أسوأ سنة عشتها في حياتي كانت 93-1994 حين أصبح البنك الدولي الممثل غير الشرعي لكن الوحيد لمصير الشعب الفلسطيني بالضفة وغزة؛ وحيث في تلك السنة تَحَوَّلْنا بين ليلة وضحاها من كوننا أهالي علاقتنا الأساسية بعضُنا مع بعض إلى مواطنين علاقتنا الأساسية مع أجهزة رسمية؛ كنا نعيش بأمل أصبحنا نعيش بتوقعات؛ كان برام الله ثلاثة بنوك صغار، تكاثروا بعدها كالأرانب؛ كنا ندبّر شؤوننا وندير أمورنا بأنفسنا، أصبحنا نتّكل على مهنيين وخبراء يقومون بما كنا نقوم به بأنفسنا؛ كانت الضيافة الجادل الرئيسي للنسيج المجتمعي، أصبحت المساعدة من الخارج ومن فوق السيد الجديد الذي نستجديه؛ كان الصبر رفيقنا، أصبحت الشكاوي وسيلة التعبير عن ضيق روحنا؛ كنا نعيش فيما بيننا بأمان، أصبح لدينا قوى أمن ليس بيدها حيلة أمام المستوطنين؛ كان من شبه المستحيل بيع أرض قبلها، أصبحنا نبيع دون أن نعرف الشاري؛ كانت المجاورة اللبنة الأساسية ببنية المجتمع، أصبحت المؤسسات تتدخل فينا بكل صغيرة وكبيرة. لِنَفِقْ!
شابٌّ مقدسي قبل 124 سنة (كما ذكرتُ بخاطرة سابقة) وهو بعمر 18 سنة كتب كتيبا بعنوان ‘الاحتذاء بحذاء الغير’ كوصفٍ لما رآه جوهر التعليم الذي جلبته الجاليات الغربية لبلاد الشام. ما زلنا نحتذي أحذية آخرين مع اختلاف أن الحذاء كبر وأصبح فوق رؤوسنا. بدلا من أن نحترم أنفسنا ونبني على الغنى الهائل لدينا، نشهد ازديادا هائلا بدول عربية كثيرة في عدد المؤسسات التعليمية التي هي نسخ جاهزة عن مدارس وجامعات وبرامج نستوردها دون اكتراث للسياق والثقافة والطبيعة والحضارة بحجة أنها عالمية! معارف تستعمل لغة ميتافيزيقية لا معنى لها (فالمعنى مرتبط بسياق وفعل)، وتُغَيِّب الحكمة والعافية والمسؤولية، وتَعَدُّدَ المعنى والوسيط. عشتُ بنفس المكان (منطقة القدس) تحت 4 أنظمة تعليم (النظام الانكليزي ثم الأردني ثم الأردني مُعَدَّل إسرائيليا بعد 1967 ثم الفلسطيني). الشيء الرئيسي الذي تغير هو اسم السلطة على أغلفة الكتب المقررة. لِنَفِقْ!
الصراع الذي نعيشه حاليا صراعٌ في جوهره بين التعلُّم والتشرذُم. تبدأ الشرذمة بالمعرفة. هناك مثلا 7 مواد بالصف الأول و14 بالصف العاشر. معظم المواد معارف ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة. يتخرج الطالب وبأحشائه جرثومة الشرذمة كجزءٍ من نمط حياته وفكره وتعبيره. الشرذمة ألدّ عدوٍّ للعيش بحكمة. التعليم والأكاديميا عاملان رئيسيان في نشر وتعميق التشرذم (منذ 4 قرون بأوروبا وقرن ونصف ببلادنا). ذكرتُ بخاطرة سابقة 10 مساقات رياضيات قضيتُ 25 سنة بدراستها وتدريسها ألهتني عن أمور هامة بالحياة. لكن، كنت محظوظا أكثر من غيري لوجودي بفلسطين ولحضارتي المليئة بالحكمة ولوجود أمي في حياتي التي لم تعرف حرفا أبجديا لكنها كانت تمارس معارف ترتبط بالرياضيات وتربية الأطفال والدين وتدبير شؤون الحياة – معارف حمتني من أصولية الفكر الحديث وانتزعتني من أوهامٍ اكتسبتهما عبر مؤسسات. أود أن أذكّر هنا الفرق الشاسع بين اختيار الحقيقة كشعار (كجامعة ‘هارفارد’) واختار الحكمة كبوصلة (كبيت الحكمة ببغداد قبل 1200 سنة). لنَفِقْ!
