إذا وضعت اسم أمي في غوغل، أحصل على صفر نتائج. إذا وضعت اسمي بالعربية أحصل على 30 ألف نتيجة، وبالانكليزية على 36 ألف! هل هذا يعني أني أهم منها وأن حياتها ليس لها قيمة؟ أم أنه يعني أن غوغل يبقى على السطح، بين الأغصان، ولا يرى ما هو موجود بالجذور؟ غوغل، مهما انبهرنا به، محدودٌ ومشوِّه للحقيقة والحياة؛ ومنحاز لما هو ضحل وسطحي وينتمي لعالم الاستهلاك. كتبتُ الكثير عن عالم أمي وكيف أن فيه تناسقا وتناغما خفيّين بينما عالمي مشرذَم وضحل ويدعو للشفقة!
أول أمس كنت في زووم شارك فيه أشخاص من السويد وألمانيا ودبي وفيتنام والبرتغال والولايات المتحدة. بمعرض حديثنا تكلمتُ عن المجاورة مع النساء بمركز الأميرة بسمة في حي النزهة بعمان. ما ذكرتُه في هذا اللقاء يختلف عما كتبتُه بخواطر سابقة. شمل الحديث التعلُّمَ خارج مفردات وإملاءات ونظريات الأيديولوجية المهيمنة. قلتُ: عملتُ مع النساء أكثر من سنة ونصف. لم أذهب إلى هناك لأدْرُسَهُنّ (كما هو الحال في الدراسات التربوية والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع)؛ ولا لأدَرِّسهنّ (كما في ورش عمل وتدريب وتعليم الكبار يمكن أن يكون لها معنى بمعارف تقنية). في نواحٍ تتعلق بالحياة، أجد سعي شخص لدراسة بشر (بصفة مهني أو أكاديمي أو خبير) يجسّد عنجهية واحتقارا للناس. أن يقوم شخص بدراسة مجتمع أو ثقافة أو حضارة ويدّعي أن ما يقوله هو الحقيقة، يعكس في أفضل الأحوال عيبا كبيرا. مَنْ أنا، فقط لأن معي شهادة، لأعطي نفسي الحق بأن أَدْرُسَ شخصا آخر أومجتمعا أو ثقافة وكأنه شيء؟ أليس من الأَوْلَى أن أدرس نفسي وأحاول تهذيب فكري وقولي وسلوكي وعلاقاتي مع الناس بدلا من دراستهم وإعطاء تقارير عنهم عبر مفاهيم ونظريات وتصنيفات صُنِعَت ضمن مدنية تحكمها قيم السيطرة والفوز والتراكم الأسي لرأس المال؟ معظم ما يشار له بدراسات لها علاقة بالبشر تحمل في طياتها منظومة متكاملة من كلمات ومفاهيم وإدراكات ترتبط بأيديولوجية القبيلة الأورو-أمريكية. العلاقة بيني وبين النساء في مركز النزهة كانت عبر مجاورة التي لا معنى فيها لدراسات وتدريس وتقارير وتقييم – كلمات لا تمتّ للحياة بل لمن ينظرللحياة من فوق. المجاورة لغة الحياة ومِلْكُ المتجاورين ولا يوجد فيها تراتبية من أي نوع. المجاورة بالمجتمع كروبة اللبن في الحليب تحتوي على بكتيريا طيبة تولّد حيويتها ذاتيا؛ هي طريق الحكمة والعافية والكرامة والتعددية والمسؤولية والحرية والمساواة. لنتوقف عن دراسة البشر وتدريسهم، ونستعيد – كأساس – المجاورة كوسيط للتعلم وكاللبنة الأساسية ببنية المجتمع، ونستعيد العافية كبوصلة لا نناقضها في أفعالنا.
في أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي (77 – 1978) حصل حدثان بالضفة الغربية بفلسطين يجسّدان الخطورة التي يشعر بها الاحتلال الإسرائيلي بالنسبة لأي بناء على التربة الثقافية (ولا أقول الثقافة التي يمكن أن تكون سلعًا لا ترتبط بتربة يتغذى منها الناس ويغذّوها). الحدث الأول إنشاء كلية فنون بجامعة بيرزيت والحدث الثاني إنشاء برنامج أدلاء سياحة بجامعة بيت لحم. رفضت إسرائيل السماح للبرنامجين! كنتُ عضوا في اللجنة المكلفة بإنشاء كلية الفنون. كانت فكرة الكلية تشمل بناء أساسيا في الوسط يضم قاعة كبيرة، وحوله عدة بيوت صغيرة، كل بيت يهتم بناحية فنية تجمع بين أكاديميين وفنانين ’عضويين‘ كونوا فنونهم من أتربة حية في المجتمع. ما أخاف الإسرائيليين في رأيي هو ربط الطلبة بجذورهم، بتربة ثقافية مجتمعية وجدانية. كان ’حسيب الصباغ‘ قد تبرّع بالمبلغ اللازم لإنشاء الكلية. رفضت إسرائيل رَفْضا قاطعا السماح بذلك! كذلك الحال بالنسبة لإنشاء برنامج أدلاء سياحة بجامعة بيت لحم حيث رفضت أيضا إعطاء رخصة لإنشاءها. كان تعليق الجنرال الإسرائيلي ’موشه ديان‘ حينئذ: سنسمح للفلسطيني أن يكون سائق طيارة حربية قبل أن نسمح له بأن يكون دليلا للسواح! هذان الحدثان يعكسان أهمية الثقافة بحياة الشعوب عندما تكون نابعة من أتربة حية متعافية. تغيَّر الحال وأصبحنا نحن الأكاديميين نسعى أن نكون نسخا عن الغير نعيد كالببغاء ما نقرأه أو نسمعه من خبراء همُّهم الأول إقناعنا بأن الماضي متخلف وولى زمانه، مما جعلنا نتنافس في احتقار أنفسنا؛ أي، أصبحنا العائق لإنشاء ما يمتُّ بالجذور الثقافية المعرفية. ذكرتُ في خاطرة سابقة الاقتراح الذي أرسلتُه عام 2010 للجامعات الفلسطينية حول البدء بإنشاء ’بيوت حكمة‘ لعشرة طلبة فقط بكلٍّ منها على غرار بيت الحكمة ببغداد قبل 1200 سنة. لم تكترث أيّ جامعة بذلك! على الأغلب اعتبروا الفكرة عودة إلى الوراء في عالم تحكمه التكنولوجيا والبنوك وعلومٌ ترتبط بإخضاع الطبيعة.
سأستعمل في هذه الخاطرة اللغة السائدة حاليا والمتعلقة بكورونا، وأصف الكلمات المصنّعة المؤذية بفيروسات، والكلمات المغذية الشافية بلُقاحات. وهذا ينطبق أيضا على المأكولات حيث يشكل ما كان منها مصنعا ومؤذيا مأكولاتٍ فيروسية، وتشكل النباتات البرية وكل ما هو عضوي اللقاحات. من هذا المنطلق، هذه الخاطرة بمثابة تجميع وتلخيص لكثير مما جاء بخواطر سابقة عبر اللغة السائدة بوجود كورونا. سأذكر في هذه الخاطرة أمثلة من عالم الكلمات، ذكرتُ بعضها بخواطر سابقة:
التقييم العمودي حيث رقم أو حرف أو رمز يحدد قيمة المرء هو فيروس يمزق العالم الداخلي للمرء والنسيج المجتمعي حوله؛ عبارة الإمام علي ‘قيمة كل امرئ ما يحسنه’ هي اللقاح.
استعمال CV كتعريف للمرء هو فيروس يهمل الشخص ويحكي عن مؤسسات له علاقة بها؛ السيرة الذاتية التي تحكي عن رحلة الشخص عبر حياته دون استعمال مصطلحات مؤسسية مهنية وتصنيفات أكاديمية تشكّل اللقاح.
بَحْث بمعنى research حيث لا يرتبط بما يبحث عنه الشخص في حياته هو فيروس؛ بَحْث بمعنى ما يبحث عنه الشخص بالحياة هو اللقاح.
العيش وفق توقعات هو فيروس؛ العيش وفق أمل هو اللقاح.
العيش كمواطن برقم وطني هو فيروس؛ العيش ضمن أهالي هو اللقاح.
الشوفينية القومية فيروس؛ التقوى هي اللقاح.
العلم كقهر وإخضاع الطبيعة وخلخلة أسسها فيروس؛ العلم كفهمٍ للطبيعة واعتبارها الشافية الرئيسية للإنسان والمجتمعات هو اللقاح.
