلة الأورو-أمريكية. العلاقة بيني وبين النساء في مركز النزهة كانت عبر مجاورة التي لا معنى فيها لدراسات وتدريس وتقارير وتقييم – كلمات لا تمتّ للحياة بل لمن ينظرللحياة من فوق. المجاورة لغة الحياة ومِلْكُ المتجاورين ولا يوجد فيها تراتبية من أي نوع. المجاورة بالمجتمع كروبة اللبن في الحليب تحتوي على بكتيريا طيبة تولّد حيويتها ذاتيا؛ هي طريق الحكمة والعافية والكرامة والتعددية والمسؤولية والحرية والمساواة. لنتوقف عن دراسة البشر وتدريسهم، ونستعيد – كأساس – المجاورة كوسيط للتعلم وكاللبنة الأساسية ببنية المجتمع، ونستعيد العافية كبوصلة لا نناقضها في أفعالنا.