لا يوجد قانون يُجْبِر من هم بين 6 و 16 سنة أن يلبسوا نفس اللباس أو يأكلوا نفس المأكولات أو يستمعوا لنفس الأغاني أو يضحكوا على نفس النكات، أو يلعبوا نفس الألعاب. لكن عندما يصل الأمر للعقل تُجْبَر هذه الفئة العمرية على قراءة نفس الكتب، واستبطان نفس المعاني، واستعمال نفس الصيغ، والالتزام بمعارف تدّعي الأحادية والعالمية (أغلبها معارف ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة). لم ينجح أي شيء في فرض نفسه عالميا قدر ما نجح التعليم النظامي، حيث احتكر الكتب التي يقرأها من هم بهذا العمر، ومنع قراءة الحياة وكتب بمثابة بيان وتبيين. لم تصل مدنية قبل الحديثة لدرجة استطاعت فرض كتب على مدى عشر سنوات يقرأها الجميع! غزو لغة مصنّعة جاهزة للعقول سبق غزو مأكولات مصنَّعة جاهزة للبطون بثلاثة قرون. إذا لم نَفِقْ، سيستمر تخدير العقول وستستمر المجتمعات والثقافات والحضارات بالتفتُّت والانهيار. لنَفِقْ ونتحكّم بما يدخل عقولنا وبطوننا وقلوبنا وعلاقاتنا وإدراكنا لأنفسنا. لنَفِقْ!
همجية القرن العشرين شملت في النصف الأول حربين عالميتين، تبع الحرب الأولى غزوٌ كثيف لبلاد عديدة بما فيها بلادنا حيث هُزِمْنا فيها من الخارج، وتبع الحرب الثانية غزوٌ كثيف ما زال قائما لكن هذه المرة من الداخل عبر برامج التنمية التي انطلقت من أمريكا عبر خطاب ترومان الذي ألقى قنبلتين على مدينتين وشعر بنشوة النصر وأعلن في خطاب تسلُّمه الرئاسة بأن أربع أخماس البشرية متخلفون وبحاجة إلى تنمية وأنه على استعداد لطيبة قلبه بأن يساعدنا أن نتبع خطاه! الهمجية التي نشهدها ببداية القرن الواحد وعشرين (خاصة مع تفاقم الوضع حول العالم نتيجة تفشي كورونا) تضعنا أمام السؤال: أين يكمن الأمل؟ شخصيا أرى الأمل بشكل رئيسي فيما غَيَّبَتْه المدنية المهيمنة، لكنه موجود ومتوفر لدينا أكثر من الدول التي يشار لها بمتقدمة. في منطقتنا بالذات، مثلا، ما زالت ذاكرتنا – كما تقول رغدة بطرس – موجودة في جيناتنا وما علينا إلا تذكُّرها واستخراجها. من بين ما هو هام ومتوفر ولكن مُغيَّب: اللغات الحيّة التي تطمسها لغة الكتب المدرسية والأكاديمية، والحكمة والعافية والمسؤولية وتعدد المعنى والأمل والإيمان وروح الضيافة. هناك مقولات حكيمة عمرها مئات وآلاف السنين (والتي ذكرتُ بعضها في خواطر سابقة) غيّبها كليا عصر التنمية منذ 72 سنة. ما أركّز عليه حاليا – وذكرتُ هذا في خواطر سابقة – حقيقة أن الإنسان يتغذى من 4 أنواع من التربة والموجودة في أنحاء العالم وتحتاج إلى حماية واستعادة وليس إلى تنمية وخبراء ودعم خارجي. كل ما تحتاج له هو استعادة المسؤولية – على الصعيد الشخصي والجمعي (وفق مجاورات) – للاهتمام بها والعيش وفقها. هذه الأنواع من التربة مغيبة من مدارس وجامعات النخبة وبرامج التنمية أكثر مما هي مغيبة من المجتمعات التي تشير لها التنمية بمهمشة. بعبارة أخرى، الخروج من همجية الاستهلاك بسيط (لكن ليس سهلا)، ومتوفر في كل المجتمعات من حيث العمل وفق مجاورات ووفق العافية. تشكل الأتربة الأربعة جوهر العيش بعافية. إلى جانب هذا، يكمن الأمل بأن من الممكن البدء به منذ الآن، مهما كانت البداية صغيرة دون الحاجة لأي شيء من خارج المكان كأساس. أما بالنسبة لمن يقولون بأن العالم وصل الآن إلى الجيل الخامس الخ من التقدم التكنولوجي، فأقول لهم: هنيئا لكم، كُلوا ما طاب لكم من مصنعات التكنولوجيا، واسعدوا بوضع رؤوسكم في مواعين الأجهزة على مدى ساعات كل يوم، وانعموا بالأمراض الناتجة عن كل ذلك… يقول المثل: ‘إذا شيء زاد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه’ وهذا وضع المدنية المهيمنة – زادت عن حدها كثيرا.