اللغة الأم (لغة المؤسسات والكتب المقررة والسيطرة) فيروس؛ لغة الأم (اللغة الحية، لغة التحادث والحكايات والشعر والأدب والتي تتكون معانيها عبر تأمل واجتهاد وتحادث) هي اللقاح.
المواد المدرسية التي قررتها لجنة العشرة في أمريكا عام 1892 هي فيروس؛ أنواع التربة التي نتغذى منها (الأرضية والثقافية والمجتمعية والوجدانية) ونغذيها هي اللقاح.
شعار جامعة هارفارد VERITAS (الحقيقة) هو فيروس؛ ’بيت الحكمة‘ في بغداد قبل 1200 سنة هو اللقاح.
الإبداع والتميز وفق نمط الاستهلاك في العيش والفكر هما فيروس؛ البيان الذي يبين ما يغلي وينضج داخل الشخص ويخرج كرفسة فرس ويعكس قدر الشخص هو اللقاح.
المسيح الفلسطيني يوصف بالفادي (مما دعا منظمة التحرير إطلاق كلمة ’فدائيين‘ على المقاتلين). الفادي يسكن بين الناس ومعهم. أصبح في أوروبا مخلّصا؛ المخلص يجسد عنجهية.
أكتب يوميا عما يتكون لديّ عبر تأمُّلٍ واجتهاد فيما أمرّ به. انتبهتُ حديثا أن ما أكتبه يرتبط (دون قصدٍ أو تخطيط) بما فيه أمل وعافية وشفاء من أوهام وخرافات، خاصة الحديثة منها. يتوافق هذا مع ما ذكرتُه أكثر من مرة حول حقيقة أن الجزء السليم بجسم مريض هوالذي يشفي ذلك الشخص. من هذا المنطلق، التحادث في المجاورات هو ليس فضفضة وتفريغ بل استعادة لعافية الإنسان والمجتمع. الفضفضة تُشْعِر الشخص براحة مؤقتة لا تلبث أن تزول دون أن تُغيّر شيئا في الجذور. ما أكتبه يوميا منذ 1971 هو مثل الأكل الذي آكله يوميا ليغذي جسمي، إذ ما أكتبه يغذيني على صعيد الفكر والثقافة والعلاقات والوجدان.
قبل أكثر من 500 سنة، كانت توضع قوائم بالكتب الممنوعة. الوضع حاليا أخبث؛ لا حاجة لوضع مثل هذه القوائم، الكتب المقررة تقوم بهذه المهمة، إذ هذه الكتب تسلب الطلبة معظم أوقاتهم بحيث لا يتبقى وقتٌ لقراءة كتب فيها غذاء للعقل والقلب والروح؛ كتب عبارة عن أدب، فيها متعة وحكمة، كتب عبارة عن بيان وتبيين – عكس الكتب المقررة التي يشمل أغلبها لغة ميتافيزيقية لا علاقة لها بالواقع ولا تبين ما بداخل الكاتب، لغة دعائية لا دلالات لها بل إيحاءات؛ كتب، أفضلها يحتوي على معلومات متفرقة أو مهارات آلية أو معارف تقنية ترتبط بعالم الاستهلاك.
أرى شخصيا أن من الأفضل أن نستعمل مجاورات بدل مجموعات داعمة ودورات تدريب وورش عمل، وبرامج دعم نفسي وصحة نفسية فجميعها ينطلق من حاجات ونواقص وأمراض. المجاورات فيها احترام وارتباط بسياق وفعل وعلاقات ووجدان.
ماذا تعني لي كلمة ’ترف‘؟ اقتناء شيء أو الاندماج على مدى سنوات بما لا معنى ولا حاجة ولا قيمة له سوى ما يحمله من إيحاءات ورموز براقة، بينما في الواقع هو إلهاء وأوهام وخرافات ومضيعة وقت. مثلا، عائلة تشتري مقتنيات لا ضرورة لها بالحياة، لكنها تُعْطي انطباعا بأن تلك العائلة تنتمي من طبقة أعلى. عشتُ هذا الترف (دون أن أدري) بمجال الرياضيات، حيث درستُ ودرّستُ مساقات لا علاقة لها بحياتي ولا حاجة ولا معنى، لكنها تعكس قيمة وهمية يدفع كثيرون الغالي والرخيص من أجل حصول شهادة فيها! هذا بالضبط ما تعنيه لي كلمة ’ترف‘: اندماج بأشياء لها إيحاءات إيجابية ورموز براقة مثل ذكاء.