قول للإمام علي: ’ما هَلَكَ امرؤٌ عرف قدرَ نفسه‘. في عالم مبني على تقييمات عمودية (عبر مقاييس ضحلة) تُشْعِر الأغلبية بدونية، لا يسعنا إلا أن يوطّد ويثبّت كل شخص ثقلَه كإنسان عبر قول الإمام علي: أن يعرف قَدَرَ نفسه، والذي يشمل إدراكه بأنه مصدر معنى ومعرفة وفهم، فيشارك في تكوين معانٍ للكلمات التي يستعملها في حياته عبر تأمل بالحياة والخبرات واجتهاد في تكوين معنى لها. يحررنا هذا من اعتبار مقاييس خبيثة (كعلامات وشهادات ومراكز وألقاب ومعاهد نخبة) مرجعا لقيمتنا. تشكل المجاورة رحم أمان وعافية تساعدنا في معرفة قدرَ أنفسنا. إشعار آخرين أنهم أدنى (كما فعل الأوروبيون عبر ما يقارب من خمسة قرون عبر مساحات شاسعة حول العالم بما في ذلك منطقتنا) ونجحوا في ذلك هو في رأيي الوباء الأعظم. ما ‘زاد الطين بلّة’ كما يقول المثل، هو الإدعاء بأنهم على استعداد لمساعدتنا حتى نصبح مثلهم! إبليس لم يصل إلى درجة الخبث والتحقير التي وصلت إليها المدنية المهيمنة التي أقنعتنا بتفوقها أخلاقيا! ما يجعل الأمر أسوأ أن الذي يصدر حكم الدونية عليك، لا يعرفك بل يعيش بمكان بعيد عنك، في قارة أخرى وسياق آخر لكن يعطي لنفسه الحق أن يصنّفك ويقيّمك ويوهمك أنه أفضل منك ذهنيا وأخلاقيا – ونقع ضحايا بسهولة! صديق كان يدرس معي بهارفارد (1985) اختير أن يكون ضمن فريق للذهاب إلى مصر لتطوير التعليم فيها. سألتُه: هل زرت مصر قبل اليوم؟ قال: لا. قلت ألا تجد هذا غريبا؛ لا تعرف مصر لكن تعرف ما هو مناسب ونافع لها؟! قال: سيدفعون مبلغا كبيرا!… نقطة، وأول السطر.
أجد نفسي منغمس في كثير من الأمور التي يتعلق معظمها بانتزاع أنفسنا من فيروسات تدخل عقولنا عبر كلمات تبدو جذابة على السطح ومفيدة وذا نوايا حسنة إلا أنها تنخر فينا بالعمق وتخربنا وتهزمنا من الداخل، وبالتالي أشعر بنوع من الإرهاق مما يضطرني التوقف عن كتابة خواطر مدة أسبوعين وأعود لمتابعتها في 1/ 11 / 2020. أتمنى أن نمر جميعا خلال الأسبوعين بخبرات مليئة بالأمل والعافية وشفاء من مثل هذه الفيروسات، والذي يتطلب من كل شخص أن يفعل ذلك شخصيا أو عبر مجاورات. وأشعر أن الحاجة إلى راحة ينطبق أيضا على ‘ريف’ المنغمسة أيضا في كثير من الأمور، إذ يتطلب ترتيب الخواطر بالشكل الجميل الرائع الذي تقوم به إلى وقت وجهد يومي مرهق. جزيل الشكر والتقدير لها ولروحها المعطاءة.إلى اللقاء بعد أسبوعينمنير
كلام كثير عن الهُوِيَّة حيث نتعامل معها كأنها رديف identity وهذا غير صحيح. هُويّة تبدأ ب‘هو’ بينما identity تبدأ ب ‘I’ أي ب‘أنا’ – عالمان مختلفان جذريا؛ اختلافٌ يعكس ناحية هامة جدا: الكلمة الانكليزية تتمحور حولي أنا ك individual لا علاقة لي بمن وما حولي، بينما الكلمة العربية تتضمن أن هُويتي لا تكتمل إلا بوجود هو وهي بحياتي. هناك ثلاثة أسئلة يمكن أن يسألها كل شخص لنفسه، تساعده للتوصّل لهُويّته بالجذور: ماذا أُحْسِن (بمعاني يحسن العديدة بالعربية: الإتقان والجمال والنفع والعطاء والاحترام)’؟ وماذا أبحث عنه في حياتي؟ وما يمثّل الثابت بحياتي؟ أسئلة نابعة من أفقنا الحضاري: الأول من قولٍ للإمام علي ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’؛ والثاني والثالث من أقوال للرومي: ‘أنت ما تبحث عنه’ وتأكيده بأن حياة الإنسان حتى تكتمل هي كفرجار: رِجْلٌ ثابتة ورِجْلٌ متحركةٌ. هذه الأسئلة ترتبط بجذور معرفة الذات، التي تكوّن هُويّة الشخص بالعمق. يقول النفّري: ‘إعرف من أنت فمعرفتُك من أنت، هي قاعدتُك التي لا تنهدم وسكينتُك التي لا تزلّ’. صياغة شخص لسيرته دون استعمال كلمات مؤسسية ومصطلحات مهنية وتصنيفات أكاديمية تُسْهِم في معرفة ذاته. خطوة أولى للشفاء تكمن بانتزاع أنفسنا من هكذا مصطلحات وتصنيفات كمرجع، واستعادة كلمات تستمد معانيها من الحياة والتأمل والاجتهاد والحضارة والطبيعة.
أكثر ما يهدد البشرية والحياة والطبيعة هو ليس فيروس كورونا بل ‘فيروس’ العيش بترف وفيض وجشع والذي يتضمن الهدر. الترف هو الخطر الأكبر على المناخ والمُسَبِّب الرئيسي للحروب وتخريب كل ما هو طبيعي وقادر على توليد ذاته. أعني بالترف ما نشهده في معظم الدول حول العالم حيث نسبة ضئيلة جدا تعيش بترف غير مسبوق بينما الباقون بالحضيض، والذي نبّهت له حركة ‘احتل وول ستريت’ occupy wall street التي ألهمها ميدان التحرير بالقاهرة، فرفعوا في ‘نيويورك’ لافتة the maydan is here، لخّص مكونوها حركتهم ب”نحن ال 99%”. أود أن أؤكد مرة أخرى: الترف والجشع يشكلان العدو الأكبر للحياة والطبيعة. أُومِن بكل قوة وقناعة أن الحل يكمن ليس في لقاحات مزيفة سطحية (مثل تنمية مستدامة وتقدُّم) بل بالعودة إلى دورة الحياة والقدرة على توليد الذات، إذ هناك تكمن الاستدامة الحقيقية في الجذور – تكمن حول حماية واستعادة الأنواع الأربعة من التربة التي تغذينا والتي ذكرتُها في الخاطرة رقم 68. حماية أنواع التربة والعيش وفقها ما يمكن أن ينقذ البشرية. العيش وفقها يشكّل نقيض العيش بترف وفيض وجشع. يتطلب هذا قلب الأمور في عقولنا وإدراكنا وأفعالنا وعلاقاتنا وفي القيم التي تحكم حياتنا. مما يعني بالضرورة تحوُّلا في نظرتنا وتعاملنا مع الاقتصاد بوجهٍ خاص، والذي ربما يكون الأصعب. ربما ينظر البعض إلى ما أقوله كأنه عودة إلى الوراء. في الحقيقة، ما أقوله هو عودة إلى عمق ما يحمي الحياة والبشر من الفناء. كتبتُ عام 2008 مقالا بجريدة ‘الحال’ بجامعة بيرزيت بعنوان ‘نموّ رام الله… هل فيه حكمة؟’ حيث كان من الواضح أن البنك الدولي كان يحفر ترفا زائفا يخلخل ما فيه عافية للناس والمجتمع، بما في ذلك تخريب أنواع التربة المذكورة.
الربح المركب يُدَرَّس بالمدارس حول العالم في مادة الرياضيات عبر معادلة يطبّقها الطلبة دون ذكر أي شيء آخر مثل أنه مسبِّبٌ رئيسي لما نشهده من همجية وتخريب حول العالم. لو وضعنا مبلغ 10 دولارات في بنك بسعر فائدة 5% سنويا لمدة 200 سنة، يصبح المبلغ وفق الربح البسيط 110 دولارات؛ بينما وفق الربح المركب بنفس المواصفات يصبح 173 ألف دولار! من هنا، ضروري التمييز بين رأس المال كأداة يمكن أن تسهّل التعامل بين البشر، وبين الرأسمالية بمعنى التراكم الأسي لرأس المال الذي يشكل مصدرا رئيسيا للهمجية التي نشهدها حول العالم.